مؤلف هذا الكتاب هو روبرتو خطلب ولد في البرازيل لابوين مهاجرين لبنانيين أراد تخليد «ذاكرة لبنان في البرازيل عبر «سوسيولوجيا ايقونوغرافية» فأصدر كتاباً مربع الشكل جمع فيه صُوراً عن المهاجرين الأوائل أوضح فيه أن الهجرة اللبنانية والسورية الكبرى نشطت في أعقاب فتنة عام 1860، التي دفعت بالكثيرين إلى الهرب أولاً نحو البلدان العربية المجاورة..

خصوصاً مصر. ثم إلى بلدان أخرى في إفريقيا والشرق الأقصى وأوروبا. وأخيراً إلى «العالم الجديد»، أي أميركا التي كان العامة يطلقون عليها اسم «بلاد الأميرك»، والتي عرفها السكان المحليون من خلال الحجاج الذين كانوا يقصدون الأراضي المقدسة.

ماهر شرف الدين

أما بالنسبة لأميركا الجنوبية فإن هذه الأخيرة كانت شبه مجهولة، ولم تبدأ الهجرة الكبرى نحوها إلا ابتداء من العام 1880 بعد انقضاء أربع سنوات على الزيارة التي قام بها دون بدور الثاني إلى لبنان عام 1876، والتي تلتها زيارة المطران اللبناني باسيليوس الحجار إلى البرازيل عام 1879.

كانت «الهجرة الكبرى» واحدة من أكبر الغزوات السلمية في العالم، التي تشكلت معها الجاليات اللبنانية المنتشرة في أكثر من 60 بلداً. والتي بسببها باتت أميركا «أرض الميعاد» بالنسبة للبنانيين والسوريين.

رواية ساخرة تقول إن بائع حقائب في مرفأ بيروت عرض على أحد المهاجرين شراء حقيبة فسأله المسافر: لماذا أكون بحاجة إلى حقيبة؟ فقال له البائع: لكي تضع ثيابك فيها، فأجابه المسافر على الفور: لكني إذا وضعت ثيابي في الحقيبة فماذا ألبس؟

هكذا كان يلتقي في السفينة الواحدة المزارع الذي لا يملك أرضاً مع التاجر المفلس والحرفي والطالب مع المثقف ورجل السياسة الهارب من الاضطهاد.

وكلهم يحملون جواز سفر عثمانياً ـ تركياً لا يمنحهم حماية أي دولة، قاصدين «الألدورادو» (بلاد الذهب) وهي أسطورة كانت تعطي القوة لأولئك الذين كانوا ينطلقون نحو المجهول ليس فقط بحثاً عن الحرية، لكن أيضاً سعياً وراء الغنى.

بعد أن يمضوا أسابيع في أعالي البحار، حاملين «الزوادة» والمربات والزعتر... وهي أطعمة تبقى صالحة لمدة طويلة، كان المهاجرون يصلون إلى المرافئ الأوروبية على هوى المراكب التي كانوا قد استقلوها في بيروت، والتي كانت تؤم شطر مرافئ جنوى أو مرسيليا أو ليفربول...

بعد ذلك يمضون أسابيع أخرى في هذه المرافئ منتظرين باخرة تقلهم إلى «العالم الجديد»، ليقعوا مرة أخرى تحت سلطان وكلاء السفر والوسطاءالذين كانوا يعدونهم بالجنةالتي تقع في الجانب الآخر من المحيط في بلاد «الأميرك».

بالإضافة إلى وكلاء السفر كان المهاجرون يقعون ضحية أصحاب «البانسيونات» وتجار الألبسةالذين كانوا يقولون لهم إنه سيكون عليهم أن يخلعوا الثياب العربية التي يلبسونها ويستبدلونها بثياب غربية.

ووفقاً لروايات شفهية فإن أول المهاجرين الذين وصلوا إلى البرازيل منذ العام 1880 قدموا رأساً من لبنان، وكانوا من أبناء الشمال وخصوصاً قرية مزيارة. وتقول هذه الروايات إن أول المهاجرين الذين استقروا بالبرازيل كان اسمه يوسف موسى عبد الأحد شدياق من تلك القرية، وكان عمره 20 سنة. قرر السفر من لبنان، بسبب الصعوبات الاقتصادية والضغط العثماني عام 1880.

وفي بيروت استمع إلى رواية أحد أباطرة العالم الجديد الذي زار لبنان عام 1876. وهو دون بدور الثاني، فقرر الرحيل، وسافر حتى مرسيليا، ومن ثم إلى البرتغال، وأخيراً إلى البرازيل، وأخذ يعمل كبائع جوال. وهكذا أطلق عليه فيما بعد اسم يوسف مزيارة.

