مازال العلماء منذ ظهور الإسلام حتى يومنا يهتمون بالشعر القديم، وينقدونه، ويحفظونه، ويشرحونه، ويقلدونه، وهذا الكتاب يمثل لوناً من هذا الاهتمام.

مؤلف كتاب فحولة الشعراء هو الأصمعي عبدالله بن قريب بن عبدالملك بن أصمع، ولد في «البصرة» سنة 123 هجرية، وكانت البصرة يومئذ مجمع العلماء والشعراء والأدباء، فلما شبّ أخذ القراءات واللغة والأدب على «أبي عمرو بن العلاء» أحد القراء السبعة، وأخذ عن طائفة العلماء، منهم «الخليل بن أحمد الفراهيدي، والإمام جعفر الصادق.

وحماد عجرد، وحماد بن سلمة، وخلف الأحمر، وسفيان بن عيينة..» وآخرون. ولقي عدداً كبيراً من الشعراء الفصحاء وأولادهم، وسمع منهم أشعارهم، ثم إنه عُني بأمر لم يُعن به أحد مثله، هو السماع من الأعراب وأهل البادية، فكان يحفظ ما يسمعه منهم، فاجتمع له من رواية الشعر ما لم يجتمع لغيره.

وكان يفخر بهذه الميزة التي أوتيها، وكان يملك إلى ذلك كله، عدداً ضخماً من الكتب يطالع فيها، خرج مرّة على «الرشيد» إلى «الرقة» فحمل معه ثمانية عشر صندوقاً من الكتب، وذكر انه خفف الحمل، ولو ثقله لحمل أضعاف ذلك.

اشتهر «الأصمعي» بروايته الواسعة، ومعرفته بالشعر ونقده، وبالتفسير والحديث والنحو، كذلك اشتهر بحفظه وقوة ذاكرته، وعرف عنه الذكاء واستحضار الحجّة، وخفة الروح، وظرف النادرة وحلاوة المزاح ولذع التهكم، وقد امتلأت كتب أدبنا العربي بالرواية عنه.

أو ذكر أخباره، حتى ما تكاد تلقى كتاباً من المصادر الكبيرة لا ذكر له فيها، لقد كان من العلماء النوادر، الذين أغنوا الأدب العربي، وساعدوه على توضيح معالمه، وقد ألف «الأصمعي» كتباً كثيرة قاربت الخمسين كتاباً أو أكثر بقليل.

وكتابه هذا «فحولة الشعراء» يتضمن رأيه في فحولة طائفة من الشعراء الجاهليين والإسلاميين، رواها عنه تلميذه «أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان» ورواها عن أبي حاتم تلميذه «ابن دريد اللغوي» لا نجد في هذا الكتاب تفسيراً واضحاً لمعنى «فحولة» الشاعر، فقد سأل أبو حاتم أستاذه الأصمعي عن معنى «الفحل» فقال:

من كان له مزية عن غيره «على أننا نجد في المعاجم،مثل لسان العرب ما يلي: فحولة الشعراء: هم الذين غلبوا بالهجاء من هاجاهم، مثل جرير والفرزدق وأشباههما، وكذلك لكل من عارض شاعراً فغلبه».

لكن هذا التعريف يبدو ناقصاً، لأننا نجد الأصمعي هنا يصف بعض الشعراء بالفحولة لغير ما ذكره «اللسان» فقد قال: إن طفيلاً فحل، لأنه غاية في النعت، وإن كعب بن سعد الغنوي «ليس من الفحول إلا في المرثية، فإنه ليس في الدنيا مثلها، إن «لبيدا» ليس بفحل، وإن شعره كأنه طيلسان طبري، يعني انه جيد الصنعة وليست له حلاوة، وإن «الحويدرة» لو قال خمس قصائد مثل قصيدته، كان فحلاً.

ومن هنا نرى أن الأصمعي ينظر في الفحوة إلى جودة السبك وبراعة المعنى، ووفرة الشعر معاً، ويروي في بداية الكتاب «ابن دريد» نقلاً عن أستاذه «أبي حاتم» أن الأصمعي كان يفضل النابغة الذبياني على سائر شعراء الجاهلية ثم يورد: وسألته آخر ما سألته قبيل موته من أول الفحول.

قال: النابغة الذبياني، ثم قال: ما أرى في الدنيا لأحد مثل قول «امرئ القيس»: وقاهم جدهم ببني أبيهم وبالأشقين ما كان العقاب.

قال أبو حاتم: فلما رآني أكتب كلامه، ثم فكر، ثم قال: بل أولهم كلهم في الجودة «امرؤ القيس» ،له السبق، ولكنهم أخذوا من قوله، واتبعوا مذهبه، وكأنه جعل النابغة الذبياني من الفحول، وسأله رجل: النابغة أشعر أم زهير، فقال: ما يصلح زهير أن يكون أجيراً للنابغة، قال: وأوس بن حجر أشعر من زهير قال أبو حاتم: حدثنا الأصمعي: قال حدثنا شيخ من أهل نجد قال: كان «طفيل الغنوي» يسمى في الجاهلية محبراً لحسن شعره.

قال: وطفيل عندي في بعض شعره أشعر من امرئ القيس، ويقال إن كثيراً من شعر امرئ القيس لصعاليكه، وكانوا معه، وكان «معاوية بن أبي سفيان يقول: دعوا لي طفيلاً فإن شعره أشبه بشعر الأولين» ثم يورد أبو حاتم: قلت فجرير والفرزدق والأخطل، قال هؤلاء لو كانوا في الجاهلية كان لهم شأن، ولا أقول فيهم شيئاً لأنهم إسلاميون.

قال أبو حاتم: وكنت أسمعه يفضل جرير على الفرزدق كثيراً، ويقول: لو أدرك الأخطل من الجاهلية يوماً واحداً، ما قدمت عليه جاهلياً ولا إسلامياً..».

وهكذا يقدم لنا الكتاب أولى نظريات النقد من أحد العلماء الأوائل الذي كان له شأن كبير في اللغة والأدب.