مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب والمفكر المصري السيد ياسين وهو صاحب رؤى فكرية تعبر عن مشروع متكامل. وقد أصدر من قبل عددا من الأطروحات التي تؤكد مواكبة مؤلفها لمستحدثات الفكر الجديدة مثل العالمية والعولمة، الأسطورة الصهيونية والانتفاضة الفلسطينية، المعلوماتية وحضارة العولمة، العولمة والطريق الثالث.

ويتعرض السيد ياسين في هذا الكتاب لقضية العولمة التي أصبح الحديث عنها يثير عددا من الإشكاليات كنتيجة مباشرة لظهور العديد من السلبيات خلال الممارسة العملية والتي تشير إلى ضرورة تأسيس قواعد ديمقراطية تحكم مسار العولمة حتى لا تؤثر بالسلب على مجتمعات الجنوب.

وعن أبعاد الحوار الحضاري الذي دار حول هذه القضية يتعرض السيد ياسين لأحد أبرز المنابر التي تناولت قضايا العولمة والحوار والنقاش بشأنها وهو ما يعرف بـ «منتدى 2000». فبداية يعرفنا السيد ياسين بماهية هذا المنتدى فيقول :إن منتدى 2000 ـ أو منتدى براغ ـ نسبة إلى العاصمة التشيكوسلوفاكية بدأ عمله منذ عام 1997 حتى عام 2001

حيث كان يلتقي خلاله سنويا مجموعات متنوعة من المفكرين والمثقفين والعلماء على الرغم من اختلاف مشاربهم وتنوع تخصصاتهم لكي يتحاوروا بشكل نقاشي ونقدي حول مشكلات الديمقراطية والحوار الحضاري في تلك المرحلة «مرحلة التحول الديمقراطي في ظل العولمة» حتى يصوغوا الإجابات المناسبة للعديد من التساؤلات التي تطرحها المشكلات محل النقاش.

وتضم المجموعة التي تشترك سنويا في هذا المنتدى أسماء العديد من المشاهير العالميين وبعض الحاصلين على جائزة نوبل ،. وبالإضافة إلى سياسيين مرموقين وأكاديميين ومثقفين بارزين من مختلف أنحاء العالم ، وممن ينتمون إلى تيارات روحية متعددة ، حيث اتجهت مؤتمرات المنتدى إلى استطلاع الجوانب الخفية والعميقة لمشكلات العولمة مما أدى بهم إلى الاعتقاد بأنهم استطاعوا أن يصوغوا نهجا فريدا لمناقشة مشكلات العولمة..

ويتسم هذا النهج بالتركيز على القيم الروحية الثقافية والدينية عند تناول أي من المشكلات المتعلقة بالعولمة. ودارت حوارات المنتدى دورة كاملة على مدى خمس سنوات ـ من عام 1997 وحتى عام 2002 ـ ووصلت إلى نهايتها ، وتمثلت حصيلتها فيما أطلق عليه «إعلان براغ». ويتضمن هذا الإعلان العديد من المبادئ التي يراد لها أن ترشد مسيرة العولمة باعتبارها عملية تاريخية كبرى ينبغي أن تشارك فيها كل الشعوب بالقدر المناسب،.

حيث يرغب المشاركون في المنتدى في طرح حصيلة اجتهاداتهم عبر السنوات الأخيرة في هذه القضية على صانعي القرار الدوليين وهؤلاء الذين لهم وزنهم في توجيه الرأي العام وكذلك السياسيين والقادة الدينيين والعلماء ورجال الأعمال الفنانين والمبدعين والإعلاميين وقبل كل هؤلاء الشباب في كل مكان من العالم وكل المعنيين بمصير العالم.

وجاءت حصيلة هذا المؤتمر متمثلة في عدد من النقاط يرصدها لنا السيد ياسين محاولا من خلالها توضيح المشكلات المختلفة التي تواجه قضية العولمة والحلول التي اقترحها المنتدى لمثل هذه المشكلات. وكان أول تلك المشكلات ضرورة صياغة حد أدنى أخلاقي للعملية «العولمية».

