الرفاهية ، الظلم ، العولمة منذ عام 1980....
مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور الكندي تيموثي ب. سميث، وهو أستاذ علم التاريخ المعاصر في جامعة كوين أي الملكة بكندا. ويقوم الباحث المذكور بتدريس مادة التاريخ الأوروبي الحديث في الجامعة، وكذلك مادة السياسات العامة المقارنة ومفهوم العولمة. ويعتبر كتابه هذا من أهم المراجع عن الوضع الفرنسي الداخلي.
وقد سبق انفجار الأزمة الأخيرة بفترة وتنبأ بحصولها. وهذا أكبر دليل على قوته في التحليل وأهميته. فهو يعتبر أن كل مشكلات فرنسا الحالية الخاصة بشبيبة الضواحي أو شبيبة المدن الرئيسية عائدة إلى عدم توزيع الثروة بشكل عادل وإلى الفقر الذي يصيب شرائح واسعة من السكان على الرغم من غنى البلاد وثرواتها الطائلة.
ثم يردف البروفيسور تيموثي سميث قائلا: وبالتالي فالحق على الطبقة السياسية الفرنسية التي رفضت أن ترى الأمور وجها لوجه وأن تتخذ القرارات الصعبة في اللحظة المناسبة. فسبب الأزمة داخلي وليس خارجيا على عكس ما تزعم الطبقة السياسية من يمين أو يسار. ومعلوم أنها تلقي باللائمة على العولمة وتعتبرها سبب أزمات فرنسا الداخلية. هذا ما فعله ليونيل جوسبان سابقا، وهذا ما يفعله اليمين حاليا.
الكل يلقي بالمسؤولية على الطليان كما يقال لكي يعفي نفسه من هذه المسؤولية بالذات. وقد صدق الفرنسيون أقوال قادتهم وأصبحوا يعتقدون بأن منافسة دول العالم الثالث لبضائعهم هي السبب في تفشي البطالة عندهم، وبالتالي تدني مستوى المعيشة في فرنسا. ولكن التحليل الدقيق للأمور يثبت عكس ذلك.
ينقسم الكتاب إلى مقدمة عامة وثمانية فصول وجداول إحصائية عديدة. الفصل الأول يتحدث عن سوء الفهم الناتج عن دولة الرفاهية الفرنسية التي تم تشكيلها في الماضي. فالواقع أن هذه الدولة لم تشمل برعايتها وعنايتها إلا ستين بالمئة من الشعب الفرنسي وضحت بالأربعين بالمئة الباقين.
وبالتالي فالرفاهية موجودة ولكنها ظالمة لأنها لا تهتم إلا بالأغنياء والكوادر العالية والوسطى وتهمل العمال والطبقات الشعبية عموما. وهذا ما يوضحه المؤلف بالتفصيل وعن طريق الجداول الإحصائية الدقيقة. أما الفصل الثاني من الكتاب فيدخل في تفاصيل هذه النقطة عندما يتحدث عن الفئات المهينة المختلفة وأنانيتها وصراعها على المصالح المادية وزيادة أرباحها.
أما الفصل الثالث من الكتاب فمكرس لموضوع مهم هو: خيانة المثقفين الذين اتخذوا العولمة ككبش فداء لكي يغطوا على مسؤوليتهم الذاتية ومسؤولية الطبقة السياسية برمتها. وهنا يستشهد المؤلف بأحد الخبراء الفرنسيين فرانسوا دو كلوزيه الذي يقول: لقد تعود الفرنسيون أن يلقوا بمسؤولية مشكلاتهم ومصائبهم على الآخرين. وهذه عادة سيئة تعميهم عن رؤية الواقع كما هو.
ففي السابق كانوا يلقون بالمسؤولية على أرباب العمل، والأغنياء، والرأسماليين، والألمان، والعائلات الكبرى التي تتحكم بمصير البلاد. ولكنهم الآن يلقون بالمسؤولية على العولمة، والاتحاد الأوروبي، ومعاهدة ماستريخت، الخ. وبالتالي فعقليتهم لم تتغير من هذه الناحية.
ولكن هذا الكاتب الذي يخلط الصح بالخطأ ينسى أن مسؤولية الرأسماليين والأغنياء الفاحشي الثراء كبيرة عن الوضع الذي وصلت إليه فرنسا الآن. فلا أحد يستطيع أن ينكر الحقيقة التالية وهي أنه كلما زادت أرباح الطبقات العليا في المجتمع نقصت موارد الطبقات الدنيا والشعبية.
وبالتالي، فإذا لم تكن المسؤولية تقع على عاتق العولمة كما يرددون صباح مساء فإنها تقع على عاتق النظام السياسي والاجتماعي الفرنسي الذي يحبّذ الأغنياء ويهمل الفقراء بل ويسحقهم سحقا. وهذا ما يبرهن عليه مؤلف الكتاب أكثر من مرة. فهو يقول مثلا: إن الطبقات العليا في المجتمع الفرنسي ترفض أن تتخلى عن جزء من امتيازاتها لصالح الطبقات الدنيا. إنها ترفض أن تدفع ضريبة الغنى الفاحش من أجل مساعدة الفقراء أو التضامن معهم.
وهذا هو سبب الأزمة التي تعاني منها فرنسا حاليا. ففرنسا مليئة بالمال والثروات، إنها خامس قوة اقتصادية في العالم على الرغم من صغر عدد سكانها: ستون مليون نسمة فقط. وبالتالي فلو وزعت ثرواتها بشكل عادل على الشعب لما حصل أي انفجار في الشارع. هذا كل ما في الأمر، لا أكثر ولا أقل.
