هذه المقابلة أجراها جاري لاموشي المحرر الأدبي لمجلة «إيشيا تايمز». مع الروائي والكاتب والمنتج الموسيقي رايو مورا كامي بمناسبة صدور الترجمة الانجليزية لروايته الشهيرة «69» عن دار كودانشا انترناشيونال النيويوركية، حيث ألقى فيها مورا كامي الضوء على روايته التي تعد رابع رواية من رواياته تترجم إلى اللغة الانجليزية،
وتتطرق إلى تصوراته عن الأديب ودوره في الحياة العامة في اليابان، وأشار إلى أنه معني في المقام الأول بالكتابة للجمهور الياباني الذي تابع أعماله على امتداد ثلاثة عقود من الزمان، بينما الساحة الدولية على أهميتها لا تشكل عنصراً يؤرقه ويجعله يتابع ترجمة أعماله بشكل لاهث، وذلك لأنه لا يملك الوقت ولا الجهد اللازمين لمثل هذه المتابعة. وفي ما يلي نص المقابلة.
«اليابان الآن عالم صغير جداً، مسطح، وموحد. كل شيء صغير للغاية ومماثل لغيره بشدة. ليس هناك آخرون، وهي يمكن أن تكون متراخية، لكنها أيضاً كئيبة، وليس بوسعك أن تلتقي فيها بالجديد ولا بالغريب».
هذا هو ما يقوله رايو مورا كامي عن اليابان، وقد تبدو كلماته كئيبة ومتشائمة من المنظور الغربي، ولكن لسبر أغوارها وفهمها بشكل جيد، قد يكون من المهم إدراك أن الترجمة الأهلية لكلمة «ياباني» تعني غالباً «نحن اليابانيين«، تماماً كما في القول «نحن اليابانيين متماثلون تماماً». ومن المنظور التاريخي فإن السياسات المتعلقة بالهوية هي شيء لم يسمع به في اليابان. بل في حقيقة الأمر إن كلمة «مختلف» باليابانية وهي «شياجو» هي نفسها الكلمة المقابلة لكلمة «خطأ». هكذا يبرز السؤال: «كيف تتناسب المهمة المنعزلة المتمثلة بصورة جوهرية في الكتابة مع عالم بلا آخر؟
ربما كانت علامة الاستفهام هذه هي المنطلق الأفضل لبدء الحوار مع رايو موراكامي:
* تبدو روايتك التي صدرت ترجمتها الانجليزية مؤخراً بعنوان «69» وكأنها تحتل المرتبة الوسط بين رواية «زرقة شفافة تقريباً» ورواية «أطفال صندوق الأمانات». إلى أي حد تتسم هذه الرؤية بالدقة؟
ـ خلافاً لما يتصوره بعض النقاد فإن رواية «69» هي في المقام الأول عمل كوميدي، مرح، بعيدا عن أجواء الكآبة والاعتام التي يصر جانب من القراء على ربطي بها، والواقع أن هذه الرواية تركز على ظاهرة نظام اجتماعي كان في وقت من الأوقات يتخذ طابعاً موحداً، وفجأة يجد هذا النظام نفسه وهو يواجه تحديات الايديولوجيات الأجنبية،
ومن هنا تتداعى تقلبات هذا الفتى المراهق، المثالي، كين، بما في ذلك تأملاته حيال شخصيات بالغة الغرابة مثل تشي جيفارا، ميك جاجر، ماو تسي تونغ، وجان لوك جودار. وهناك على الدوام ـ على امتداد الرواية ـ محاولة لسبر أغوار طرق اليابان الشخصية والمراوغة في التعامل مع انتهاك الثقافة.
* هناك من النقاد من لا يتردد في القول إن «69» هي رواية تكاد أن تكون سيرة شبه ذاتية، بمعنى أن هناك العديد من أوجه الشبه بينك وبين «كين» بطل الرواية. إلى أي حد يتسم هذا التصور بالدقة كذلك؟
ـ لست أريد أن أعقب على هذا التصور، ولا أجد من المناسب أن أضع قيوداً على خيال النقاد وتصوراتهم، فهم أحرار فيما يذهبون إليه في نهاية المطاف. لكنني أريد القول إننا في عام 1969، الذي استمدت منه الرواية عنوانها كنا في السابعة عشرة من العمر نستمع إلى موسيقى البيتلز، الستونز، الدورز، الفيلفت أندرجراوند، جريتفول ديد، كريم، جيم هندريكس، جانيس جوبلن، وبوب ديلان وغيرهم كثير. كنا نقرأ رامبو، كنا نعزف على الجيتار، كنا نقع في الحب كمن يتردى في هوة تمتد بلا انتهاء، كنا نتمرد على المؤسسة كنا نحتج على الحرب التي تدور رحاها في فيتنام. كان ذلك عالمنا.