ويقوم هذا التصور على أساس رصد ما فاض به القرن العشرون من صور العنف مما يحمل على الظن أن هذه الصور من الممكن أن تمتد إلى القرن الواحد والعشرين. ومن هنا تأتي أهمية صياغة هذا الحد الأخلاقي الأدنى والذي ينبغي أن تلتزم به الحكومات والشعوب وتحترمه، في الوقت الذي ينبغي أن تتضمن فيه مجموعة القيم هذه التي يراد لها أن تحكم العملية «العولمية» قيمة رئيسية وهي ضرورة معاملة كل كائن إنساني بطريقة إنسانية بغض النظر عن العرق أوالدين أو غير ذلك من الاختلافات بين الفرد والآخر أو الجماعة والأخرى.

ومن أهداف النص على هذا الجانب تعزيز وضعية أن تمثل هذه القيمة القاعدة الذهبية التي تحكم العلاقات بين الأفراد والمجتمعات الإنسانية على أساس أن رفع مستوى الضمير الإنساني من شأنه أن يزيل صورا متعددة من صور المعاناة الإنسانية، بالإضافة إلى وقف تدهور بيئته الطبيعية ووضع حد للانقراض المفجع للأنواع والثقافات. كما أنه يمكن في هذا الإطار حل المشكلة الكبرى في المسألة «العولمية»

والتي عادة ما يغيب فيها الضمير الإنساني ألا وهي توزيع الموارد «العولمية» ـ والتي يتم توزيعها بشكل فيه ظلم فادح وبطريقة غير مناسبة وغير عادلة، بحيث يصبح التحدي الأكبر هو تحويل تلك الموارد من كونها أداة لشراء السلاح وتجارة المخدرات والاستهلاك المادي الترفي المسرف إلى أداة لمكافحة الفقر والمرض ومنع الصراعات العنيفة وحل المشكلات البيئية مثل ارتفاع الحرارة الكونية ومواجهة الكوارث الطبيعية.

أما المشكلة الثانية التي تعرض لها الإعلان فهي ما يطلق عليه الديمقراطية على النطاق العالمي أو«دمقرطة العالم»، وبما أن الثراء في الحياة الإنسانية على مستوى العالم لا تحده حدود، فبالتالي تأتي حماية التعددية في صور الحكم والمشاركة السياسية كضرورة قصوى لحماية الديمقراطية على النطاق العالمي حيث لا يمكن ذلك إلا إذا تم الاتفاق على معايير عالمية لاحترام هذه التعددية ، وربما كان مفهوم حقوق الإنسان هو خير معبر عن هذه المعايير.

وعلى الرغم من القدرة على الجزم بأنه لا توجد حكومة صالحة تماما إلا ان صياغة معايير للتفرقة بين مؤسسات ديمقراطية وحكم صالح ومجتمعات مفتوحة من جانب وبين حكومات تنتهك حقوق الإنسان وتميز في المعاملة ضد الأقليات ولا تحترم سيادة القانون تبدو مسألة ضرورية ، ويظل التحدي الأكبر الذي يواجه «محاولات دمقرطة العالم» هو صياغة الأدوات وتأسيس المؤسسات الكفيلة بحماية القيم المشتركة للديمقراطية على النطاق العالمي وفي الوقت ذاته حماية الاختلافات أو الخصائص المحلية لكل عضو من أعضاء الأسرة الدولية.

أما المشكلة الثالثة التي تناولها هذا الإعلان فهي «الفعالية الاقتصادية لاقتصاد العولمة» ففي الوقت الذي يمكن فيه القول إن رأسمالية العولمة هي مصدر للثراء المتنامي الناشئ حديثا إلا أنها في الوقت ذاته مصدر للعديد من التوترات حيث لا يمكن الحفاظ على شرعية الأسواق المعولمة في الوقت الذي لا يستفيد فيه منها سوى خمس سكان العالم على حساب استغلال الموارد الطبيعية والإنسانية لأربعة أخماس سكان العالم وغير المستفيدين من مثل تلك الأسواق.

وكانت سلبيات العولمة الاقتصادية قد برزت في العقد الأخير على وجه الخصوص في ضوء المنافسة غير المقننة وحماية رؤوس الأموال مما تسبب في إلحاق أضرار كثيرة بالعديد من المجتمعات وخاصة المجتمعات ذات الاقتصاديات النامية. وهنا يعتبر السيد ياسين أن هذه الصورة لاقتصاد العولمة وظواهره السلبية تمثل تطرفا اقتصاديا يشبه في حد ذاته تطرف النظم السلطوية واقتصاد الأوامر.

