هذه المقابلة أجراها آل سنتير، محرر مجلة «ستيج» المتخصصة في كل ما يتعلق بالمسرح مع الكاتب المسرحي والممثل والمخرج البريطاني سير ديفيد هير بمناسبة إصدار كتابه «الهراء يحدث»، مؤخراً، بالتزامن مع انطلاق عرض هذه المسرحية في لندن.
وقد آثر هير تلقي الأسئلة كلها دفعة واحدة، ثم التعامل معها في إطار ما يمكن أن يشبه المونولوج المحتدم الذي يشكل متن المقابلة، والذي استهل بإطلالة سريعة على هذه المسرحية التي تعد المسرحية الثالثة عشرة التي يقدمها «الناشيونال ثيتر» لهذا المبدع، الذي يعتبره الكثير من النقاد أهم مسرحي عرفته الخشبات البريطانية منذ الحرب العالمية الثانية.
ثم تم التطرق في إطاره للوضعية الراهنة للمسرح البريطاني ومستقبله وآفاق المسرح التجاري ومدى التزام الممثلين بالمسرح الجاد، وأخيراً الإجابة عن التساؤل الذي يؤرق الكثيرين من عشاق المسرح على امتداد العالم، وهو: هل غربت شمس الكتاب الملحميين حقاً *وفيما يلي نص المقابلة:
لست أعتقد أن الكثير قد تغير منذ بداية عملي في المسرح. وقد كانت هناك أزمة استمرار في البقاء تحددت ملامحها فيما يتعلق بالشكل الذي يجب أن يتخذه المسرح، لكن هناك شعوراً عاماً بأننا قد تجاوزنا هذه الفترة. وما يتعين علينا أن نتذكره دائماً هو أن المسرح سيبقى للأبد، شريطة أن يكون العمل الذي يقدم في إطاره مميزاً بنوعية مميزة بما فيه الكفاية.
لقد تغيرت بيئة المسرح، فهو الآن جزء من ثقافة التسلية القائمة على العمل الحر، ولم يعد هناك احتياطي كبير من الممثلين والكتاب والمخرجين العاملين في المسرح بصفة حصرية.ساد الشعور، بعض الوقت، بأن المسرح الإنجليزي سيمضي في طريق المسرح الفرنسي، وينقسم إلى ثلاثة أجزاء متمايزة فيما بينها.
وهي المسرح الطليعي الذي تدعمه الدولة والذي يقدم عملاً بائساً لا تتدفق الدماء في عروقه على نحو مستمر، والمسرح التقليدي الرصين والذي لا يثير الحماس ولا يفجّر الشعور بالإثارة، ومسرح البوليفار التجاري.
غير أن ذلك لم يحدث، وإنما حدث انتعاش ملحوظ في حالة المسرح الإقليمي، وحقق نك هايتنر في «الناشيونال ثيتر» شيئاً أقرب إلى الإنجاز الخارق، وذلك من خلال إيضاح أن عليك تطوير الجمهور وكذلك «الريبرتوار».
وبالنسبة لي، فإن ما يشكل خاصية للمسرح الإنجليزي هو أنه مسرح يقوده المؤلف، وأنه يمثل ويعكس بصورة دائبة الحياة العصرية على خشباته، وتلك عبقريتنا الخاصة، ولكن الحفاظ على تلك العبقرية اقتضى جهداً كبيراً للغاية.
وفي هذا الإطار، إذا أردنا التطرق بسرعة عاجلة إلى مسرحية «الهراء يحدث»، فإنني أود الاكتفاء بالإشارة إلى أنني أردت أن أكتب القصة المتعلقة بكيف أن رجلاً يفترض أنه غبي تماماً يفلح في المضي قدماً في طريقه مع رجلين يفترض أنهما بارعان، فيما يتعلق بغزو العراق.
لابد للمسرح من أن يصبح أكثر ترحيباً بالشباب وانفتاحاً أمامهم، لأنه ينبغي أن يكون قالباً فنياً للشباب. دعونا نبادر إلى إلقاء نظرة على الماضي، فقد كان بيتر بروك يمارس الإخراج في ستراتفورد عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وخلفه تريفور نان وهو في التاسعة والعشرين من العمر، وهو العمر الذي كنت فيه عندما طلب مني بيتر هال أن أدير فرقة مسرحية في مسرح أوليفييه.
