ليس من باب الصدفة أن يكون العراق حاضراً في هذا العدد من ملحق «الكتب» فقد مرت ثلاث سنوات على احتلال بغداد (9 ابريل 2003)، ولا يزال العراق أكثر مناطق العالم سخونة وقتلاً. في كتاب «الأنفال» يؤرخ الصحافي الكردي خالد سليمان للمجازر التي وقعت في كردستان العراق والتي راح ضحيتها 182 ألف كردي، وهو يكتب من تجربة ذاتية عن عراق دموي لم تنته مأساته برحيل جلاده أو دخول الأميركيين.

ثم يأتي كتاب جورج لايكوف الأستاذ بجامعة كاليفورنيا تحت عنوان «حرب الخليج.. أو الاستعارات التي تقتل» وهو عبارة عن ثلاثة مقالات حول أميركا وحربها في الخليج، وفي جميع تلك المقالات كان العراق حاضراً باعتباره المنجز الفلسفي لأفكار جورج بوش المحافظة، والذي لم يقتنع إلى الآن بخطأ الغزو أو بسلبيته، رغم اعترافه أن العراق لا يمتلك أسلحة دمار شامل.

الكتاب الثالث عن العراق أيضاً، لكن من موقع آخر امتزج فيه الفن بالذكريات بالوجدانيات، حيث يروي الدكتور محمد مكية سيرة معماري بغدادي أحب مدينته فأعطاها بعض أجمل الأبنية، وعبر أكثر من ثلاثمئة صفحة وثق مكية فن البناء البغدادي معتمداً على سيرته الذاتية، والكتاب لا يخلو من شجن شفيف، وذكريات عذبة عن مدينة يعشقها من يسير في شوارعها، فما بالنا بالذين ولدوا فيها.

العراق حاضر اليوم في واجهة الأخبار عربياً وعالمياً، ويكاد خبر سقوط ضحايا يمر مروراً سريعاً، لولا بعض الصور التي تصدم القلب لنساء يولولن أو لرجال ينتحبون حول أشلاء مزقتها عبوة في مكان عام. عراق اليوم أكثر دموية من عراق الأمس، وأشد قسوة، والفرق بين العراقين انه كان العراقيون يعرفون سابقاً من أين يأتيهم سياف الموت، ولكنهم اليوم لا يعرفون متى يظهر وأين سيضرب.

في العاشر من فبراير 1258 ميلادية سلم الخليفة العباسي المعتصم بالله بغداد إلى هولاكو دون قيد أو شرط، وخرج إلى ظاهرها برفقة ثلاثة آلاف من عائلته وحاشيته، لكن هولاكو أمر بقتله مع ذريته، وبالغ المؤرخون إذ قالوا إن المغول أبادوا حوالي مليون وثمانمئة ألف، وحولوا نهر دجلة إلى مياه سوداء لكثرة ما ألقوه فيها من كتب ومخطوطات، وهذه حقيقة لا ينكرها أحد.

فإذا أباد المغول حضارة المكتبة العراقية قبل ثمانمئة عام، فإن الغزاة الأميركيين غضوا الطرف عن حضارة المتحف العراقي، فنهبت الآثار الأقدم على المعمورة أمام أعين الجنود الغزاة.. بل وتحت حراستهم. العراق اليوم لا يغيب عن نشرات الأخبار حول العالم، وكذلك لا يغيب عن الكتب العربية أو الأجنبية، لأن فيه من الأحداث ما يكفي ليصبح دجلة أسود من جديد.

hussain@albayan.ae