الدكتور عمر عبدالماجد أكاديمي مختص بدراسة التاريخ والثقافات الإفريقية، عمل دبلوماسيا لسنوات طويلة في وزارة الخارجية السودانية، كسفير في عدد من البلدان، وأستاذا للدراسات الدبلوماسية، وهو شاعر وباحث.
صدر له ديوانا أسرار تمبكتو القديمة، ومهرجان العصافير والأراك، ودراسات عديدة منها دراسة حول شاعر الخطيئة والتمرد بودلير، وفي هذا الكتاب الجديد يهتم بتسليط الضوء على الثورات الجهادية التي ظهرت في السودان الأوسط والغربي في فترة ما بعد القرن الثامن عشر.
وصولا إلى ما بعد منتصف القرن التاسع عشر حيث شهدت هذه المرحلة تحولات كبيرة تركت آثارها العميقة في التركيبة السياسية والاجتماعية والثقافية والمعتقدية لشعوب تلك المنطقة.
ومما يلاحظه الباحث أولا أن الإسلام الذي ساد في هذه المنطقة كان يعيش في حالة تصالح مع الأرواحيات (الديانات القديمة) الموجودة منذ فجر التاريخ وأنه كان يؤثر ويتأثر بما حوله من معتقدات جعلت منه إسلاما مليئا بالممارسات التي كانت سائدة هناك لكنه في مرحلة لاحقة انتفض فجأة وعمل على تغيير كثير من أسلوب الممارسة السابق عندما توفرت الظروف الموضوعية المواتية بعد أن ظل الإسلام في تلك المنطقة يعاني من التهميش الذي عاشته المجتمعات الإسلامية.
تتخذ الدراسة من عام 1864 منطلقا للبحث نظرا لكون هذا التاريخ يكتسب أهمية خاصة من خلال ما شهده من أحداث كان أهمها وفاة الحاج عمر الفوتي المجاهد التكروري بصورة غامضة مما أدى إلى قيام سلسلة حروب في السودان الغربي لم تتوقف إلا بعد دخول الاستعمار الفرنسي إلى المنطقة وانهيار الإمبراطورية التكرورية التيجانية.
ويعترف الباحث أن أكبر الصعوبات التي تواجه المؤرخ تكمن في ندرة المصادر المكتوبة بسبب تدمير الكثير من الوثائق أثناء الحروب الطويلة، ومن أجل فهم التطورات التاريخية في تلك المنطقة يقدم شرحا تفصيليا لطبيعة تلك المنطقة جغرافيا ولتنوع الأعراق التي تسكنها.
ثم يقدم شرحا لمعنى كلمة السودان التي يبيّن أنها اشتقت من الكلمة العربية أسود وهي صفة لون بعينه في حين أن اسم السودان أطلقه التجار والرحّالة والجغرافيون العرب في القرون الوسطى على إقليم السافانا الممتد من المحيط الأطلسي في الغرب الإفريقي إلى تخوم الهضبة الحبشية في الشرق ومن النهايات الجنوبية للصحراء الكبرى شمالا إلى مداخل الغابات الاستوائية جنوبا.
وقد عرفت منطقة السودان الغربي منذ أقدم العصور هجرات جماعية وفردية وفدت إليها من مختلف الجهات .
يحدد الباحث شعوب تلك المنطقة بسبع عشرة مجموعة عرقية، إلا أنه يؤكد أن مجال البحث سوف يقتصر على الشعوب المسلمة دون غيرها بسبب الدور الذي لعبته في تاريخ تلك المنطقة.
ثم يشير إلى قضية أخرى تتعلق بتعدد التسميات التي تطلق على هذه المجموعة الاثنية بحسب الأماكن التي تتواجد فيها في حين يطلقون هم على أنفسهم تسمية فلوبي وهم لا ينتمون إلى العرق الأسود وهناك قبائل التكرور والسونتكي والخاسنكي والصنقاي والقبائل العربية البربرية والطوارق والهوسا والبرنو.
وقد لعبت الديانة الإسلامية دورا محوريا في كل حركات التجديد وفي دينامية الأحداث كما كان للأفكار الأصولية جذورها الراسخة في التربة السودانية مما ساهم في ضراوة الحركات الجهادية لما يقرب من قرن من الزمن وجعل الفكر السياسي لا ينفصل عن المنظور الذي كانوا يؤمنون به و كانت ترتكز عليه جميع مناحي حياتهم.
وعلى العكس من مما درج عليه الملوك في الدويلات الوثنية في السودان الغربي والأوسط الذين ارتبطوا بمحلياتهم وبالأرض التي ورثوها عن أسلافهم فإن قادة الفكر الجهادي كانوا يشعرون بانتمائهم إلى عالم أوسع، الأمر الذي جعل نظرتهم بعيدة عن الارتباط بإقليم السودان أو بمجموعات اثنية محددة.
