يعتبر الروائي البولندي والفيلسوف والمفكر الإنساني ستانيسلو ليم الذي ولد في لفوف عام 1921 من أهم كتاب رواية الخيال العلمي على الصعيد العالمي وإن عرف في نطاق أقل بالنسبة للقراء. وقد ترجمت أعماله ومنها «سولاريس»، و«صوت سيدة» و«سايبرياد» وغيرها الكثير إلى أربعين لغة ويبلغ مجموع عدد النسخ التي طبعت منها 27 مليوناً. وتكمن أهمية أعماله في الجمع ما بين الخيال الخصب الذي يترجم رؤى الحياة لعقل فيلسوف وما بين المعلومة العلمية من الدرجة الأولى.
درس ليم في البداية الطب لكن الحرب العالمية الثانية أجبرته على التوقف. عمل مع المقاومة السرية ضد الالمان. وفي عام 1946 انتقل إلى مدينة كراكو المستقلة عن هيمنة الاتحاد السوفييتي، وتابع دراسته حتى النهاية، إلا أنه لم يتقدم للامتحان الأخير الذي يخوله لممارسة مهنة الطب وذلك ليتحاشى العمل كطبيب حربي. عمل كمساعد في الأبحاث التي تجريها المعاهد العلمية، وبدأ بكتابة القصص في وقت فراغه.
وفي عام 1981 فاز بأول جائزة من وارلو بوليتكنيك ومن ثم بمزيد من الجوائز من الجامعات الأخرى. كما قدمت روايته «سولاريس» كفيلم سينمائي روسي عام 1972 ومن ثم أعيد تقديمها من قبل هوليوود عام 2002 وقام بدور كيلفين الممثل الشهير جورج كلوني.
ويذكر ليم بأنه اختار كتابة رواية الخيال العلمي، بسبب مساحة الحرية التي تمنحها له في ظل هيمنة الشيوعية في جمهورية بولندا، إذ كانوا يعتبرون رواية الخيال العلمي خارج نطاق الأدب ولا تشكل خطورة على الرأي العام. وكان لأعماله تأثير قوي ليس على الأدب الواقعي فقط، بل على نطاق العلوم أيضا. وفي عام 1981 أرفق كل من الفيلسوف دوغلاس ر. هوفستادتر ودانييل سي. دينيت مقتطفات من أعماله في بحثهما الإنساني «أنا العقل». وقد علق هوفستادتر على أدب ليم ورؤيته الحياتية، بأنها أقدر على إقناع القاريء بوجهة نظره من أية مقالة علمية مهما كانت.
توفي ليم في مدينته كراكو في السابع والعشرين من الشهر الماضي 2006 بعد معاناته من المرض لزمن طويل. وجدير بالذكر أنه لم يكن يستحسن أدب الخيال العلمي الأميركي الذي اعتبره تجاريا وسطحيا.
يلخص ليم ما أراد قوله في روايته سولاريس التي نشرت عام 1961 بقوله، «كنت أريد أن أقدم رؤية عن حالة الإنسان لدى مواجهته لشيء ما، موجود حتما وقوي جدا، إلا أنه لا يمكن تحجيمه تبعا لمفاهيم الإنسان وأفكار وربما تصوراته. ولذلك أسميت الكتاب سولاريس وليس الحب أو الفضاء الخارجي».
والرواية على الرغم من بساطة حبكتها فإنها تحمل بصورة تثير الدهشة أبعادا ومعاني متعددة. تبدأ الأحداث حينما يصل الطبيب العقلاني المتصف بالبرود كريس كيلفين إلى المحطة الفضائية التي يقيم فيها ثلاثة علماء يدرسون كوكب سولاريس، الذي أصبح مثار فضول علماء الأرض بسبب محيط البحر الذي يغلف هذا الكوكب، والذي يبدو كعضو حي من نوع ما. وتصل قناعة بعض العلماء بأن هذا المحيط قد حاول التواصل مع الرجال في المحطة، وعليه فإن مهمتهم تتمثل بإجراء التواصل معه.
