رغم وجود المئات من المؤسسات الثقافية العربية وعشرات الوزارات التي لا هم لها سوى الشؤون الثقافية، نجد أن الحالة الثقافية العربية تتراجع عما كانت عليه قبل سنوات.

إن أي مشروع ثقافي لن يستطيع العيش إذا لم تتوفر له الإمكانات المناسبة للاستمرار، وكثيراً ما تعجز الجهات الثقافية الحكومية في الدفاع عن مشروع ثقافي حضاري وتنويري. وكثيراً ما ماتت مشاريع مهمة بسبب نقص الموارد وقلة التمويل.

ولا يجري الحديث هنا عن إغلاق مكتبة، أو إيقاف مطبوعة، أو حل مسرح، إن المسألة تتعدى الشكل الاستعراضي لتصل إلى حالة قتل مستقبلي لقيم وأفكار يفترض أن يتربى عليها الأبناء.

ولعل السؤال الأهم هو أين تقف المؤسسات الوطنية من الشأن الثقافي، وماذا يضيرها لو دعمت مسرحاً، أو ساهمت في طباعة كتاب أو إصدار مجلة مرموقة أو شيدت قاعة للفن.

إذ إن عشرات المؤسسات الوطنية العربية توجد بينها وبين الثقافة حالة خصام، وان الثقافة ليست من شؤون الاقتصاد وما يتبعه!

وبنظرة فاحصة إلى الغرب سنعرف أن مصارف عملاقة وشركات ربحية كبيرة تمد يد العون للمسارح والمتاحف، وكثيراً ما نقرأ أن مسرحاً تاريخياً كاد أن يغلق أبوابه لولا مبادرة شركة نقل وطنية إلى دعمه والوقوف إلى جانب قيم وأفكار وأخلاقيات عليا يتربى عليها الناس جيلاً بعد جيل.

ولن ينسى زائر متحف أوروبي أو صالة عرض، ما كتب على مدخل القاعة ان هذا المكان شيد بدعم من المؤسسة الوطنية الفلانية وسيشعر الزائر بكثير من الاعتزاز أن مؤسسات اقتصادية وطنية ترعى شأناً ثقافياً بهذا الحجم، وان الثقافة بخير لأن هناك من يحميها ويدافع عنها.

ترى ما هي تكلفة طباعة كتاب فكري يثري العقول بالنسبة لمؤسسة اقتصادية تضع أرقاماً فلكية في خزانتها كل يوم، وما قيمة أي رقم بالنسبة لإشارة تقول إن هذا الكتاب طبع منه عشرة آلاف نسخة على نفقة تلك المؤسسات، قطعاً سيشعر القارئ بالرضا والاعتزاز ان المؤسسات الاقتصادية تؤازر الثقافة وتجد في قاموسها الربحي بنداً لدعم وتنشيط الثقافة.

ولو وجدت تلك المؤسسات طريقها إلى دعم المشاريع الثقافية كما هو الحال بالنسبة إلى دعم الفرق الرياضية لحدثت عملية التوازن الاجتماعية، ولا بأس أن ندعم فريقاً رياضياً، ولا بأس أيضاً أن تجد الثقافة سبيلاً للحصول على مبالغ بسيطة لن تشكل فرقاً في ميزانية مؤسسات عملاقة، ولكنها تشكل فرقاً لدى مسرح سيغلق أبوابه أو كتاب معطل في المطابع أو مجلة ستتوقف عن الصدور.

hussain@albayan.ae