«الهراء يحدث.. »وهو بعيد عن الترتيب، الحرية بعيدة عن الترتيب، والأحرار هم أحرار في ارتكاب الأخطاء واقتراف الجرائم والقيام بالأعمال السيئة. هكذا كان رد وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد في 11 أبريل 2003 على الصحافيين، وهم يمطرونه بالأسئلة عقب عمليات السرقة والنهب سيئة الصيت التي جرت في بغداد.

وعلى امتداد الكتاب الذي يتضمن مسرحية ديفيد هير الجديدة «الهراء يحدث» نطالع رصداً للعملية التي أفضت إلى الغزو الأميركي للعراق.وهذه العبارة الشهيرة تقدم مدخلاً إلى ذلك الحشد من المتغيرات المتعلقة بالدبلوماسية، السلطة السياسية، عمليات الثأر التي لاتزال تتصدر صفحات الصحف الأولى في مختلف أرجاء العالم.

ويستخدم سير ديفيد هير مقتطفات مباشرة، مستمدة ببراعة من المقابلات والتصريحات العامة، التي تمزج مع إعادة تصور الكاتب لما جرى وراء الأبواب المغلقة، بحيث يخرج في نهاية المطاف بسرد تاريخي ودراما إنسانية تطرح الصراع العراقي بكل أبعاده سيئة الصيت.

وعلى امتداد صفحات الكتاب يجد القارئ نفسه على موعد مع منهاج متوازن على نحو فريد في التعامل مع الغزو المثير للجدل، الذي ينظر إليه من منظور القادة الدوليين والصحافيين وكذلك المشردين العراقيين.

وفي غضون ذلك يطرح المؤلف سلاسل من الأسئلة الاستفزازية حول معظم آليات التلاعب بالقضايا الكبرى في الحياة السياسية الدولية.

وفي هذا العمل الخلافي المثير للجدل يلتقي القارئ ـ والمشاهد ـ مع كل اللاعبين الكبار، في المرحلة التي سبقت غزو العراق، حيث يجد نفسه في مواجهة جورج بوش الابن، دونالد رامسفيلد، ديك تشيني، طوني بلير، كوندوليزا رايس، كولن باول، وفي العديد من الحالات الكلمات الفعلية التي استخدمها هؤلاء القادة في تصريحاتهم تشكل جزءاً أساسياً من الحوار.

غير أن جهداً كبيراً من جانب المؤلف يبرز بصفة خاصة في الأجزاء التي تدور وراء الكواليس من المسرحية، حيث يقول المؤلف إنه تحدث بصورة انفرادية مع العشرات من الأشخاص الذين شاركوا في الأحداث التي يقدمها على خشبة المسرح.

وتردد بعض مشاهد المسرحية أصداء ما يعرف بـ «مذكرة داونينغ ستريت» التي تشير إلى أن إدارة بوش كانت قد قررت غزو العراق قبل وقتل طويل من إقرارها بأنه قد تم اتخاذ أي قرار يتعلق بالعراق، بل وحتى بينما كانت الجهود لا تزال تبذل في إطار الأمم المتحدة لاستبعاد احتمال نشوب الحرب.

ومن المهم هنا التشديد على ما يقوله سير ديفيد هير من أن «الهراء يحدث» ليست نوعاً من الأعمال التوثيقية الحية، وإنما هي مسرحية تاريخية.

وبأسلوب أكثر دقة وتحديداً مما تبناه بعض النقاد، يقول هير عن هذا العمل: «إنه يدور حول السلطة، وهناك رجل واحد يفهم السلطة، وهو في هذه الحالة جورج بوش. وأنا أصف هذه المسرحية بأنها مسرحية حول كيف أن رجلاً يفترض أنه غبي، هو جورج دبليو بوش، يحصل على كل شيء يريده، وأن رجلاً يفترض أنه بارع، هو طوني بلير، ينتهي به الحال إلى عدم حصوله على أي شيء مما يريده».

ويلفت النظر بصفة خاصة أن سير ديفيد هير يصف هذه المسرحية بأنها مسرحية تاريخية، يتصادف أنها تدور حول تاريخ قريب للغاية. وقد تم تأصيل الأحداث التي تقع فيها اعتماداً على مصادر عدة، ما بين خاصة وعامة. وما يقع فيها يحدث في الواقع، وما من شيء فيها يتصف بأنه غير صحيح بصورة معروفة من جانب المؤلف.

وقد استعان المؤلف، في هذا الصدد بصفة خاصة، بحصيلة عدد كبير من المقابلات واللقاءات التي أجراها خصيصاً لهذه المسرحية وبمساعدة دكتور كريستوفر تيرنر، الأستاذ الزائر بجامعة كولومبيا.

وكما سبقت الإشارة، فإن المسرحية تستمد عنوانها من تصريح شهير لرامسفيلد في مؤتمر صحافي عقده في 11 إبريل 2003، وهي تنطلق لتقدم في إطار درامي التطور الذي أفضى إلى تشكيل التحالف الدولي برئاسة الولايات المتحدة وبريطانيا لغزو العراق.

هنا يجد القارئ نفسه في مواجهة مجموعة مهمة من علامات الاستفهام: كيف يسوي العالم خلافاته في ظل وجود قوة كبرى وحيدة؟ ما الذي يحدث للقادة الذين يخاطرون بمصداقيتهم في إطار سياسات مثيرة للشك لدى رأي عام يتشكك فيهم؟

تحت آفاق هذه الأسئلة التي تطرحها المسرحية، يلتقي الجمهور مع مسرحية تاريخية، مع دراما تدور حول الدوافع والصراعات وشخصيات القادة، الذين يتعين عليهم اتخاذ قرارات ذات تبعات تاريخية.