يدرك كيلفين لدى وصوله المحطة بأن شيئا غامضا يدور في المحطة. فالعالم الأول جيباريان انتحر، والثاني سارتوريوس يرفض مغادرة قمرته، أما الثالث سنو فهو مضطرب جدا. وسرعان ما يكتشف سبب ما أصاب الرجال الثلاثة، وذلك عندما يرى شبح امرأة سوداء ومن ثم رؤيته لشبح زوجته ريا يتجسد أمامه علما بأنها ماتت منتحرة قبل سنوات عديدة بسبب استهتاره بعلاقتهما وسوء معاملته لها.
وعلى الرغم من حالة الفزع التي انتابته لرؤية زوجته أمامه مجددا، إلا أنه استطاع يطرد ذلك الشبح خارج السفينة، ولكن لا تمضي بضع ساعات حتى يعود شبحها للظهور مجددا. ويدرك كيلفين بأن المحيط هو من يقوم برصد تجاربه على الإنسان من خلال مراقبة ردود أفعالهم لدى مواجهتهم لشبح يتجلى لهم من ذكريات ماضيهم الشخصية. أما بقية الرواية فتركز على الجهود المبذولة لحل اللغز المتمثل في التساؤل لماذا يقوم المحيط بهذا الفعل وما الذي يحاول قوله؟
يقوم ليم من خلال حبكة الرواية بالكشف عن عدة طبقات من كوامن أعماق النفس البشرية. فهو أولا يهتم بما الذي يجعل منا بشرا. فكيلفين الذي يقع في حب شبح ريا يطرح التساؤل، هل هو يحب إنسانا بشريا؟ وإن لا، هل يستحق هذا المخلوق أن يحب؟ كمثيل لنا؟
أما ثانيا،
فهو يسخر من محدودية العلم. فالناس على الأرض متأكدون بأنهم سيتمكنون من فهم الحالة وعلى التواصل مع المحيط. فهناك آلاف المجلدات التي كتبت حوله والنظريات المحتملة بشأنه، التي يطلع كيلفين عليها، ويتوقف أمام العديد من الصفحات التي تشمل ملاحظات وبيانات تبدو للوهلة الأولى بأنها مملة وغامضة. وهكذا حتى يتبين للقارئ لاحقا بأن هدف ليم هو السخرية من عالم هؤلاء العلماء. فالرجل منهم لا يعرف شيئا راسخا عن المحيط، إلا أن ذلك لم يمنعه من ابتكار علم مستقل خاص بالسولاريستيك.
وبصورة مماثلة يسخر من محدودية مخيلة العلماء، ويتجلى ذلك فيما يشرحه سنو إلى كيلفين:
ننطلق إلى الكون، مستعدون لأي شيء: الوحدة، الإرهاق، الموت، والمعاناة. ولكن تواضعنا يمنعنا من قول ذلك. ...ولكن إن تفحصنا كل ذلك عن كثب، لاكتشفنا بأن إعجابنا ما هو إلا مظهر مزيف. في الحقيقة إننا لا نريد أن نكتشف الكون، ولكن نريد ببساطة أن نوسع حدود الأرض إلى آفاق الكون. فتلك الكواكب في نظرنا مجرد صحراء أخرى. ما نرغب به نحن الفرسان النبلاء، ليس استعباد شعب آخر. كل ما نريده ببساطة هو أن نقدم لهم قيمنا وأخذ إرثهم بالمقابل.
كما يحاول سنو أن يشرح له بأن الإنسان لا يعير انتباها لما يجد في الكون، ولكنه يحاول أن يشكله ليتناسب مع مفاهيم مسبقة. إلا أن كيلفين لم ينتبه حتى لهذا الدرس. وتأتي نهاية هذه الرواية بصورة لا ترضي القاريء، وإن كانت تتوافق مع رؤى الحياة التي ينحصر جوهرها في أسلوب الفهم والتواصل وليس النتيجة بحد ذاتها.

