قدم الباحث بمركز الدراسات الأميري برأس الخيمة مصطفى عزت هبرة الجزء الثاني من موسوعة الغوص واللؤلؤ، الكتاب الذي يتحدث عن أساليب الغوص والحصول على اللؤلؤ في مجتمع الإمارات والخليج العربي قبل النفط، وعن حالات ومراحل ودوائر وأسواق هذه التجارة.

وأبرز رجالاتها تجاراً وطواشين في الإمارات والخليج العربي وقد صدر للمؤلف العام الماضي الجزء الأول من هذه الموسوعة، ومعروف عنه اهتمامه بالدراسات التوثيقية والاقتصادية الإماراتية، وسبق له أن قدم دراسة اقتصادية بعنوان الإمارات والعولمة، وهناك كتاب آخر ينتظر الطبع بعنوان «آفاق الاستثمار في رأس الخيمة».

و«جلفار ما جاء حتى الآن»، وله مساهمات ثقافية أخرى ،فقد فاز بجائزة الشيخة فاطمة بنت هزاع بن زايد آل نهيان للقصة القصيرة، وحقق بعض المجموعات القصصية والشعرية، وله بعض المسرحيات أيضا.

جمال آدم

يتميز الجزء الثاني من موسوعة الغوص أنه يتحدث بطريقة حكائية ودرامية عن تطور صيد اللؤلؤ في الإمارات والمعوقات التي كانت تصادف العاملين في هذا المجال، ولا يبتعد الكتاب بطبيعة الحال عن الصراعات السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية في زمن الغوص.

كما يتحدث عن وحدة الخليج العربي في ذلك الوقت، وعن أنواع وأصناف وخصائص اللؤلؤ المستنبت الأبيض، والأسود، والملون: اللؤلؤ الياباني ـ الأسترالي ـ التاهيتي ـ الصيني، وعن أنواع وأصناف وخصائص اللؤلؤ المصنع مخبرياً «الصناعي المقلد» وعن أسباب اندثار مملكة الغوص واللؤلو.

وعن الجهود الحميدة لإحياء تراث الغوص في الإمارات «رحلات الغوص الحديثة».

الكتاب اخذ بعين الاعتبار، الطقس الزماني والمكاني لصيد اللؤلؤ، لذا لم يغفل البحث في الأغاني والنهمات والألغاز والأمثال الشعبية في زمن الغوص، معرجا على التطور التاريخي لأدوات ومعدات رياضة الغوص الحديثة، وفوائد ومراكز هذه الرياضة الممتعة في دولة الإمارات العربية المتحدة.

يتحدث عن تجارة اللؤلؤ، وعن حالات ملكية سفينة الغوص، وعن وضع اللؤلؤ بعد نهاية موسم الغوص الكبير، وقبل بدء المتاجرة بحاصل اللؤلؤ، وعن دوائر تجارة اللؤلؤ، بدءاً من دائرة «الطواشة» مروراً بدائرة الدلالة، أو دائرة «الدلال» وصولاً إلى دائرة «تاجر اللؤلؤ الفعلي».

وللتفاصيل الدقيقة، التي تظهر جهد الباحث الكبير في المتابعة التوثيقية، دورها الفاعل في إدخال القارئ في هذه الموسوعة، ونقله إلى زمن آخر، إذ يجري الحديث عن دور سفينة الطواش في عملية تموين السفن، ونقل رسائل البحارة إلى ذويهم، وطرق بيع اللؤلؤ على متن السفينة، كما يتحدث هذا الفصل أيضا عن أدوات الطواش، وعن أهم وأبرز الطواشين، وأبرز تجار اللؤلؤ الإماراتيين.

ثم عن أهم وأبرز تجار اللؤلؤ الخليجيين، كما يتحدث عن عقبات تجارة اللؤلؤ في الإمارات. وفيما يهتم الفصل الأول بسرد تاريخي وحياتي، يسعى الفصل الثاني لعرض مصاعب ومخاطر الغوص لصيد اللؤلؤ في مرحلة ما قبل النفط، بدءاً من مصاعب الحياة على متن سفينة الغوص، مروراً بأمراض رحلة الغوص وكيفية معالجتها.

