عاش روكوس ميسش بالقرب من أدولف هتلر السنوات الخمس الأخيرة من حياته، إنها سنوات الحرب العالمية الثانية. وميسش هو آخر الذين لا يزالون على قيد الحياة من الحرّاس الشخصيين للفوهرر. وكان آخر جندي ألماني يغادر ملجأه هتلر بعد أن كان الجيش الأحمر السوفييتي قد احتلّ برلين المدمّرة.
عاش روكوس ميسش من شهر مايو 1940 حتى 30 أبريل 1945، تاريخ انتحار هتلر. وكان أحد الشهود النادرين الذين رأوا جثته هامدة إلى جانب جثة رفيقة حياته إيفا براون على أريكة في مدفنهما المصنوع من الاسمنت المسلح. وكان نيكولا بورسييه، الصحفي في جريدة لوموند الباريسية قد تلقى شهادة حارس هتلر على مدى عدة أشهر.
يبدأ حارس هتلر السابق شهادته عن السنوات الأكثر مأساوية في القرن العشرين بالقول: «اسمي روكوس ميسش، عمري 88 سنة وأسكن في منزل صغير بحي رودو السكني ببرلين. توفيت زوجتي جيردا منذ ست سنوات. ابنتنا الوحيدة لم تعد تريد رؤيتي، لكنها تتصل أحيانا بمناسبة عيد ميلادي».
كان ميسش أحد أفراد مجموعة من الحراس الشخصيين قوامها عشرين جنديا، ومهمتها هي أمنه أولا ولكن أيضا توزيع الرسائل والرد على الهاتف في مقر المستشارية ثم في الملجأ الشخصي لهتلر خلال الأسابيع الأخيرة من حياته.
بالمقابل يؤكد ميسش أنه لم يكن يشارك أبدا في النقاشات التي يجريها هتلر مع كبار مسؤولي النظام النازي. كان دوره هو أن يبقى جاهزا لأي عمل باستمرار، وإنما في الظل. هنا يفتح الحارس الشخصي لهتلر قوسين ليؤكد بأن موقعه ذاك ومرافقته لهتلر في تحركاته إلى مختلف مراكز القيادة التي كان قد بناها في ألمانيا وفي العديد من المناطق الأوروبية، سمح له أن يسمع الكثير من الأحاديث الحميمة والخطيرة حول الأحداث الجارية آنذاك. وعن عمله طيلة تلك السنوات يقول الحارس الشخصي لهتلر: «إنني لا أحس بأي فخر من ذلك.
لكنني أعتقد بأنني قمت بعملي كجندي بالشكل المطلوب، لا أقلّ ولا أكثر»، ثم يضيف: «لم أكن عضوا في الحزب النازي، ولم أنخرط في عداد الشبيبة الهتلرية». كل ما يعرفه روكوس ميسش عن والده هو أنه قد شارك في الحرب العالمية الأولى وأصيب على الجبهة ليعود كي يموت بعد أيام قليلة في قريته. وبعد ساعات من دفنه وُلد الطفل فأعطوه اسم أبيه.
في عمر العشرين أصبح روكوس ميسش جنديا. كان ذلك عام 1937. وكانت المرّة الأولى التي شاهد فيها هتلر في برلين عام 1936، يوم افتتاح الألعاب الأولمبية. يقول عن المشهد: «فجأة انبثق من حيث لا ندري، موكب من السيارات السوداء التي كان هتلر يوجد في إحداها منتصبا يحيي الجماهير الغفيرة.
لقد توقفت سيارته الفخمة على بعد عشرة أمتار منا. كان الرجال والنساء يصرخون بشدة ليعبروا عن فرح غامر خاص. لم أكن قد رأيت أبدا مثل ذلك المشهد».واعتبارا من شهر مارس 1938 أخذت طبول الحرب تدق من أجل احتلال النمسا أولا. وهذا ما حصل دون إطلاق رصاصة واحدة مما جعل الجنود يسمون ذلك بـ «حرب الورود». وكان احتلال تشيكوسلوفاكيا في ربيع عام 1939 بنفس الطريقة. «بدا كل شيء سهلا»، وفي شهر سبتمبر 1939 بدأت التعبئة لاحتلال بولندة حيث اعتقد الجنود الألمان بأن المسألة ستكون «لعب أطفال» مثل العمليتين السابقتين.
كان اللقاء الأول مع هتلر «صدفة» عند استدعائه إلى مكتب «ولهام بروكز» أحد مساعدي الفوهرر لأخذ معلومات عنه. وعندما همّ بالخروج من الباب حيث رافقه بروكز وجدا نفسيهما وجها لوجه أمام هتلر. يقول: «لقد نظر لي برهة قصيرة. كان يحمل رسالة بيده. كنت على بعد متر منه. كنت أنظر إليه دون أن أراه حقا. أحسست ببرودة، وتجمّد الدم في عروقي. ثم أحسست بالسخونة وبرغبة أن أتبخر في المكان. لقد باشر بروكز الكلام معلنا بطريقة واضحة أنهم كانوا بحاجة إلى زيادة العناصر، وإنني جديد. بدا أن هتلر لم يسمع شيئا وأنه كان يعرف كل شيء. وبصوت هادئ بعيد جدا عن صوت خطاباته الذي يلهب الجماهير به، قال لمساعده:
- من أين أتى هذا الشاب؟
- لقد أتيت من سيليزيا.