وسير ديفيد هير يحترم الواقع، ويتفهم العبء المتمثل في اتخاذ مثل هذه القرارات المصيرية، وهذا يعني أن موقف كل شخصية في المسرحية يمكن فهمه بشكل أو بآخر.

على سبيل المثال، فإن، كولن باول يتعين عليه أن يخاطر بتوجيه الاتهامات إليه بالضعف، حيث يحذر الرئيس الأميركي فيما يتعلق بما يشعر به الأجانب. وطوني بلير يتعين عليه تجاوز المعارضة السياسية البريطانية. ويثور ديك تشيني غضباً عندما يرى أن نزعة بلير الدولية الأخلاقية تكبل يديه بالأغلال. أما الخطيب الجالس فوق قمة دبابة، دونالد رامسفيلد، فإنه يقوم في خطبة رائعة بانتزاع القناع الذي يخفي الكراهية الأوروبية لأميركا.

عند هذا المنعطف، بالضبط، يلفت الناقد تشارلز مور نظرنا في مقال مهم في صحيفة «ديلي تلغراف» اللندنية إلى أن وليام بليك قال إن ميلتون في «الفردوس المفقود» كان: «من حزب الشيطان على الرغم من انه لا يعرف ذلك».

وكان بذلك يقصد أن الشاعر قد وقع في حب الشيطان، الذي هو أكثر الشخصيات توهجاً في ملحمته. والمرء لا يملك إلا التساؤل عما إذا كان الأمر نفسه قد وقع بالنسبة لسير ديفيد هير في تناوله لشخصية بوش.

وذلك على الرغم من أن كارهي بوش سيجدون لحظات سعيدة في هذا العمل عندما يبدو الرئيس الأميركي جاهلاً أو غبياً، وذلك في تعليقاته على فلسطين التي تستند إلى جولة بالهليوكبتر مع أرييل شارون. وهكذا فإنه يبرز تدريجياً باعتباره الشخصية الأكثر إثارة للاهتمام في المسرحية كلها.

وربما كان المشهد الأقوى في المسرحية هو ذلك الذي يناقش فيه اللاعبون الكبار ـ تشيني ورامسفيلد وباول ـ ما الذي سيفعلونه مع بلير وأوروبا والأمم المتحدة فيما ساعة الحسم تقترب، حيث يوضح باول على نحو بليغ موقف بلير والسر في أن الإدارة لابد لها من دعمه. وهو يقول إنه يحب بلير.

بينما يقول تشيني إنه يكرهه. ويدرك القارئ أن هذين الموقفين متهافتان لانهما شخصيان بأكثر مما ينبغي. وفي غضون ذلك يجلس بوش باسماً مع رايس، ويترك الايديولوجيات والمشاعر والشخصيات تتصادم، ثم يوضح في جملتين السر إجمالاً في أن بلير بحاجة إلى كل التأييد الذي يمكن لأميركا أن تعطيه إياه، ثم يتخذ قراره.

سيرز يحكي عن هير

يعد هير، بصورة جوهرية، كاتباً مسرحياً أخلاقياً ورومانسياً، يبرع في صياغة الموضوعات من خلال إظهار كيفية تأثيرها على أفراد بعينهم، وتتسم أعماله بموقف متشكك من المؤسسات البريطانية وباعتقاد جازم بأن الخلاص ممكن وبأن الحياة يمكن تغييرها إلى الأفضل.

وقد كتب، بالإضافة إلى المسرحيات، مدافعاً بشغف عن المسرح وعن احترامه لكتاب المسرح «من ذوي النزعة الفردية الرومانسيين»، من أمثال جون أوزبورن، الذي أطلق في عام 1956 الموجة

الجديدة في المسرح البريطاني في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وباعتباره عضواً بارزاً في الموجة الجديدة الثانية ـ جيل 1968 الذي تصالح مع انكسار آماله التي علقها على الثورة الاجتماعية، فقد قدم، كمؤلف ومؤلف مشارك ومقتبس، أكثر من خمسين مسرحية وعملاً درامياً تلفزيونياً وفيلماً بالإضافة إلى النص المغنى لأوبرا «السكين» (1987).

وعمل مخرجاً، وحظي بجماهيرية كبيرة ككاتب مسرحي، وكتب عدداً لا حصر له من الصحف والمجلات. وقد أدى نجاحه في إبداع مسرحيات جماهيرية وذات نزعة طبيعية وارتباطه بـ «الناشيونال ثيتر» وبالخشبات المسرحية ذات الرواج الجماهيري مثل «الميدا ثيتر» في شمالي لندن إلى تعرضه للانتقاد من قبل البعض من النقاد الذين وصفوه بأنه مؤلف للطبقة الوسطى يميل إلى الاستسهال.

غير أن المدافعين عنه بادروا إلى الإشارة إلى تنوع أعماله التي تعالج نطاقاً عريضاً من الموضوعات والأفكار. وعلى الرغم من قبوله لقب «سير» الذي منح له عام 1998 إلا أنه يواصل انتقاد الثقافة البريطانية بصرامة بالغة».

* الكتاب:الهراء يحدث

* الناشر:فيبر آند فيبر ـ لندن 2005

* الصفحات: 128 صفحة من القطع المتوسط