مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الانجليزي البروفيسور جيوف اندروز. وهو أستاذ محاضر في الجامعة المفتوحة أو الحرة بإنجلترا. وكان قد نشر سابقا عدة كتب نذكر من بينها: نهايات اللعبة والأزمنة الحديثة:

السنوات الأخيرة للحزب الشيوعي الإنجليزي. وفي هذا الكتاب الجديد المكرس لإيطاليا يقدم المؤلف صورة عامة عن الحياة السياسية والثقافية لهذا البلد في عهد سيلفيو بيرلسكوني المخلوع أخيرا من قبل التصويت الشعبي. ولكن ينبغي العلم بأنه حكم إيطاليا لفترة زمنية طويلة بالقياس إلى رؤساء الوزراء السابقين.

فإيطاليا بلد معروف بعدم استقراره السياسي وبتغيير وزاراته بشكل سريع كل سنة أو سنتين على أكثر تقدير. أما بيرلسكوني فقد استطاع أن يحكمها طيلة خمس سنوات متواصلة بين عامي 2001 ـ 2006.

ويرى المؤلف أن بيرلسكوني يمثل ظاهرة شعبوية لا شعبية. بمعنى أنه عرف كيف يدغدغ عواطف الشعب الإيطالي ويلعب على وتر العصبية القومية الضيقة كما يفعل كل القادة الديماغوجيين والغوغائيين.

كما أنه اشتهر بوقاحته السياسية وبدهائه وخبثه. يضاف إلى ذلك أن الرجل استطاع أن يتوصل إلى جمع ثروة طائلة من لا شيء.

وقد عرف كيف يستخدمها من أجل السيطرة على عصب الحياة الاقتصادية والسياسية والإعلامية الإيطالية.

لكن من هو بيرلسكوني يا ترى؟ عن هذا السؤال يجيب المؤلف قائلاً بما معناه:لقد ابتدأ حياته من نقطة الصفر تقريبا عام 1960 عندما تحول إلى رجل أعمال مختص في مشاريع البناء. وقد نجح في عدة مشاريع بمدينة ميلانو عاصمة الشمال الإيطالي.

وفي عام 1965 تزوج للمرة الأولى ورزق بطفلين بنت وولد. ثم تزوج بعدئذ من ممثلة سينما وأنجب منها ثلاثة أطفال.

وفي عام 1978 استطاع بيرلسكوني بعد أن توسعت أعماله وكبرت ثروته أن يسيطر على المحطات التلفزيونية في ميلانو ،وأن يدشن عدة فضائيات في الوقت نفسه.

وفي عام 1980 دشن أول فضائية تلفزيونية على المستوى القومي الإيطالي كله وليس فقط على صعيد ميلانو. ثم اشترى العديد من الفضائيات التلفزيونية في روما إلى درجة أنه كاد أن يسيطر على الإعلام الإيطالي ،لأنه لم يكتف بالتلفزيون وإنما اشترى أيضا الجرائد والكثير من الصحفيين معها.

وهكذا أصبح يشكل خطراً على الديمقراطية الإيطالية لأن الديمقراطية تعني التعددية. والتعددية أصبحت معدومة في ظل سيطرة هذا الرجل على معظم وسائل الإعلام بواسطة ثروته الخيالية.

وزاد على ذلك عندما اشترى عام 1989 كبريات دور النشر الإيطالية. وهكذا أصبح يسيطر على الكتاب أيضا وكذلك المجلات وليس فقط التلفزيون والجرائد.

ثم انتقل إلى مجال آخر بعد أن أسس كل هذه الإمبراطورية المصرفية والرأسمالية والإعلامية.

لم يبق له إلا أن يسيطر على السياسة. وقد وقعت في حضنه كالثمرة الناضجة. فمن يسيطر على المال والاقتصاد يستطيع أن يسيطر على السلطة تالياً.

ولهذا الغرض أسس حزبا سياسيا خاصا به يدعى: القوة الإيطالية، وهو حزب يميني، قومي، شوفيني في الكثير من طروحاته.

إنه حزب شعبوي يضم في صفوفه من هبّ ودبّ. وبما أنه يسيطر على القنوات الست الأساسية للتلفزيون الإيطالي (ثلاث عامة وثلاث خاصة) فإنه استطاع أن يقوم بالدعاية لحزبه على أوسع نطاق.

وفي الوقت ذاته راح يحارب خصومه السياسيين بواسطة آلته الإعلامية الضخمة هذه.

ثم يردف المؤلف قائلا: لكي نأخذ فكرة عن قوة بيرلسكوني ينبغي العلم بأن مجلة «فوربس» الأميركية المختصة بتصنيف كبار أغنياء العالم ذكرته في المرتبة الأولى بصفته أغنى أغنياء إيطاليا.

وقدرت ثروته بمبلغ 12 مليار دولار!ويبدو أنه انخرط في الحياة السياسية خوفا من ملاحقته من قبل السلطات القضائية للبلاد.

فوصوله إلى مرتبة عالية في الحكم تعطيه حصانة وتمنع سجنه. ولذلك حرص على الوصول إلى رئاسة الوزارة. ولكن ماذا سيحصل له الآن بعد أن فقد هذا المنصب؟ ألن يلاحقه القضاء من جديد؟ وربما لهذا السبب فإنه لم يعترف حتى الآن بانتصار منافسه رومانو برودي. فهو يريد أن يساومه على السلطة: أي أن يقتسمها معه لكي ينجو بجلده!