ومع ذلك فإن روفوس نوروس، الذي هو في التاسعة والثلاثين من عمره، يجري الآن فحسب تقديره باعتباره مخرجاً شاباً متألقاً! عندما شكّلت فرقة مسرحية في عام 1968، وافق مجلس الفنون على إعطائي تمويلاً يقدر بثمانية آلاف جنيه استرليني. أما الآن فإنه يفضل أن يدعم حكم مسنين للمسرح يتعين في إطاره على كل شخص أن ينتظر دوره.
وتعد شيخوخة المسرح مشكلة خطيرة، فلنتأمل الوضعية القائمة في مسرح «الأولد فيك» حيث يصدر مخرجون في الخمسين من عمرهم تعليمات لمخرجين في الخامسة والعشرين من عمرهم حول كيفية أداء العمل، بينما اتجاه التعليمات ينبغي أن يكون معكوساً.
وهناك ما هو خطأ بصورة عميقة في تحول قطاع المسرح المدعوم من الدولة إلى أكاديمية، فذلك من شأنه أن يوجد مناخاً متشائماً ومنفراً يعد محبطاً للغاية.
حينما طلب مني ريتشارد أير، في أواخر الثمانينات، تأليف ثلاث مسرحيات لتقدم على خشبة «الناشيونال ثيتر»، اضطررت لاتخاذ قرار جذري لإلزام نفسي بقضاء خمس سنوات في المسارح البريطانية. فأخذت نفساً عميقاً.
وقبلت عرضه.إن ما تدهور، بلا شك، على مدار السنين هو نوعية الكتابة عن خشبة المسرح، فعندما أُعيد تقديم مسرحيتي «أسنان وابتسامات» على خشبة مسرح «شيفلد كروسيبل»، راجعت الكتابات النقدية عن الانتاج الأصلي للمسرحية، وأذهلني ما كتبه الراحل رونالد برايدن عن هذه المسرحية في إنتاجها الأصلي في صحيفة «الأوبزوفر».
وقد كان هناك قبول في مقاله لكون ابتكاراتي في غمار تأليف المسرحية جديرة بالمناقشة. ومنذ الأيام التي «اكتشف» فيها برايدن موهبة توم ستوبارد عن طريق مسرحيتي «روزينكرانتز» و«عائلة جيلدنشترن لقت حتفها» على خشبة مسرحي «أدنبرة فرينج» لم يوجد ناقد واحد يمكن الربط بين اسمه واسم مؤلف واحد بالطريقة التي أبرز بها تاينان أوزبورن، ودعم بها هارولد هوبسون موهبة صمويل بيكيت.
إنني أخشى أن المسرح التجاري ليس اليوم أفضل حالاً مما كان عليه عند بدء نشاطه العملي، فهو رجعي كعهده أبداً.
ولبعض الوقت، عندما انتقلت مسرحيات من إبداع مارك رافينهل وباتريك ماربر وجو بينهال إلى «الوست إند» بدأ الشعور يساورك بأن هناك طريقة لتقديم المسرح التجاري يمكن أن تجتذب الجمهور الشاب. الذي يريد قضاء سهرة خارج داره. ولكن هذا التدفق الذي لم يطل عمره يبدو أنه قد وصل إلى نهاية دربه.
على امتداد السنين التي أمضيتها في العمل بالمسرح، كان الممثلون مترددين بصورة متزايدة في الالتزام بمسرحية واحدة لأي فترة من الزمن. ولست أحس بأن ذلك خطأ يقع على كاهل الممثلين.
وإنما أصب اللوم على الوكلاء الفنيين الذين يشددون على الممثلين العاملين معهم بعدم الاشتغال بالمسرح. والممثلون يزعمون دوماً أنهم ليسوا متاحين للعمل المسرحي لأنهم ينتظرون فيلماً يمثلون فيه، ولكن من المؤكد أن أفضل طريقة لانتظار فيلم هي التمثيل في مسرحية. ومن ناحية أخرى، فإن الأمر وقف علينا نحن المؤلفين فيما يتعلق بكتابة الأدوار التي يريد الممثلون القيام بأدائها.
