مؤلف هذا الكتاب هو الباحث والدبلوماسي الانجليزي السابق ويليام مالينسون. وهو يقدم هنا دراسة مفصلة عن تاريخ جزيرة قبرص منذ احتلالها من قبل الانجليز عام 1878 وحتى اليوم.

ويركز المؤلف بشكل خاص على نضال الجزيرة من أجل استقلالها عن الانجليز، ثم على الغزو التركي للجزيرة عام 1974 وما نتج عنه من آثار سلبية. كما ويشرح الوضع الإستراتيجي لجزيرة قبرص بصفتها أرضا لعبت دورا كبيرا أثناء الحرب الباردة. كما وتلعب حاليا دورا كبيرا في الحرب على الإرهاب.

ولكن يعود إلى الماضي البعيد أيضا، أي إلى تاريخ غزوها من قبل العثمانيين. ومنذ البداية يقول المؤلف ما معناه: إن قبرص هي ثالث جزيرة في المتوسط من حيث الضخامة.

وهي تقع على الطرف الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، ففيما وراءها تقع آسيا الصغرى ومنطقة الأناضول، أي تركيا. ومن ناحية الشرق توجد سوريا ولبنان.

وجزيرة قبرص مؤلفة من أربع مناطق جغرافية كبرى. ففي الشمال تقع سلسلة جبلية تدعى كيرينيا. وفي الجنوب توجد جبال عالية تدعى ترودوس، وبينهما توجد سهول واسعة وأنهار وأراض خصبة.

ثم حصل الغزو العثماني للجزيرة عام 1570 أي في نهاية القرن السادس عشر. وقد أمر به السلطان سليم الثاني لأن قبرص كانت غنية بالثروات. وقد وصل الأتراك إلى «لارنكا» على ظهر أسطول بحري ضخم يضم ما لا يقل عن 350 سفينة.

ثم انتشروا من هناك في كل أنحاء الجزيرة ما عدا العاصمة نيقوسيا والميناء الكبير المحصن.

ثم تلت ذلك معركة نيقوسيا الشهيرة.

وقد انتهت بهزيمة القبارصة الذين كانوا ينتظرون المدد والإنقاذ من البندقية أو من العالم المسيحي بشكل عام، ولكن عبثا.

وقد قاتل الإغريق بشجاعة إلى جانب أسيادهم الاثينيين. ولكن المدينة سقطت بعد ذلك، وحصلت مجازر ضخمة أدت إلى سقوط عشرات الآلاف من السكان بين قتيل وأسير.

وعلى هذا النحو انتهت سيطرة البندقية وبقية مسيحيي المتوسط على الجزيرة.والواقع أننا لا نستطيع أن نفصل بين هذه القصة وبين المعركة العامة التي كانت دائرة بين العثمانيين والأوروبيين من أجل السيطرة على المنطقة الشرقية من حوض البحر الأبيض المتوسط.

فبعد خضوع منطقة البلقان للأتراك و كذلك سوريا ومصر راحت بقية المواقع تسقط في أيديهم الواحد بعد الآخر.ولكن حصار نيقوسيا ومعركتها ومجازرها أشعرت الغرب المسيحي كله بالحزن الشديد. والدليل على ذلك أن الشاعر الفرنسي الكبير «رونسار» ألف قصيدة عن الموضوع يحث فيها البندقية على إنقاذ قبرص من براثن الأتراك.

ثم يردف المؤلف قائلا: وفي عام 1878 حان دور الانجليز لكي يستعمروا الجزيرة. وقد ألقى رئيس الحملة الانجليزية الأميرال جون هاي خطابا أمام أعيان نيقوسيا قال فيه: أعلن السيطرة على جزيرتكم باسم الملكة فيكتوريا!

والواقع أن الهيمنة البريطانية جاءت كنتيجة لاتفاق سري مع العثمانيين الذين قبلوا بهذا الاحتلال مقابل دعم الانجليز لهم في حربهم ضد روسيا. بمعنى أنهم باعوها للانجليز بشكل من الأشكال.

وفي ظل الاحتلال البريطاني انتهت عزلة قبرص الطويلة وراحت تنفتح من جديد على أوروبا.

وقد شرع الانجليز بتحديث الإدارة والقيام بإحصاء دقيق لعدد السكان. وتبين لهم أن عددهم آنذاك كان يصل إلى 173 186 شخصا.

ولم يكن عدد الأتراك يتجاوز آنذاك 638 42 أما عدد اليونانيين فيصل إلى 793 140، وهذا يعني أنهم كانوا يشكلون الأغلبية العظمى من سكان البلاد.ثم أدخل الانجليز نظاما تعليميا جديدا عن طريق إنشاء المدارس والمستشفيات لأول مرة في تاريخ قبرص.

وكان ذلك يعتبر تقدما كبيرا بالقياس إلى المرحلة العثمانية المتخلفة.

وقد استقبلت الطائفة الإغريقية الاحتلال الانجليزي بترحاب لأنه خلصها من النير العثماني. وكانت تأمل في أن يساعد ذلك على توحيد الجزيرة مع الوطن الأم: اليونان.

ولكن الانجليز لم يهتموا بتطوير الجزيرة فعلا. صحيح أنهم شقوا بعض الطرق وأقاموا بعض المنشآت هنا وهناك ولكنهم اكتفوا بالحد الأدنى. والواقع أنهم كانوا يهتمون بالجزيرة نظرا لموقعها الاستراتيجي فقط.