أما المشكلة الرابعة التي تناولها هذا المنتدى فهو ما أطلق عليه «الهوية المحلية ورأس المال الاجتماعي والتنمية البشرية» وإيضاحا لماهية هذه المشكلة يقول المؤلف إن اقتصاد العولمة ليس الاقتصاد الذي يتم تنظيمه وفق قواعد بالغة الدقة بقدر ما يجب أن يكون الاقتصاد الذي يزيد من رأس المال الاجتماعي وينمي الإمكانيات الإنسانية ويوسع من فرص الحياة المتاحة أمام الناس ولا ينبغي لاقتصاد العولمة أن يفلت من دائرة الرقابة الإنسانية.

ومن هنا تتضح ضرورة مجابهة آثاره المدمرة من خلال تفعيل التنمية المحلية المستدامة حيث يظهر التحدي في محاولة إيجاد التوازن بين الاستثمارات الرأسمالية من ناحية والاستثمارات في القطاعات الخدمية وعلى رأسها القطاع التعليمي والفوائد المرجوة من تدعيم المجتمع المدني والحفاظ على دور الدولة في التنمية وتنمية القطاع الخاص في الوقت ذاته من ناحية أخرى. ويحاول السيد ياسين من خلال تقديم استعراض تفصيلي لكل مشكلة من المشكلات الأربع التي تناولها الإعلان من وجهة نظره وموضعها من واقعنا العربي.

وقد كان من بين أكثر الجوانب التي ركز عليها مسألة الديمقراطية والتعددية فيما يختص بالوطن العربي، فالحديث عن الديمقراطية في الوطن العربي ليس وليد اليوم وإنما يرجع إلى ما أسماه السيد ياسين «فترة الصراع بين الخطاب الوحدوي والخطاب التعددي خاصة خلال عقد الستينات».

ويقول: من أخطر الممارسات العلمية تبني مصطلح أو مفهوم ما ، وإقامة سلسلة من الدراسات والأبحاث على أساسه وكأنه معزول عن السياق العملي من ناحية والسياق التاريخي من ناحية أخرى ، وبالتالي فمن أجل فهم صحيح لمسألة الديمقراطية في الوطن العربي لابد من النظر إلى التطور التاريخي السياسي الذي مر به الوطن العربي خاصة بداية من فترة الخمسينات مع بداية استقلال الدول العربية التي كانت واقعة تحت الاحتلال الأجنبي.

فقد كان الخطاب السياسي السائد خلال بداية هذه الفترة هو الخطاب الوحدوي الذي تمت ممارسته تحت شعار القومية العربية، وكان من أخطاء هذا الخطاب الوحدوي أنه حرص على إبراز نقاط الاتفاق بين الدول العربية دون إبداء نقاط الاختلاف بين دول الوطن الواحد ، ففي الوقت الذي بلغ فيه الخطاب الوحدوي ذروته من خلال الوحدة المصرية السورية لم يلبث أن باء بالفشل إثر التفكك الذي أصاب هذه الوحدة والتي كان السبب الرئيسي لها هو إغفال الاختلافات والخلافات بين المتوحدين.

وهنا يخلص السيد ياسين إلى تعريف غاية في الأهمية ولابد من الأخذ به عند الحديث عن الممارسة الديمقراطية في الوطن العربي وهو :إن الديمقراطية نظام سياسي لإدارة المجتمع بصورة تسمح لجميع الجماعات الاجتماعية والقوى السياسية بأن تعبر عن مطالبها المشروعة، وتعمل في سبيل تحقيقها باستخدام الوسائل السلمية التي يسمح بها القانون والدستور دون اللجوء إلى العنف.

وهنا يستدرك المؤلف مشيرا إلى حقيقة مهمة وهي أنه قبل الحديث عن الممارسة الديمقراطية في الوطن العربي بين النظرية والتطبيق لابد لنا من التركيز على حقيقة مهمة مؤداها أن الممارسة الديمقراطية تقتضي مقدما وجود شرعية مؤكدة للنظام السياسي في نظر الجماهير إلا أن الشرعية السياسية للنظم العربية محل الكثير من الجدل والعديد من علامات الاستفهام.

ألفت عبد الله

* الكتاب:الحوار الحضاري في عصر العولمة

* الناشر:الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 2006

* الصفحات: 397 صفحة من القطع الكبير