* إذا انتقلنا من رواية «69» إلى رواية «في حساء الباذنجان» التي تعد ثالث رواية لك تترجم إلى الانجليزية فإن سؤالاً يفرض نفسه، على الفور تقريباً، وهو:لماذا جعلت القاتل المهووس في هذه الرواية أميركياً؟ هل تعتقد أن هناك شيئاً في اليابان يخرج من الأميركيين أسوأ ما فيهم على نحو ما تشير هذه الرواية؟ إن روايتك التي فازت بجوائز عديدة «زرقة شفافة تقريباً» تشير أيضاً إلى أن الأميركيين يخرجون من اليابانيين أسوأ ما فيهم فهل تعتقد أن هناك علاقة مدمرة بين هذين البلدين وشعبيهما؟
ـ إن «فرانك» ليس قاتلاً مهووساً فحسب، وإنما هو رجل يؤمن بـ «الحرية» ولديه «قوة بدائية تنتمي إلى الجنس البشري كله». وإذا قرأت هذا الربط، فإنك ستجد أنه لو كانت شخصيته غير أميركية لكانت أوصافه أكثر محدودية.
* في العديد من رواياتك تتعرض لما يسمى بصناعة الجنس في اليابان، فكيف تؤثر هذه الصناعة على الاقتصاد الياباني في مجمله؟ كيف ترتبط صناعة الجنس بالإهمال الفعلي لقدرات المرأة في ساحة العمل؟ هل تجاهل اليابان لنصف قدراتها الذهنية في إطار اقتصاد معلوماتي له صلة بالركود الاقتصادي الذي عانت منه البلاد طويلاً؟ هل يحتمل أن تتغير العلاقات بين المرأة والرجل في اليابان في المستقبل؟
ـ شأن كل الصناعات الأخرى، فإن صناعة الجنس في اليابان موجودة لان هناك طلباً على منتجاتها، وعلى الرغم من هذه الصناعة، فإنني أعتقد أن وضعية المرأة في المجتمع الياباني تواصل تحسنها.
* يزور جونتشيرو كويزومي رئيس وزراء اليابان مزار ياسوكوني في مناسبات محددة، وهذه الزيارات يبدو أنها تأتي تعبيراً عن نزوع متعاظم إلى الوطنية في اليابان. من أين يأتي هذا النزوع في اعتقادك وإلى أين يمضي؟ ما هي العوامل المحتملة فيما يتعلق بصيغة أكثر حداثة للنزعة الوطنية اليابانية التي يمكن لليابان وجاراتها التعايش معها؟
ـ هناك أمر مهم يتعين فهمه، وهو أن رئيس الوزراء كويزومي لا يمثل في تحركه هذا اليابان بأسرها، ولا يتحدث باسمها. إنني اعتقد أن النزعة الوطنية اليابانية الجديدة ينبغي أن تتسم بالتسامح إزاء التنوُّع، وان ذلك ينبغي أن يندرج في صميم أفكارها.
* ما مدى أهمية الشهرة على الساحة الأدبية الدولية بالنسبة للكاتب الياباني؟ ما هو شعورك حيال كون العالم خارج اليابان أكثر معرفة بالروائي الياباني هاروكي موراكامي من معرفته بأعمالك؟ هل تعتقد أن الكثير مما تكتبه وتقصده يضيع في غمار عملية الترجمة؟
كيف تثمن التغييرات التي حدثت في ترجمة الأدب الياباني في الفترة ما بين فوز ياسوناري كاواباتا بجائزة نوبل للأدب في 1968 وفوز كينزابور وأوي بالجائزة نفسها في عام 1994؟ على أي نحو تغير الأدب الياباني خلال هذه الفترة؟
ـ السمعة الدولية المميزة تجعلني فخوراً، ولكنها ليست كل ما أريده من كتابة الروايات، فأنا أكتب الروايات بصفة أساسية لجمهور القراء اليابانيين لأنني أكتب باليابانية، وأنا مشغول تماماً برواياتي وبمشروعاتي الأخرى، وهكذا فليس لدي الوقت ولا الجهد لكي أفكر في الأدب الياباني أو التغير في مستويات الترجمة أو هاروكي موراكامي.
مسيرة رايو موراكامي
* ولد الروائي الياباني رايو موراكامي في 19 فبراير 1952 في مدينة ساسيبو في مقاطعة نجازاكي ونشأ في هذه المدينة التي كانت موقعاً لقاعدة بحرية أميركية حتى الثامنة عشرة من عمره وتأثر بعمق بالثقافة الغربية.
* انتقل في 1970 إلى طوكيو، وأقام في منطقة فوسا التي يقع بها مطار يوكوتا العسكري الأميركي، وظل هناك عامين.
* أصدر في عام 1976 رائعته (زرقة شفافة تقريبا)التي فازت بجائزة جونزو للمواهب الجديدة ثم بجائزة أكوتاجاوا بينما كان موراكامي لايزال طالباً في جامعة موساشينو للفنون.
* توالت رواياته التي حققت له شهرة عالمية وفي مقدمتها (الحب وموسيقى البوب) و(توباز) و(كايوكو) و(فاشية الحب والوهم) و(أطفال خزانة الامانات) و(فيروس هايوجا) و (في حساء الباذنجان).
* أخرج أفلاماً عديدة مقتبسة عن رواياته وعمل بإنتاج الموسيقى الكوبية.
* في عام 1997 اختارته مجلة (تايمز) الأميركية واحداً من 11 شخصاً سيحدثون ثورة في اليابان.
* أطلق موقعاً على الانترنت بعنوان (طوكيو ديكيدنس) ولقى انتشاراً كبيراً فور إطلاقه.
منى مدكور
