مؤلفو هذا الكتاب الثلاثة يعملون كصحافيي تحقيقات في مجلة «لوبوان» الفرنسية. ويصدر هذا الكتاب في وقت تزداد فيه المنافسة بين المرشحين «شبه المعلنين» لخوض المعركة الرئاسية القادمة في شهر مايو من عام 2007. المتنافسان الرئيسيان في معسكر الأغلبية الحاكمة هما نيكولا ساركوزي، وزير الداخلية الحالي، ودومينيك دوفيلبان، رئيس الحكومة (وزير الداخلية السابق).

من خلال هذه الإشارة السريعة يفتتح مؤلفو هذا الكتاب الحديث عن أهمية «وزارة الداخلية» في فرنسا للوصول إلى قصر الاليزيه، أي إلى المنصب الرئاسي. وكان كل من الرئيس الحالي جاك شيراك والرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران قد شغلا لفترة بسيطة منصب وزير الداخلية.

وما يتم التأكيد عليه هو أن منصبي رئيس الوزراء ووزير الداخلية قد أصبحا اليوم في فرنسا مهمين جدا للوصول إلى الرئاسة. هذا لاسيما وأن السيطرة على وزارة الداخلية تعني الإمساك بزمام جهاز الشرطة والاستخبارات العامة والاستخبارات الخارجية ومحافظي الشرطة، أي باختصار «السيطرة على آلة حرب وعلى منجم من المعلومات».

بهذا المعنى يعتبر مؤلفو الكتاب وزير الداخلية بمثابة «الشخص الأكثر اطلاعا على المعلومات في فرنسا»، ويوجد بشكل مستمر شرطيان لتصنيف المعلومات التي تصل من مختلف الأجهزة الفرنسية. وكل ست ساعات يتم إعداد تقرير موجز لمدير مكتب الوزير وللمستشار المعني وللوزير نفسه الذي يتلقى كل يوم بلاغا بحوالي عشرة معلومات حساسة. ويشير أحد مستشاري وزير الداخلية السابقين إلى أن أكثر المعلومات حرجا هي تلك التي تصل في الليل وتحمل العبارة التالية: «نتساءل عمّا إذا كان ينبغي إيقاظ الوزير أم لا»؟

وينقل المؤلفون عن وزير الداخلية الفرنسي الأسبق بول كيليس قوله: «كان بين يديّ كمٌ كبير من المعلومات بما في ذلك عن زملائي الوزراء في الحكومة»، ثم يضيف: «وزير الداخلية يعني أيضا النظر من خلال ثقوب الأقفال». ولم يتردد وزير داخلية فرنسا الأسبق شارل باسكوا، الذي شغل هذا المنصب في حكومتين، في التأكيد: «هناك بعض الأمور التي لم أقم بإطلاع رئيس الوزراء ولا رئيس الجمهورية عليها».

ويعترف وزير داخلية آخر هو بيير جوكس بأنه قد استخدم جهاز الاستخبارات العامة مرّة واحدة على الأقل من أجل «إسكات» أحد خصومه عبر جمع معلومات عن حياته الشخصية. كذلك يمتلك وزير الداخلية في فرنسا شبكة مهمة من المحافظين التابعين له والذين قال عنهم شارل باسكوا: «يمكن بواسطتهم السيطرة على قلب الدولة وعلى شرايينها».

وفي معرض الحديث عن «ميتران ووزارة الداخلية» يشير المؤلفون إلى أن الرئيس الفرنسي الأسبق كان يحمل مشاعر مختلطة حيال الشرطة، وهي مشاعر خليط من الإعجاب والنفور. وبكل الأحوال يتم التأكيد على أن «مرور» ميتران بمنصب وزير الداخلية جعله يدرك تماما بأنه لا يمكن السيطرة على جهاز الدولة دون الشرطة. ولهذا كان يولي اهتماما كبيرا بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 1981 بمسألة تعيين قيادات أجهزة الشرطة المختلفة، وخاصة مدير الاستخبارات العامة ومدير الأمن الجنائي.

ويشرح مؤلفو هذا الكتاب كيف أن وزير الداخلية الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي يرى في وجوده على رأس هذه الوزارة وسيلة أساسية لاحتمال وصوله إلى منصب رئاسة الجمهورية الفرنسية في الانتخابات القادمة عام 2007. وذلك على أساس اهتمامه بأمن الناس العاديين الذين يقدّم نفسه كواحد منهم وأنه «ابن مهاجر من الجيل الأول».

لقد كان والده بالفعل مهاجرا هنغاريا فقيرا عندما وصل إلى فرنسا قادما من بلده الأصلي هنغاريا. لكن والدته محامية - أي والدة نيكولا- وهي التي تولت تربيته مع أخويه في أحياء باريس الغنية، بعد أن كان الأب قد غادر منزل الأسرة نهائيا عندما لم يكن عمر وزير الداخلية الحالي سوى خمس سنوات.