ومخاطر أعماق البحر المتعددة التي كانت تودي بحياة الغواص أحياناً، والتي منها على سبيل المثال، مخاطر أسماك القرش، وقنديل البحر، وثعبان البحر، وفرس البحر، والقنفذ والرماي والسمكة العقربية.

ومخاطر سكرة الأعماق، وضعف الرؤية، وصولاً إلى مخاطر حبال الغواص، وخطأ السيب، والأمراض المعدية، ثم ينتقل المؤلف للحديث عن مخاطر الصراعات التي كانت تدور داخلياً بسبب عائدات اللؤلؤ، وصراعات الغزاة الأجانب الطامعين في تلك الثروة.

ثم يحكي عن فوائد ومنافع الغوص لصيد اللؤلؤ، اقتصادياً، وقانونياً، واجتماعياً، وفكرياً، وثقافياً، وسياسياً، بعدها ينتقل للحديث عن خصائص ومزايا مجتمع الخليج العربي في زمن الغوص لصيد اللؤلؤ.

ويذكر الكتاب في فصول متلاحقة بأسباب اندثار وانهيار مملكة الغوص لصيد اللؤلؤ، والتي يعرض فيها لعدة أسباب منها اكتشاف البترول، اكتشاف اللؤلؤ الصناعي المستنبت.

وبخصائص اللؤلؤ الطبيعي، واللؤلؤ المستنبت، بدءاً من اللؤلؤ الياباني المستنبت Cultured pearel الذي يعتمد أسلوب تلقيح Fertilization حيوان اللؤلؤ الرخوي Shell - fish، واللؤلؤ الصناعي Industrialization الذي ينتج مخبرياً في معامل خاصة.

ويناقش الكتاب بصيغة البحث العلمي كيفية تكون اللؤلؤ داخل المحار في حالتي اللؤلؤ الطبيعي، واللؤلؤ المستنبت، ثم يقارن بين حبات اللؤلؤ الناجمة عن الحالتين، ثم يتحدث عن أنواع اللؤلؤ المستنبت بدءاً من لؤلؤ «ميكي موتو» الياباني، مروراً باللؤلؤ الأسترالي، فاللؤلؤ «التاهيتي» الأسود، وصولاً إلى اللؤلؤ الصيني.

ومن ثم ينتقل هبرة إلى رياضة الغوص الحديثة، وفوائدها، وأدواتها، وتطور عمل وأداء هذه الأدوات عبر التاريخ، كما يتحدث عن دور مراكز الغوص في الإمارات في تفعيل هذه الرياضة.

وفي الموضوع الثاني يتحدث المؤلف عن الجهود الرامية إلى إحياء تراث الغوص واللؤلؤ في الإمارات، للعودة إلى الأصالة، وربط الماضي بالحاضر، برعاية كريمة من القائد الخالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وطيب ثراه.

ولعل الجانب المثير والممتع للقارئ في الموسوعة هو الغوص في الأغاني والنهمات الشعبية، انطلاقاً من النهمة ودورها الفاعل في نفوس البحارة، ثم يتحدث عن أنواع النهمات، وأنواع الأغاني، وتشابه مفردات قصائد النهمات والأغاني، كذلك تشابه إيقاعات ومقامات هذه الأغاني بين جميع مناطق الخليج العربي في زمن الغوص لصيد اللؤلؤ.

ويأتي الفصل الأخير استكمالا لما سبقه في عرض الألغاز والأمثال الشعبية، بدءاً من أمثال الغوص والبحر، مروراً بالألغاز الشعبية التي كانت سائدة في ذلك العصر، وصولاً إلى ألغاز شعبية حديثة ممتعة ومحيرة في آن معا.

وبالتالي، يشكل إضافة بانورامية مهمة لحياة أبناء الخليج العربي والإماراتي على وجه التحديد من خلال عمليات الغوص وصيد اللؤلؤ التي كانت سائدة، والتي كانت مورد رزق للعديد من الأسر التي لم تكن قد استفادت من النفط بعد، ويبدو أن الكاتب مطلع على معظم ما قيل عن موضوع دراسته من خلال المصادر الموثقة القليلة فعليا، أو من خلال أحاديث الشباب الذين استفاد من ذاكرتهم بما أتيح له ولهم.

* الكتاب: موسوعة الغوص واللؤلؤ

* الناشر: مركز الدراسات والوثائق رأس الخيمة 2006

* الصفحات: 447 من القطع الكبير