في سبيل المساهمة في النقاش العالمي حول رهانات المستقبل، قامت «شعبة الاستشراف والفلسفة والعلوم الإنسانية» التابعة للأونيسكو، ومنذ العام 1997، بإدارة سلسلة «مداولات القرن الحادي والعشرين»، التي تجمع في كل حلقة حوارية اثنين أو ثلاثة من العلماء والمثقفين وصناع القرار ذوي الشهرة العالمية.

وإذ تبدو مسألة القيمة شبيهة بأي مسألة أخرى أوجبت العولمة إعادة تعريفها، كالإرهاب على سبيل المثال . زينب عساف فإن كتاب «القيم إلى أين؟» الذي يشتمل على مختارات للأفكار التي عُرضت أثناء هذه اللقاءات الاستشرافية.

والذي شارك فيها أكثر من خمسين مفكراً بينهم كبار الفلاسفة والعلماء في القرنين الفائت والحالي مثل جان بودريار وبول ريكور وجاك دريدا وبول كينيدي وإدغار موران وآلان تورين وأكسال كهن... يحاول بالضبط تقديم أكثر من تعريف للقيمة، انطلاقاً من الفكرة التي تقول اننا نجتاز اليوم أزمة قيم.

أيضاً، من اعتقاد مراقبين كثر أن انحطاط كل ما يعطي معنى عميقاً لأعمالنا وحياتنا، هو نتيجة من نتائج ازدهار العولمة التي تحصر اهتمامها بالتطور التقني، وتالياً تبدو مغرقة في مادية تخلو من أي روحية، وغير قادرة على توجيه أعمالنا، بمعنى أنها لا تقيم أي وزن للقيم.

منذ فجر الحداثة، نشأت مقولتان أخلاقيتان حلّت الواحدة مكان الأخرى، فحددتا معالم الطريق إلى العولمة: الأولى تمثلت في الكلية والمثل المطلقة، والثانية في التعددية وتنوع الممارسات. شكّل ذلك إلى حد ما بوصلة أخلاقية.

لكن العولمة التي أفقدتنا الوسائل لاستكشاف تعقيدات عالمها، أفقدتنا تلك البوصلة أيضاً. ذاك أنها أنتجت أرضاً في غاية الجدة، صارت معها وسائل اتصالنا القديمة قاصرة.

فيما تنحو العالمية إلى الاضمحلال، أقله في الصيغة التي تشكلت فيها كنظام قيم على صعيد الحداثة الغربية، والتي لا نجد ما يوازيها في أي ثقافة أخرى، تبدو العولمة مساراً لا ارتداد عنه، على ما يذهب جان بودريار.

كل ثقافة تصبح كلية تفقد من خصوصيتها وتموت. «هكذا حصل للثقافات التي دمرناها حين استوعبناها بالقوة، ولكن هذا ما سيحصل كذلك لثقافتنا في توقها إلى الكلية».

بعد ذلك يقيم بودريار الفرق بالقول إن باقي الثقافات ماتت بفعل خصوصيتها، وهو موت جميل، بينما نحن نموت لانعدام أي خصوصية، وبسبب قضائنا على كل قيمنا: «موت سييء».

يعتقد بودريار أن مصير كل قيمة هو بلوغها الكلية، من دون أن نقيس الخطر المميت الذي يشكله هذا الترقي: إنه اختزال أكثر منه ارتقاء، أو ارتفاع إلى الدرجة الصفر من القيمة.

في عصر التنوير كانت العملية الكلية تتم من الأعلى، وفق تطور تصاعدي، أما اليوم فتتم من الأسفل، عبر تعطيل القيم بسبب تكاثرها وتمددها اللانهائي.

هكذا يحصل لحقوق الإنسان وللديموقراطية من بين سواها من القيم: إن انتشارها الواسع يتواءم مع مضامينها الأدنى، ومع قصورها السياسي. الكلية تندثر في العولمة، هي ذي الحقيقة.

عن سؤال الكتاب «القيم إلى أين؟»، يجيب بول ريكور أن مسؤولية المثقفين لا تكمن في استباق تطورات تخضع لظروف متعددة خالية من الوضوح، إنما في الاضطلاع بدور «المدرّب العام» مع أخذ المسافة عن أهل السياسة وخبراء الاقتصاد والعلوم الاجتماعية.

بالإضافة إلى ذلك، على المثقفين، على المستوى العالمي، وضع أنفسهم في خدمة الجمهور العريض، آخذين في الاعتبار أنهم ليسوا سوى أقلية: يتم ذلك قبل كل شيء برفض الأفكار المسبقة التي تقف عائقاً في وجه تجدد تراثنا الثقافي الذي لا ينضب معينه.