كانت انطلاقة نيكولا ساركوزي السياسية من مدينة «نويي سور سين»، الضاحية الباريسية الغنية حيث أصبح رئيسا لبلديتها. لكنها كانت أيضا المدينة التي التقى بها بالمرأة التي أصبحت شريكة حياته ومشروعه السياسي أيضا. كان ذلك عام 1986 عندما قام نيكولا ساركوزي من موقعه كرئيس بلدية بعقد زواج المذيع الفرنسي الشهير جاك مارتان على سيسيليا... وقد اعترف ساركوزي فيما بعد: «في ذلك اليوم عرفت أنها كانت من أجلي».

ويتم في هذا الكتاب تكريس فصل كامل لما يسمى بـ «شبكات باسكوا». هكذا نقرأ أنه قبل أربعة أيام من الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 1988 ينجح شارل باسكوا بـ «تحرير» الرهائن الفرنسيين الثلاثة في لبنان بعد ثلاث سنوات من الاحتجاز. فكيف تمّ التوصل إلى تحريرهم؟ وبأي ثمن؟

الإجابة الوحيدة عن هذين السؤالين هي «أسرار دولة». ما أكده وزير الداخلية الفرنسي آنذاك ومبعوثه جان شارل مارشياني هو «أن الأمر كله جرى بين دولة ودولة ودون أية مفاوضات مباشرة مع الخاطفين». لكن اليوم وبعد ثمانية عشر عاما من ذلك التاريخ، يؤكد المؤلفون بأنه لا تزال هناك بعض «مناطق الظل» حول مسألة التمويل المعقدة لتلك العملية، لاسيما وأن مارشياني يواجه اليوم الاتهام يتمويل جزء من الفدية المدفوعة من قبل الدولة الفرنسية لحزب الله.

أحد فصول هذا الكتاب مكرّس لدراسة نفوذ «الماسونيين» داخل وزارة الداخلية الفرنسية وأجهزة شرطتها. ويتم التأكيد أنه على الرغم من تأكيدات الجميع في الوزارة على نفي أية علاقة بالماسونية فإن مؤلفي هذا الكتاب يصرّون على القول بأن العديد من المحافل الماسونية قد شهدت نقاش «مشاريع إصلاح من أجل مختلف وزراء الداخلية».

بل وان وجود مستشار «ماسوني» لدى وزير الداخلية كان بمثابة «ضمان» أحيانا ل«الاستعلام» الجيد. وينقل المؤلفون عن آلان بوير، أحد رؤساء الماسونية الفرنسيين قوله: «وزير الداخلية هو مسؤول أيضا عن شؤون الأديان، ومن الطبيعي أن يكون أحد مستشاريه مسؤولا عن الماسونية، وأن يكون هو نفسه ماسونيا». هنا يتم التأكيد على أنه منذ الجمهورية الرابعة لم يشذ أي وزير داخلية عن هذه القاعدة باستثناء بول كيليس».

ثم إن مستشار الرئيس جاك شيراك للأمن اليوم هو من الماسونيين. وكاد هذا المستشار «فيليب ماسوني» أن يصبح وزير دولة مفوّضا للأمن في حكومة دوفيلبان الحالية إلى جانب نيكولا ساركوزي، وزير الداخلية، الذي رفض ذلك بشدة. وفي المحصلة يتم التأكيد على أن الماسونية قد أصبحت أحد «تقاليد وزارة الداخلية» الفرنسية.

وتحت عنوان: «الاستخبارات العامة، بوليس سياسي»، ذلك أن ال3850 موظفا العاملين في هذا الجهاز مكلّفون ب«البحث عن المعلومات المكرّسة لإعلام الحكومة».

هذا يعني أنهم ليسوا بالدرجة الأولى في خدمة المواطن وإنما السياسة. من هنا قامت العلاقة الغامضة بين وزراء الداخلية وجهاز الاستخبارات العامة. وهذا ما عبّر عنه أحد ضباط هذا الجهاز بالقول: «عندما يكونون ـ أي وزراء الداخلية ـ في المعارضة يؤكدون على إرادة إصلاح جهاز الاستخبارات العامة، بل وحتى حل هذا الجهاز.

لكن عندما يجلسون على كرسي الوزارة في ساحة بوفو لا يعود باستطاعتهم الاستغناء عنه». إن هذا الجهاز يمثل في محصلة التحليلات المقدمة أداة مهمة للسلطة. هذا ما عبّر عنه فيبيل مارشان، وزير داخلية سابق بالقول: «الاستخبارات العامة تسمح لك بأن تكون ذلك الذي يعرف أكثر. وهذا يوفر لك بالطبع امتيازا بالقياس للآخرين». وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن ثمانمئة ألف فرنسي لديهم اليوم ملفات لدى جهاز الاستخبارات العامة.

* الكتاب:ساحة بوفو

الوجه الخفي لجهاز الشرطة

* الناشر: روبير لافون باريس 2006

* الصفحات: 411 صفحة من القطع المتوسط

Place Beauvau, la face cachée de la police

Olivia Recasens, Jean-Michel Decugis, Christophe Labbé

Robert Laffont- paris2006

p.411