يدخل كتاب «أطلسيات: شهادات من خلف الستار» للكاتبين المغربيين فاطنة البيه(معتقلة سياسية سابقة وفاعلة جمعوية وحقوقية) ويوسف مداد، مهندس أعمال وفاعل جمعوي، في إطار كتب الذاكرة والشهادات أو ما يصطلح عليه في المغرب بكتب «سنوات الجمر والرصاص»، التي زخرت بها الساحة الثقافية في السنوات الأخيرة بالمغرب بعد رحيل الملك الحسن الثاني.
ويساهم الكتاب في إماطة اللثام عن العديد من الحقائق المتعلقة بفترة معينة من تاريخ مغرب السبعينيات من القرن الماضي، ويكشف بالخصوص عن حضور المرأة المغربية ضمن هذا الماضي الثقيل من خلال حكايات وشهادات مجموعة من النساء ضحايا الاستبداد والتنكيل، يجمعهن انتماؤهن لقبيلة «آيت خويا» بقرية «أقلال» في ضواحي مدينة خنيفرة (مدينة صغيرة تقع على الضفة اليمنى لنهر أم الربيع وتوجد وسط المغرب).
بعد أن وحدهن ماض مشترك تمثل في الاختطاف والتعذيب الرهيب والسجن، لا لشيء إلا لكونهن زوجات أو بنات أو قريبات لرجال حملوا السلاح كخيار جذري للتخلص من الاستبداد وتغيير الوضع إلى الأفضل.
فما بين تلك الأحداث والحكم بالإعدام وما بعده عرفت نساء تلك القرى والقريبات من أولئك الثوار شتى أنواع التعذيب والتنكيل الذي يمكن أن يلحق بالمرأة،.
وهو جانب من التاريخ الذي أغفله التاريخ الرسمي بالمغرب شأنه شأن العديد من الأحداث من تاريخ المغرب القريب العهد، التي حفلت بالكثير من الملابسات والجزئيات المتناثرة، التي تحتاج إلى جهد الباحثين من مختلف المشارب والحقول العلمية كي تعمل على تمييز خيوطها وسبر أغوارها بعيدا عن كل .
وهم يدعى الكشف عن حقيقة ما، ليكون رهان هذه البحوث، كما جاء في توطئة الكتاب، استحضار اللحظات التاريخية التي شكلت الروافد الأساسية في معين العمل المضني في تشكل الوعي المتحضر.
فمنذ فجر الاستقلال عاش المغرب فترات عصيبة، وبالأخص في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، تمثلت أساسا في نهج العنف المباشر الظاهر والمستتر ضد كل القيم الإنسانية النبيلة، وقد بلغ ذلك العنف درجات من الاستبداد المطلق أسفر عن وجهه التنكيلي بكل معارضة،.
واتخذ أشكالاً فظيعة من الترهيب والإقصاء والإبادة الجسدية والنفسية لكل من سولت له قناعته عدم الخضوع والركوع لكل سلطة استبدادية وللواقع السياسي المفروض.
وقد تكون التعرية عن مسارب ودهاليز التسلط والقهر والعنف الممارسين في هذه الحقبة من تاريخ المغرب، عوامل مساعدة للكشف عن طبيعة وسمات بنيات التقهقر السياسي والاجتماعي التي لونت هذا الجزء من تاريخ المغرب والتي شكلت عائقا أساسيا أمام تحرره وتنميته.
فإذا كانت جلسات الاستماع التي نظمتها هيأة الإنصاف والمصالحة بمختلف المدن والقرى المغربية، قد شدت أنظار العالم لهول تلك الفواجع والأحداث التي عرفها مغرب الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، فإنها قد كشفت للمغاربة.
وبالخصوص الأجيال الحديثة عن العديد من الحقائق التي لم يكن المغرب ليعترف بها في يوم من الأيام، لولا مناخ «الديموقراطية والحرية» الذي بدأت معالمه تبرز في مغرب العهد الجديد، خصوصا بعد رحيل الملك الحسن الثاني.
ومغادرة العديد من الجلادين للمناصب الحساسة التي كانوا فيها، ولولا إصرار العديد ممن طالهم الظلم والسجن والتعذيب رجالا ونساء في الكشف عن ذلك الماضي المظلم حتى لا تتكرر مثل تلك الانتهاكات والفظاعات التي يندى لها الجبين.