فقد كانت تتيح لهم السيطرة على التجارة البحرية التي تربطهم بالهند وذلك عبر قناة السويس. ولذلك فعندما احتلوا الإسكندرية عام 1882 ما عادت قبرص تفيدهم في شيء فأهملوها.

ولهذا السبب فإن الشعب القبرصي شكل حركة وطنية لمقاومة الاحتلال الانجليزي. وقد نال استقلاله عام1950. وفي عام 1960 أصبح الأسقف مكاريوس الثالث أول رئيس لجمهورية قبرص المستقلة.

ومعلوم أن مكاريوس هذا كان رئيس الكنيسة الأرثوذكسية القبرصية، وفي ذات الوقت قائدا للقبارصة اليونانيين وبالتالي فقد جمع السلطتين الزمنية والروحية في يده. وساهم بذلك في تأييد التراث البيزنطي. ومعلوم أن الإمبراطور البيزنطي كان زعيما روحيا وسياسيا في آن معا.

ثم يردف المؤلف قائلا: ولكن مكاريوس كان مضطرا لممارسة السلطة بالتعاون مع نائب الرئيس الذي يمثل الأقلية التركية في الجزيرة. واستمر هذا التعايش لفترة من الزمن ثم اندلعت الحرب الأهلية بعدئذ، وكانت دموية جدا.

فالقبارصة الأتراك كانوا يناضلون من أجل تقسيم الجزيرة، والقبارصة اليونانيون من أجل إلحاقها باليونان. وأخيرا اتفق الطرفان على إنهاء الحرب والتعايش المشترك واقتسام السلطة بينهما.

وقد دام السلام بين كلتا الطائفتين مدة ثلاث سنوات. واستطاعت الحكومة النهوض بالبلاد وإنعاش الاقتصاد. ولكن الرئيس مكاريوس طالب عام 1963 بإعادة النظر في الدستور.

وكان الهدف من ذلك تقليص حقوق الأقلية التركية عن طريق تعطيل حق الفيتو المعطى لها وعن طريق إلغاء حصتها في الجيش والشرطة والإدارة. ومعلوم أن الدستور السابق كان يعطيها حصة معينة،وقد أراد تخفيضها إلى أقصى حد ممكن.

ولكن القبارصة الأتراك رفضوا هذه المقترحات وساعدتهم أنقرة على ذلك، بل وهددت بالتدخل العسكري واحتلال الجزيرة إذا ما هضمت حقوق القبارصة الأتراك.

ثم اندلعت الحرب الأهلية من جديد عام 1963. وكانت في البداية محصورة بالعاصمة نيقوسيا ولكنها امتدت بعدئذ لكي تشمل مختلف أنحاء البلاد.

وعندئذ انقسم الجيش على نفسه، وكذلك الشرطة. والتحق كل عنصر بطائفته. ولم يعد هناك من جيش وطني يمثل كل القبارصة.

وهكذا انتصرت النزعة الطائفية على النزعة الوطنية كما يحصل عادة عندما تحتدم الأمور في بلد متعدد الطوائف.

وقد قتل ما لا يقل عن خمسمئة شخص أثناء صيف 1964. وقام الطيران التركي بقصف مواقع القبارصة اليونانيين.

وخشي الناس عندئذ من أن يقوم الجيش التركي بغزو الجزيرة. وعندئذ أصبحت الحرب بين اليونان وتركيا على الأبواب.

ولكن بما أن كلا البلدين عضو في حلف الأطلسي فإن الولايات المتحدة تدخلت لمنع الكارثة. وأرسلت قوات الأمم المتحدة للفصل بين كلتا الطائفتين. ثم حصل انقلاب عسكري على مكاريوس يوم 15 يوليو 1974. وقامت به عصابات موالية للنظام العسكري الدكتاتوري الحاكم في اليونان.

وعندئذ أعطت الولايات المتحدة الضوء الأخضر لتركيا لكي تتدخل. وهكذا أرسلت أربعين ألفا من قواتها للإطاحة بالنظام الانقلابي وإعادة الشرعية إلى حكم البلاد. وهذا ما حصل.

فقد سقط الانقلابيون وعاد مكاريوس إلى قصره الرئاسي. ثم سقط النظام العسكري في اليونان أيضا. ولكن نتيجة التدخل كانت الحرب الأهلية.

وقد ذهب ضحيتها الآلاف من هذا الطرف أو ذاك ولكنها أدت أيضا إلى إقامة خط عازل بين كلتا الطائفتين عام 1975. وعندئذ حصل تقسيم الجزيرة فعلا، وحصل تهجير للسكان من هذه الجهة أو تلك لكي يتم الانسجام الطائفي في كلتا الجهتين.

وأثبتت التجربة القبرصية المريرة صعوبة توحيد البلاد إذ كانت تعاني من انقسام طائفي حاد.

ولكن انضمام قبرص إلى الاتحاد الأوروبي مؤخرا قد يفتح أمامها ولأول مرة إمكانية تجاوز انقساماتها وحزازاتها الدينية والدخول في عصر الحداثة السياسية الفعلية.

* الكتاب: قبرص: تاريخ حديث

* الناشر:آي. ب. توريس

لندن 2006

* الصفحات: 244 صفحة من القطع الكبير

Cyprus : a modern history

William Mallinson

I. B. Tauris - London - 2006

P.442