مطلب أول وملحّ يصوغه ريكور على الشكل الآتي: يجب عدم تخيّل العلاقات بين الثقافات من خلال مصطلحات «الحدود»، وإنما من خلال مصطلحات التأثيرات المتداخلة بين مراكز لا يقيم إشعاعها وزناً للحدود.

في حين يرى إدغار موران أن مشكلة القيم في القرن الحادي والعشرين تأتي من التعقيد الأخلاقي. فحتى يومنا هذا، كانت مسألة تأسيس القيم في منتهى البساطة: أعطى الله شرائع للبشر من أجل عمل الخير.

كذا كانت القضية مشابهة بكل الأحوال في الإطار العلماني للمجتمعات المترابطة بقوة، لأن الدوافع الأخلاقية كانت مستبطنة بعمق.

فالامتثال للقيم واحترامها كان من المسلّمات. لكن حصل تبدل مع تنامي الاستقلالية والمسؤولية الفردية، لأن الإلزام لم يعد يأتي من الله، ولا من الدين، ولا من الدولة، ولا من المجتمع، إنما من الفرد نفسه، وفقاً لنظرية الإلزام الجازم عند كانط.

لقد أصبح هذا الإلزام معزولاً، يُنتج ذاته ويبرّرها. وعلى هذه الوضعية أن تتطور تبعاً لوعي أن ما هو إنساني ليس الفرد وحده، ولا المجتمع، ولا جنسنا البيولوجي، إنما الثالوث المكون من تداخل هذه المصطلحات الثلاثة.

من هذا المنظار تصبح القيم متعلقة إذاً بالفرد من خلال مسؤوليته وكرامته وفضيلته، لكنها أيضاً متعلقة بالمجموعة وبالجنس، وخصوصاً في سياق العولمة. وبما أن من الصعب احترام هذه المستويات الثلاثة من الإلزام في الوقت نفسه، كثيراً ما يظهر تضارب في الواجبات.

يستهل جيانّي فاتّيمو مساهمته في استعارة عنوان كتاب «أفول الغرب» لأوزفالد شبنغلر، مانحاً إياه معنى مغايراً على الصعيد السياسي، مع المحافظة على بعض مدلولاته من الناحية الوصفية، مشدداً في الأخص على الرابط الذي كان يقيمه بين أفول الغرب والامبريالية.

ورغم عدم مشاطرة شبنغلر الرأي في النظرية البيولوجية حول حياة الحضارات، والتي وفق تحليلها تبدو على العالم الغربي علامات الشيخوخة، يلاحظ فاتّيمو أن هذا العالم يُطلق إشارات النضج التي تميز مهمته على الأقل، إذا لم نقل مصيره.

ورغم أننا لا نشهد «صدام حضارات» كالذي تكلم عنه هنتنغتون، فإن تطور الحوادث في الشرق الأوسط وفي مختلف المناطق التي يضربها الإرهاب، يمكن وصفه بـ «الهجوم على عالم بلغ النضج»، لم يعد يمتلك حماسة الشباب وعنفها اليائس، أو حماسة هؤلاء المستعدين للتضحية بأنفسهم في سبيل مثل عليا أخلاقية ـ دينية.

ما يثير الدهشة، كما يقول فاتّيمو، من ناحية الإسلام الأصولي، كما من ناحية الغرب، ان ما يوصف بعدم تقابل الحرب والإرهاب يعبّر كذلك عن فارق عميق من الناحية الروحية: لو صدّقنا الصحافة بعد حوادث 11 سبتمبر.

وحتى قبل هذا التاريخ، فإن كثيرين منا يشككون في إمكان انخراط الغرب الاستهلاكي في صراع مستميت، على مثال ما عجزت الامبراطورية الرومانية في نهاية أيامها عن مواجهة برابرة الشمال، وهم أكثر بدائية، وأكثر قوة وشجاعة. وخصوصاً أكثر «شباباً»، فيما لو استخدمنا المصطلح البيولوجي «المشبوه» لشبنغلر.

إذا كان حقاً من أولى نتائج العولمة ما كشفت عنه من تنوع الثقافات وتعدد القيم التي كنا نجهلها سابقاً، فإن الأزمة التي نجتازها اليوم تدل على أننا أضعنا بوصلتنا الأخلاقية، ولم نعد قادرين على تحديد الاتجاه الصحيح. في هذا المعنى، هل نستطيع القول ان لا أزمة قيم موجودة، لكن أزمة تحديد المعنى؟ سؤال برسم المستقبل.

* الكتاب:القيم إلى أين؟

* ترجمة : زهيدة درويش جبور وجان جبور

* الناشر : دار النهار بالتعاون مع منظمة الأونيسكو ـ بيروت 2006

* الصفحات: 410 صفحات من القطع الكبير