في الفصل الثاني من الكتاب يتناول إمامة فوتا جالون الاتحادية الإسلامية في غرب أفريقيا التي كانت تسكنها القبائل الوثنية حتى مطلع القرن السابع عشر الميلادي ثم شهدت قدوم موجات من القبائل الرعوية التي هاجرت إليها بفعل الجفاف الذي ضرب مناطقها في مالي والساحل الجنوبي للصحراء الكبرى .
وقد كان أغلب المهاجرين من المسلمين المنتمين إلى الطريقة القادرية وبعد قيام الدولة الاتحادية في تلك المنطقة تكون من الأقاليم التسعة التي عين لكل واحد منها أحد الفقهاء الذين ظل الحكم متوارثا في أسرهم بصورة مطلقة إمبراطورية.
وقد ظل نظام الإمامة متبعا فيها حتى نشب الخلاف بين الأسرتين الحاكمتين مما أدى إلى عدم الاستقرار السياسي فيها .
ثم كان للتغلغل الفرنسي دوره في تحقيق التوسع الاستعماري في تلك المنطقة وفي الفصل التالي يتناول تاريخ الحركات السنغالية وإنشاء الإمامة فيها حيث أعقب ذلك اضطرابات سياسية نتيجة تعدد الأئمة الذين تعاقبوا على الإمامة .
ويعرض لإمبراطورية البرنو التي اتسم تاريخها بسلسلة من الحروب الخارجية بعد المجد الذي عرفته في السابق من أجل استعادة هذا المجد الضائع كما يتحدث عن إمبراطورية ماسينا التي قامت في مالي والتي كان المسلمون فيها عبارة عن مجموعات صغيرة موزعة على مناطق مختلفة من البلاد .
ولذلك لم يكن للإسلام أي دور يلعبه في الحياة السياسية لكن التقدم الذي كان يحرزه مسلمو الفولاني مهد الطريق أمام الحركات الإسلامية لتحقيق النصر لكن ذلك لم يحقق الاستقرار بسبب تعدد انتماءات القبائل، التي تسكن هذه المنطقة الواسعة.
لذلك استمرت الحروب ورغم هذا الوضع جرى بناء ستمئة مدرسة دينية ولتعزيز دور هذه المدارس قامت الدولة بدفع رواتب المعلمين فيها فكانت المرة الأولى التي يحدث فيها هذا الاهتمام بالتعليم لاسيما وأن هذه المدارس اهتمت بتعليم البنات على أيدي معلمات متفقهات بالدين الإسلامي كما أنشأت بعد الفراغ من الحرب جهازا سياسيا وإداريا قويا للدولة.
في الفصل الأخير من الكتاب، يتناول إمبراطورية الحاج عمر الفوتي التكرورية، لكنه قبل ذلك يتحدث عن حياة الحاج عمر، الذي كان ينتمي إلى أسرة أرستقراطية تعيش في السنغال، وتعتمد الطريقة التيجانية الصوفية.
وقد تنقل بين أماكن مختلفة حتى استقر في فوتا جالون التي عمل فيها على بناء قوته العسكرية قبل أن يتوجه بها إلى بلاده، التي طرد منها وقد عمل الحاج عمر على التنقل في الأقاليم المختلفة، والقيام بنشر الطريقة التيجانية التي كسبت الكثير من الأتباع، والمؤيدين لها.
ثم كانت المسيرة الجهادية الكبرى إلى تمبكتو، التي استولى عليها بسرعة ثم تقدم منها باتجاه السنغال وكناكري وبمبارا.
وبعد أن استقر له الأمر غدا الخليفة الأوحد للطريقة التيجانية في الغرب الإفريقي، إلا أن محاولة إخضاعه لمنطقة تمبكتو كانت السبب في هزيمته، ونجاته بأعجوبة من الموت بعد أن تصدت له قبائل الطوارق والبربر .
وقد ساهم اختفاؤه فيما بعد عن المسرح السياسي في دخول المنطقة في حروب طاحنة ثم ينتقل الباحث للحديث عن صراع الحاج عمر مع الاستعمار الفرنسي الذي كان يتخذ من المناطق الساحلية مستقرا له لكي يجعل منها مركزا تجاريا يصدرون منها بضائعهم إلى السودان الغربي، حيث استطاع الحاج أن يشكل عائقا حقيقيا أمام الأحلام التوسعية لهم في تلك المنطقة.
*الكتاب: تاريخ الدول والإمبراطوريات الإسلامية في السودان الغربي والأوسط
* تأليف: د. عمر عبدالماجد
* الناشر:أروقة للثقافة والعلوم الخرطوم 2005
* الصفحات:206 صفحات من القطع المتوسط
أحلام سليمان