فأضاف هتلر:
- هل لدينا أفراد من سيليزيا بيننا؟
- لا أعتقد، أجاب بروكز.
فقال هتلر:
- أعتقد أنه يستطيع أن يفعل شيئا ما من أجلي على الفور. احمل هذه الرسالة إلى أختي باولا في فيينا».
بعد ذلك اللقاء الأول أحس روكوس ميسش أن ذلك الفوهرر الشهير الذي رآه للتو لم يكن وحشا ولا كائنا فوق البشر. إن هتلر لم يعد هتلر. لقد بدا إنسانا طبيعيا، واعتبارا من ذلك اللقاء تأقلم ميسش مع حياته الجديدة وألف رؤية أولئك الذين كان مجرد ذكر اسمهم يثير الخوف والخشية، بل ويذكر على مدى صفحات هذا الكتاب كيف أصبح على علاقة جيدة مع العديد منهم.إن صاحب هذه الشهادة يروي الكثير من الحكايات عن أشياء الحياة اليومية التي كان هتلر يحيط نفسه بها.
ومنها مثلا أنه لم يكن يرغب أبدا أن يرى حول مائدته شخصين يعملان بنفس المهنة. ذلك أنه، وكما أخبرهم هتلر نفسه، لم يتحمل رؤية طبيبين جرّاحين أو مهندسين معماريين يتشاجران أمامه أثناء تناول الطعام. واعتبر أن سلوكهما يعود لوجوده إذ أن كل منهم كان يبحث عن جذب انتباهه مثل «ديكين» يتناقران في ساحة الدار.
وبالتالي لم يكن هتلر يريد أن يتكرر ذلك. وكان على المحيطين منه أن يسهروا على ذلك. وفي العادة كانت مائدة هتلر تضم بالإضافة إلى سكرتيرة أو اثنتين ومرافق عسكري، طبيب ومهندس معماري وفنان وربما أحد مسؤولي الحزب النازي.
وكانت المكتبة هي القاعة الأولى التي يصل إليها الداخل إلى مقر إقامة هتلر الخاص ويلي ذلك «الصالون» الذي تحتل طاولة في الوسط قسما كبيرا منه، وعليها باستمرار عدد من الصحف والمجلات المتفرقة إلى جانب مخططات هندسية معمارية كان هتلر قد رسمها بنفسه أو رسمها «البير سبير»، المهندس المعماري المفضّل لدى هتلر والذي عهد له عام 1937 بإعادة تعمير برلين وأصبح وزيرا للحربية في شهر فبراير 1942. ومن الصالون كان يتم الدخول مباشرة إلى غرفة نوم هتلر التي لا تتجاوز مساحتها الثلاثين مترا مربعا وحيث توجد لوحة لوالدته معلقة على الجدار.
وكانت هذه الغرفة تؤدي مباشرة إلى غرفة أخرى مكرّسة لإيفا براون، رفيقة حياة هتلر الشابة.
في أواسط شهر مارس 1945 جعل هتلر من ملجأه في برلين مقر قيادته. والذي سيصبح مقرّه الأخير. ويعود ميسش إلى يوم 30 أبريل 1945 حيث كانت عمليات القصف السوفييتية تقترب. كان هتلر قد تناول طعام الغداء عندما صادفه «حارسه الشخصي» في الممر ليؤكد بأنه «كان هادئا وصامتا» وحيث مرّ لرؤية المقربين منه، وفي الحقيقة «لوداعهم الأخير» برفقة إيفا براون. «كانت اللحظة قصيرة. ثم انسحب هتلر وإيفا إلى مقرهما الخاص للمرة الأخيرة».
وبعد دقائق صرخ أحدهم في الرواق: «أعتقد قد انقضى الأمر». وبعد أن يشير ميسش إلى أنه لم يسمع الطلقات النارية، يؤكد أن خادم هتلر أومرافقه العسكري (أحدهما) قد فتح باب غرفة هتلر.
يقول: «لقد رأيت جسد هتلر هامدا. لم أدخل. كنت على بعد ستة أو ثمانية أمتار. كان هتلر على الأريكة الصغيرة ملفوفا حول نفسه بالقرب من الطاولة. وليفا كانت بقربه وجسدها يميل على الأريكة بحيث يلامس صدرها تقريبا ركبتي هتلر». لقد لفوا جسد هتلر بغطاء رمادي اللون وأخرجوه من أحد الأبواب الجانبية، ثم «أحرقوه».
«كنت آخر جندي يغادر ملجأ الموت ذاك»، تقول جملة أخيرة لميسش.
* الكتاب: كنت حارسا شخصيا لهتلر 1940-1945
* الناشر: لوشيرش ميدي باريس 2006
* الصفحات: 256 صفحة من القطع المتوسط
J'étais garde du corps d'Hitler 1940-1945
Rochus Misch
Lecherche Midi- Paris 2006
p. 256