قام «تجار الكشّة» اللبنانيون والسوريون بإكساب تجارة (الجَوَلان) صورة جديدة، وأصبح يطلق عليهم اسم «أتراك التسليفات» إذ إنهم كانوا ينتقلون إلى خارج المدن ويبيعون السلع التي معهم ديناً لمواعيد. فأصبحوا يعتبرون باعثين «التجارة الشعبية»، وأطلق عليهم اسم «أهل الكشّة».

وأخذ هؤلاء التجار الجوّالون يضعون صندوقا على شكل خزانة صغيرة على ظهورهم حاملين فيها الأمشاط والمرايا والعطور والألبسة الداخلية والأنسجة والثياب الجاهزة ..

. وكان المتر الخشبي الذي يستعملونه من أجل القماش أيضا ك«مطرقة» مؤلفة من قطعتين من الخشب موصولتين بسوار جلدي. وكانت هاتان القطعتان تعطيان لدى ضرب إحداهما بالأخرى صوتا (تراك ـ تراك) كان يعلن عن وصول البائع الجوّال الذي كان يعرف في بعض مناطق البرازيل باسم «أصحاب الطرقة».

رغم حالة عدم الظهور التي كانت تعيشها النساء البرازيليات فإن تاجر الكشّة كان مع مطرقته الشهيرة وشاربيه وابتسامته يدخل الدور الكبيرة والمنازل المتواضعة على حد سواء.

هكذا كان اللبنانيون يجتازون البرازيل من الغرب إلى الشرق، ومن الشمال إلى الجنوب، مارين بمدن ودساكر ومزارع وطرقات سيراً على الأقدام أو على ظهور الخيل. وفي مجاهل الأمازون على متن سفن نهرية صغيرة كانت معدّة في الوقت نفسه لنقل البضائع ولسكن أصحابها أو لاستعمالها كمحال للبيع.

حاملين البضائع التي كانت في كثير من الأحيان تعتبر أشياء جديدة في مناطق بعيدة. كان تجار الكشّة يخرجون في الصباح الباكر مرتادين الشوارع والطرق. مفتشين عن بيوت السكن. متحملين الحر والبرد والمطر حاملين معهم الخبز أو أي أشياء أخرى يمكنهم حملها.

الجبن والموز لكي يأكلوا الوجبة الوحيدة التي كان بإمكانهم تناولها خلال النهار. وبما أنه لم يكن لهم مجال للبيع في المركز، فإنهم كانوا يقصدون الضواحي. ثم ينتقلون تدريجيا وصولا إلى مدن الداخل ومنها إلى المزارع، وحتى إلى قلب الغابات والسهوب.

وذلك على موجات متزايدة العدد. كان الربح اليومي المحقق يتراكم تدريجيا بين يدي البائع، بحيث تمكن عدد كبير من أن يجمعوا بذلك الرأسمال الأولي الذي سمح لهم بأن يتحوّلوا بذلك إلى تجار. أيضاً المرأة اللبنانية المهاجرة عملت في تجارة الكشة، فكانت تبيع الحلويات بشكل خاص وتسهم في تمويل العائلة.

وفي العام 1914 تفاقم القمع العثماني في لبنان وسوريا، وجرت ملاحقة المئات من المثقفين فاضطر عدد كبير منهم إلى الهرب. كما حصلت في تلك الأيام مجاعة في لبنان عندما هاجمه الجراد وفتك بمزروعاته ما دفع المزارعين إلى ترك أراضيهم والى الهجرة.

فأخذ المهاجرون الذين كانوا قد وصلوا إلى البرازيل يدعون أقرباءهم وجيرانهم وأصدقاءهم من أبناء قريتهم للمجيء إلى البرازيل. مع وصول أعداد من اللبنانيين أخذت الدكاكين تتوسّع بفعل عدد سكان القرى التي بدأت بالتحوّل إلى مدن.

وتحوّلت المخازن الصغيرة إلى محال تجارية تباع فيها الملابس والجلديات وأدوات الزينة، وصولا إلى الأحذية والمشروبات والأدوات المنزلية. وكانت هذه الأماكن تبنى بحيث يكون المحل التجاري في الطبقة الأرضية أو في المدخل، في حين كانت العائلة تسكن لجهة الخلف أو في الطبقة العلوية.

وبذلك يتحوّل المحل التجاري إلى مكان شبه مفتوح طوال الأربع والعشرين ساعة أمام الباعة الجوالين الجدد. وهكذا أخذ اللبنانيون يحتلّون قطاعا واسعاً من النشاطات. بل افتتحوا جهات جديدة للرواد وقاموا بتأليف مجموعات جديدة.

كما أخذ مستوى معيشتهم بالتحسن من خلال محالهم التجارية الكبيرة، ومن خلال المعامل والمصانع، والمصارف التي امتلكوها.

* الكتاب:ذاكرة لبنان في البرازيل

* الناشر:دار مختارات

بيروت 2005

* الصفحات: 250 صفحة من القطع الكبير