في الواقع أن بيرلسكوني يريد أن يفرض على إيطاليا نفس الحل السياسي الذي فرض في ألمانيا بعد فوز ميركل الضعيف على شرودر. ومعلوم أن كلا الحزبين الكبيرين هما اللذان يحكمان البلاد الآن. وهذه الصيغة الألمانية تناسب بيرلسكوني لأنها تجنّبه خطر الملاحقة القضائية.

ولكن هل ستقبل قوى اليسار بأن يشاركها الحكم شخص معروف بالفساد مثله؟ هذا هو السؤال المطروح عن إيطاليا اليوم.

وإيطاليا حائرة ومترددة في هذه اللحظة ولا تعرف كيف تحسم موقفها ولا في أي اتجاه. ويخشى من أن يحاول بيرلسكوني زعزعة الحكم الجديد بمعونة أميركا حتى قبل أن يولد.

ثم يردف المؤلف قائلاً: في عام 1994 قرر بيرلسكوني أن يدخل معترك السياسة فرشح نفسه للانتخابات التشريعية ونجح في أن يصبح نائبا. وبعد أن توصل إلى منصب رئاسة الحكومة الإيطالية اضطر إلى الاستقالة بسبب تخلي حلفائه عنه وبخاصة عصبة الشمال اليمينية المتطرفة.

وفي الوقت ذاته ابتدأت الملاحقات القضائية له ولشركاته التي لا عد لها ولا حصر. وقد نجح في تبرئة نفسه في العديد من الحالات.

ولكن بقيت هناك حالات غامضة ومشبوهة. وهو يخشى الآن أن يلاحق بسببها. وفي عام 1997 استطاع بيرلسكوني أن ينجو حتى من مرض السرطان!

ثم عاد إلى حلبة السياسة من جديد عام 2001 عندما استطاع الوصول إلى القمة مرة ثانية. وعلى الرغم من كل الأزمات التي مر بها إلا أنه استطاع البقاء في منصب رئاسة الوزراء خمس سنوات كاملة.

وهي أطول فترة في تاريخ الجمهورية الإيطالية كما قلنا. ثم يتعرض المؤلف لمرحلة ما بعد بيرلسكوني ويقول بما معناه: إن قوى اليسار الإيطالي مصممة على الانتقام منه، يضاف إليها كل أولئك المنضوين تحت راية محاربة العولمة الرأسمالية الشرهة.

بل وحتى الاتجاهات المسيحية ذات الميول الإنسانية والروحانية العالية انضمت إلى خصمه رومانو برودي من أجل إسقاطه. فالمال لا يستطيع أن يشتري كل شيء. وهناك ضمائر حرة في كل بلد.

والواقع أن رومانو برودي يقف الآن على رأس تحالف كبير وغير متجانس.

فهو يضم كل القوى السياسية الإيطالية ما عدا اليمين أو اليمين المتطرف. إنه يضم الوسط واليسار الاشتراكي واليسار الشيوعي وحتى أقصى اليسار.

وبالتالي فهناك خشية من أن ينفرط عقد التحالف الواسع الذي شكله رومانو برودي. وبيرلسكوني يراهن على ذلك ويتمنى أن يحصل من كل قلبه. ولحسن حظه فإن هزيمته الانتخابية لم تكن كبيرة على عكس ما توقع جميع الخبراء والمختصين في الحياة السياسية الإيطالية. فالفرق بين الأصوات التي حصل عليها وأصوات برودي ضعيف جدا.

ولهذا السبب فإن بيرلسكوني يدعو برودي إلى تشكيل حكومة برأسين. ولهذا السبب يرفض حتى الآن الاعتراف بانتصاره لكي يبتزه ويضغط عليه.

وعلى هذا النحو يستطيع أن يجهض انتصاره أو قل هذا ما يحلم به. ولكن هل يستطيع يا ترى؟ومعلوم أن رومانو برودي شخص نزيه وبعيد كل البعد عن الفساد والرشوة والثروات الطائلة. إنه أستاذ مشهور للاقتصاد في جامعة بولونيا ولا يزال يسكن شقة عادية كبقية الناس في وسط المدينة.

وكان وزيرا للصناعة بين عامي 1978-1979 ثم رئيسا للوزراء من عام 1996 إلى عام 1998. ثم أصبح رئيسا للاتحاد الأوروبي قبل أن يعود إلى إيطاليا والحياة السياسية ويرشح نفسه أخيرا وينتصر.

وقد قرر سحب قواته من العراق بأسرع وقت ممكن.ثم يخلص المؤلف إلى القول: إن إيطاليا منقسمة على نفسها الآن أكثر من أي وقت مضى.

إنها مقسومة إلى يمين ويسار، إلى جماعة بيرلسكوني الانتهازي المتورط في صداقته مع بوش، وجماعة برودي التي تريد المحافظة على استقلالية القرار السياسي الإيطالي.

ومعروف أن برودي من أكبر المؤيدين لانضمام إيطاليا إلى سياسة الاتحاد الأوروبي لا إلى سياسة واشنطن. فكيف ستحسم إيطاليا موقفها يا ترى؟ وفي أي اتجاه؟ وهل دخلت حقا في مرحلة ما بعد بيرلسكوني؟

* الكتاب:هذا ليس بلدا عاديا

إيطاليا بعد بيرلسكوني

* الناشر: بلوتو بريس ـ لندن2006

* الصفحات : 202 صفحة من القطع الكبير

Not a normal country : Italy after Berlusconi

Geoff Andrews

Pluto Press- London 2006

p.202