ثم يدخل المؤلف في التفاصيل أكثر ويقول: في بداية الستينات كانت السياسة الاجتماعية الفرنسية تتموضع فيما وراء المناقشة التقليدية للصراع الطبقي. وكان الديغوليون يسيطرون على مقاليد البلاد طيلة الثلاثين سنة المجيدة. وقد دعوها كذلك لأنها شهدت ازدهارا اقتصاديا لا مثيل له. وبالتالي فإن الدولة صرفت أموالا ضخمة على الطبقات الشعبية لكي تسكتها بعد أن تشبع.
وفي ذلك الوقت لم تكن هناك بطالة في فرنسا. كان أي شخص يجد العمل الذي يريده بشرط أن يبحث عنه. وعندئذ أسس ديغول الضمان الصحي والضمان الاجتماعي وجعل الشعب الفرنسي يعيش في بحبوحة من العيش وقد حصل كل ذلك بفضل النموّ الاقتصادي الذي لم يسبق له مثيل من قبل، وبفضل السياسة الحكيمة للجنرال ديغول.
ولكن الأمور اختلفت بعدئذ، فالسنوات المجيدة والمزدهرة لم تدم أكثر من ثلاثين سنة ، أي من عام 1960 إلى عام 1990 تقريبا.
بعدئذ ابتدأت المشكلات وازدادت نسبة البطالة لكي تصل إلى 12% من الشعب الفرنسي. أما في أوساط الشباب فقد وصلت إلى 23%. وفي أوساط المغتربين والضواحي الفقيرة فقد وصلت إلى أربعين أو خمسين أو حتى ستين بالمئة.
ولذلك صرح جورج مارشيه السكرتير العام للحزب الشيوعي الفرنسي في أوائل الثمانينات قائلا: أليس من العيب أن يكون في بلاد الثورة الفرنسية أكثر من مليونين من العاطلين عن العمل؟
ألم ترفع الثورة الفرنسية شعار الحرية، والمساواة، والإخاء عاليا؟ ألم تصدر للعالم كله الإعلان الشهير لحقوق الإنسان والمواطن؟ فلماذا تراجعنا عن كل ذلك الآن وأصبحنا بلدا مليئا بالتفاوتات الاجتماعية والطبقية؟ لماذا يوجد عندنا ملايين الفقراء؟
وفي الفصل الرابع من الكتاب يطرح المؤلف مشكلة القطيعة مع الاشتراكية في فرنسا.
ومعلوم أن وصول اليسار إلى السلطة بقيادة فرانسوا ميتران عام 1981 دشن الآمال العريضة أمام الشعب. وبالفعل فقد اتبع الرئيس الاشتراكي الجديد سياسة عادلة ومهتمة بمصير الفقراء أو الطبقات الشعبية والمغتربين طيلة السنتين الأوليتين من عهده.
ولكنه سرعان ما تنكر لكل وعوده بعدئذ وقطع مع السياسة الاشتراكية وراح يطبق سياسة اليمين الرأسمالية بحجة حماية الاقتصاد الفرنسي. وهكذا رضخ في نهاية المطاف لضغوط الشركات وأرباب العمل الرأسماليين. وأثبتوا بالفعل أنهم هم قادة المجتمع الفرنسي الحقيقيون، فلا أحد يستطيع أن ينتهج سياسة مضادة لمصالحهم مهما كان قويا من الناحية السياسية.
أما في الفصول الأربعة الأخيرة من الكتاب فيتحدث المؤلف عن موضوعات شديدة الأهمية ألا وهي: رسوخ التفاوتات الاجتماعية في فرنسا بين الأغنياء والفقراء، ثم الفئات الاجتماعية المحمية من قبل النظام الفرنسي، أي فئة الأغنياء والطبقات الوسطى العالية، ثم فئة المنبوذين من النظام، أي العمال المهاجرين بالدرجة الأولى والشبيبة والنساء. وأخيرا يكرس المؤلف فصلا كاملا لدراسة الاستثناء الفرنسي. فالحالة الفرنسية لا مثيل لها حتى في أوروبا والغرب كله.
وبعد الاطلاع على كل هذه الموضوعات والتحليلات يأخذ القارئ فكرة عامة ودقيقة عن سبب تأزم المجتمع الفرنسي حاليا وكذلك سبب انفجار شبيبته ونزولها إلى الشارع في مظاهرات ضخمة تتجاوز الملايين.
ويقترح المؤلف في نهاية المطاف كحل لمشكلات فرنسا المتفاقمة إعادة النظر في النظام الاجتماعي والسياسي الفرنسي. فمن الواضح أنه أصبح قديما باليا ولم يعد يتناسب مع الظروف المستجدة. وأهم شيء ينبغي تغييره هو الوضع المختل بشكل عام، أي وضع الغنى الفاحش من جهة والفقر الفاحش من جهة أخرى. فهناك مئات المليارديريين في بلاد الثورة الفرنسية وكومونة باريس، وهناك آلاف المليونيريين.
وبالتالي ففرنسا بحاجة إلى عدالة اجتماعية لكي يشعر جميع سكانها بأنهم محترمون في بلادهم. إنها بحاجة إلى تضامن بين الطبقات لا صراع طبقيا. بمعنى آخر إنها بحاجة إلى مساواة وإخاء وتوزيع عادل للثروة القومية.
* الكتاب: فرنسا في أزمة
الرفاهية، الظلم، العولمة منذ عام 1980
* الناشر: مطبوعات جامعة كامبردج 2006
* الصفحات :308 صفحات من القطع الكبير
France in crisis
welfare, inequality and globalization since 1980
Timothy B. Smith
Cambridge University Press 2006
p. 308
