مؤلف هذا الكتاب الدكتور محمد مكية، ولد في بغداد مع قيام الحرب الأولى العالمية، درس الهندسة في ليفربول، وكامبردج، أعاد تصميم وإعمار جامع الخلفاء العباسي، وحقق مشاريع عدة في الكويت، ومسقط، والبحرين، والإمارات، والسعودية. لم يكن في مخطط محمد مكية كتابة سيرة مدينته، بل إلحاح أولاده وأحفاده حفزه على الكتابة عن مذكراته كمهندس معماري عاصر تاريخ بغداد الحديثة قبل السقوط، وقد حاز مكية على سمعة كبيرة في العالم.

ما هو حلم محمد مكية الذي سجله في هذا الكتاب؟ كان مكية يحلم بإعادة بناء المدينة الجامعية للكوفة واحدة من أهم وأعتق جامعات العرب والمسلمين، وكان يحلم أيضاً بإقامة ميدان يمتد من جامع الخلفاء إلى جهة دجلة، وإعادة تخطيط شوارع بغداد ومحلاتها وأن يزرع أشجار النخيل في كل طرقاتها وميادينها.

أحلام إنسانية ذات رومانسية عالية، ليست مستحيلة التحقيق لكنها مازالت خارج الزمن العراقي، ولعل الملل من انتظار اللحظة المناسبة لتحقيق هذه الأحلام، هو ما دفع مكية الحالم إلى أن يبحث عمن يتولى بعثها في قرن مقبل أو حتى ألفية مقبلة. عندها ستكون بغداد جنة خلد تتعالى حتى على مجدها العباسي.

ويتواصل المهندس الدكتور محمد مكية في تداعياته التي سجلها تاريخاً لبغداد من خلال سيرته الثانية ذات الصلة بالمدينة والحياة اليومية، وظل هذا العالم ممتداً بين بغداد ودول أوروبا حيث العلم الذي كان يطمح أن ينهل منه ساعده كما يقول تلك الثورة التكنولوجية التي ربطت بين الشرق والغرب، وهو يرى أن بداية القرن العشرين لم تكن قد بلورت هذه الثورة التي يمكن أن تؤثر على بغداد الواقعة تحت الحكم العثماني الذي لم يحاول أن يجدد فيها وظل الحمار مرابطاً في أزقتها ومقاهيها تجمع بين العصور السابقة.

لهذا كان مدى تلك العقود الثمانية التي عشتها حلقة وصل بين مرحلتين متباعدتين ومختلفتين في كل شيء، فالانتقال الذي شهدته وشهده جيلي لم يكن بسيطاً، ومن الصعب عده بالعقود من السنين، بل بالقرون والألفيات.

ثم يتحدث مكية عن الانفجارات الحضارية التي شهدتها بغداد القرن العشرين، مثلما يتحدث عن التشوهات التي حصلت في شوارعها التي سيطر عليها رجال الأمن ومصفحات الاستخبارات، كذلك ما حدث لدجلة وغياب منظره عن الإنسان البغدادي لانتشار قصور الرئاسة التي أغلقت سواحل دجلة وتحولت إلى قصور خاصة لرجال السلطة الذين استأثروا بدجلة وحدهم.

ويواصل مكية في البدايات بالكتابة عن أصول عائلته وعلاقاتها مع العوائل الأخرى، ومع رموز بغداد مثل عبود الكرخي، ثم يدخل في ألقاب عوائل بغداد، ومهن أهلها وأخلاقهم، وقيمهم وطبيعة بيوتها، وصناعة الطابوق الخاص بها، والشناشيل، والأعياد، والسقاية، والألعاب التي اشتهرت بها، وأسواقها، وطقوس عاشوراء فيها، ثم ينتقل إلى المدارس النظامية، والكتاتيب فيها.

ومن ثم يسجل ذكرياته عن التراموي بين بغداد والكاظمية، ومواسم الفيضان ثم ينتقل مكية إلى دراسته في بريطانيا، عام 1938 ويومياته فيها، وما عاناه من الحرب العالمية الثانية، وانتقاله إلى كامبردج وحصوله على الدكتوراه فيها، غير انه لا ينسى بومياته فيها وأساتذته الذين تعلم عليهم، والتقاءه بالأمير عبدالاله الوصي على عرش العراق حينذاك وزمالته له في كامبردج على الرغم من عدم التقرب منه أو الترحيب به.

لكن مكية يعود في مذكراته ثانية إلى بغداد بعد استكمال دراسته العليا، ثم عمله كرئيس لقسم التخطيط في البلدية حيث بدأ يخطط لمشاريعه في إعادة تخطيط بغداد، وإعمار جزيرة الخنازير، وتحقيق الحزام الأخضر، والتحول إلى مشاريع في إعمار النجف، وفتحه لمكتب التصميم والاستشارة، ثم يتحدث عن البنائين في بغداد ودورهم المعماري، ومن ثم يبدأ بمسح بعض مدن العراق، ويشير أيضاً إلى علاقته بالمؤرخ العالم الدكتور عبدالعزيز الدوري،

ويستعرض أيضاً كيف أعاد إلى الحياة جامع الخلفاء وسط بغداد قرب منطقة الشورجة، وكان الجامع قد تهدم ولم يبق منه سوى منارته المعروفة. وفي ختام مذكراته يخصص بعض الصفحات لجامعة الكوفة التي يقول عنها «ورثت الكوفة انجازات إقليم العمران الحضاري الممتدة من سومر الى بابل،

وهي بالتالي انجازات حضارية دولية ولاختيارها عاصمة للإسلام من قبل الإمام علي بن أبي طالب له أبعد من الدلالة الجغرافية، أي التوسط بين أمصار الدولة الإسلامية كذلك له أكثر من الدلالة السياسية حيث السكن قرب وبين الاتباع على أساس أن أهل العراق كانوا موالين لعلي مقابل موالاة أهل الشام لمعاوية، يعقب ذلك مشروعه الذي حققه في لندن والذي يعتبر من مزاراتها الا وهو منتدى الكوفة.

عبد الإله عبد القادر

* الكتاب: خواطر السنين

سيرة معماري ويوميات محلة بغدادية

* الناشر: دار الساقي ـ لندن 2005

* الصفحات:342 صفحة من القطع الكبير