وإذا نسيت الكثير من الشهادات، فلا أحد اليوم يستطيع نسيان صرخة فاظمة أمزيان، تلك المرأة الأمازيغية الشامخة، إحدى ضحايا أحداث 1973 ، التي حكت بلغتها الأمازيغية وصوتها الدافئ والقوي عن معاناتها وما لاقته على يد الجلاد المتعجرف.
حيث اعتقلت وهي حامل ووضعت ابنها وهي رهن الاعتقال، حيث ذكرت أن من بين وسائل التعذيب التي مورست عليها «أنهم كانوا يسقطون علي رجلا مسناً اسمه الحاج أحمد بعد تجريده من ثيابه. لقد كنت حملا في شهري الثاني.
وكم تمنيت أن يسقط الجنين تفاديا لما قد يناله من تنكيل أو ما ينالني من تنكيل بسببه. ذلك أن حملي كان وسيلة من وسائل إهانتي، لأنه كان دليلا على اتصالي بزوجي بعد هروبه وفي ذلك دليل على تواطئي معه...».
هذا جزء بسيط من شهادة فاظمة أمزيان التي ينقلها هذا الكتاب، الصادر هذا العام عن دار نشر الفنك بالدار البيضاء بدعم من وزارة الثقافية المغربية وبدعم معنوي أيضا من الباحثة الاجتماعية فاطمة المرنيسي.
والذي يتضمن في المجموع إحدى عشرة شهادة لنساء عشن الاختطاف والسجن والتعذيب بكل أشكاله وعانين مضايقات السلطة ومرارة إقصاء المجتمع الذي اتهمهن بالخيانة لمدة بدت لهن كالدهر بأكمله، حيث افتقدن في مرحلة ما كل ما يمكن أن يستدللن به على أنفسهن: بطاقة الهوية، شهادة الميلاد، الأهل والوطن.
لقد جردن من كل شيء وعشن لفترات طويلة في الإقصاء والتهميش لأنهن أبين الظلم والذل والاعتراف بأماكن اختباء ذويهن، والتي لم يكن على علم بها في الغالب.
فشهادات كل من: فاظمة أمزيان، عائشة مصباح، إيطو أمزيان، فاظمة أوخلف، رقية بويقبة، تلا بقال، عيدة بويقبة، فاظمة يطو أعسيل، يطو أمزيان، فاظنة بويقبة، فاظمة أمزيان المعروفة بمرات علي أمزيان، التي نقلها مؤلفي هذا الكتاب تنضح بالكثير من الأسئلة والاستفسارات عما لحقهن من عذاب ومن تنكيل، خصوصا وأن بعضهن كن صغيرات السن (13 سنة) لا تفقهن أي شيء عن العمل السياسي.
ولا عن الكفاح المسلح، فلا هن نعمن بطفولتهن ولا حصلن شيئا من التعليم، بسبب نبذ المجتمع لهن وبسبب اضطهاد السلطة لهن وقضائهن لما يفوق أربع سنوات في السجن بلا سبب وفي غياب دلائل قاطعة تثبت تورطهن في تلك الأعمال التخريبية، كما نعتتها السلطات آنذاك.
تحكي فاظمة بويقبة، التي تبلغ الآن من العمر 45 سنة والتي اعتقلت وهي في سن الثالثة عشرة وقضت ثلاث سنوات وستة أشهر في السجن، «الحياة بالنسبة لنا كانت رقصة مهتزة ومتناغمة كاهتزاز الصدور في رقصة أحيدوس (رقصة أمازيغية)، .
ومتناغمة كتناغم ضرب الطبول أو الأرجل في تلاق عجيب يجعلنا نحاول أن نقلد ذلك بمجهود خارق. لكن في لحظة سقط كل شيء وتبخرت كل الأحلام، لم أفهم كل ما حدث أو حتى بعضه، ولكن كان علي أن أحيا وأن أعيد الحياة لامرأة أنهكها قدر لم يكن لها يد فيه...».
إن تجربة هؤلاء النسوة أكبر من أن تكون حدثا عابرا، فهي شهادة وبرهان صارخ على ما كان يرتكب من انتهاك ظالم في حق المرأة
* الكتاب: أطلسيات: شهادات من خلف الستار
* الناشر: دار الفنك
الدار البيضاء 2006
* الصفحات: 128 صفحة من القطع المتوسط
سعيدة شريف