إنني أعشق المسرح، وأحب صعوبته. وأحب الحقيقة القائلة إنه شاق على نحو لا يصدق، وانه من المستحيل جعله يؤدي بالطريقة الصحيحة. وقد انتظرت طوال عمري لمشاهدة رائعة أونيل «الحداد يليق بألكترا».
وجاء إنتاج هوارد ديفز لهذا العمل مع هيلين ميرين، فساورني شعور هائل بالسعادة في غمار مصادفة نوعية التجربة العميقة التي يمكن للمسرح وحده أن يقدمها. غالباً ما يتساءل الناس: أين مضى الكتاب الملحميون، الكتاب الذين تضم أعمالهم موضوعات كبرى من النوعية التي يمكن لمسرح «أوليفييه» وحده أن ينصفها.
ومع ذلك فإنه ليس هناك نموذج قياسي للمسرح السياسي. وتعد مسرحية «فتية التاريخ» من تأليف ألان بينيت مسرحية سياسية على نحو عميق، ومع ذلك فإنه يدفع بثقل أفكاره تحت النكات. وتتعامل مسرحية مايكل فراين «الديمقراطية» شأن مسرحيتي «غياب الحرب» مع طبيعة الديمقراطية ذاتها وعزلة القائد.
وليس الأمر أن المسرحيات ذات الموضوعات الملحمية لا توفق إلا على خشبة مسرح «الأوليفييه» وانما أن مسرح «الأوليفييه» يقتضي سياقات ملحمية.
ومن بين كتاب الجيل الجديد، تأثرت بشكل خاص بربيكا لينكوفيتش، التي كانت مسرحيتها «الموسم الليلي» التي عرضت على خشبة مسرح «الكويتسلو» مبهجة وشاملة لمقومات النجاح و«مشاهد من الصورة الكبيرة» لأوين ماكفري.
وتمثل ما أحببته بشكل خاص فيما يتعلق بهاتين المسرحيتين في انهما لا تنتميان إلى تلك المدرسة في الكتابة الدرامية التي ترفع شعار «أليست الحياة رهيبة».
مسيرة ديفيد هير
* ولد الكاتب المسرحي البريطاني سير ديفيد هير في 5 يونيو 1947 في سانت ليونارد بسسيكس في إنجلترا وتلقى تعليمه في لانسنج كوليج ثم حصل على درجة الماجستير من جيسوس كوليج في كامبردج في عام 1968.
* عمل هير مديراً أدبياً في عامي 1969 ـ 1970 في مسرح الرويال كورت وكاتباً درامياً مقيماً بالمسرح نفسه في عامي 1970 ـ 1971 وتولي المنصب نفسه في مسرح نوتنغهام بليهاوس.
* أسس في عام 1975 فرقة جوينت ستوك التي اقتبس لها مسرحية «فانشن» في العام نفسه وبعد هذا العام كتب لـ «الناشيونال ثيتر» مسرحيات من نوعية «الوفرة» (1987) و«خارطة العالم» (1983) و«برافدا» (1985) و«الشياطين المتسابقة» (1990) و«القضاة المغمغمون» (1991) و«غياب الحرب» (1993) و«رؤية إيمي» (1997) و«قبلة يهوذا» (1998) وتعد مسرحية «الهراء يحدث» المسرحية الثالثة عشرة التي تقدمها له هذه الفرقة.
* أسس هير في 1982 شركة للأفلام، هي «جرينبوينت فيلمز» وكتب لها العديد من السيناريوهات المقتبسة من مسرحياته.
* فاز هير بجوائز عدة منها جائزة البافتا (1979) وجائزة حلقة نقاد دراما نيويورك (1983) والدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي (1985) وجائزة أوليفييه (1990) وجائزة نقاد المسرح اللندني في العام نفسه.
منى مدكور
