مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور رضا شاه كاظمي الباحث في معهد الدراسات الإسلامية في لندن. وكان قد ساهم سابقا في تأليف عدة كتب، كالطرق إلى القلب (2003)، ثم الإسلام، الأصولية، خيانة التراث (2004). وهو يعيش الآن مع زوجته في مدينة كنت بانجلترا. وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن ثلاثة من كبار المتصوفة والفكر الروحاني. الأول هو شنكرا أحد كبار مصلحي الديانة الهندوسية في الهند، والثاني هو ابن عربي أكبر متصوف في الإسلام، والثالث هو الصوفي الألماني المعلم ايكارت.

وكلهم كانوا متعلقين بالتعالي الإلهي المطلق، وقد عبروا عنه بأشكال مختلفة. كلهم كانوا قديسين في أديانهم الهندوسية فالإسلام فالمسيحية، وكلهم كانوا من دعاة التسامح والانفتاح على الآخرين، كل الآخرين.

ثم يقدم المؤلف نبذة تاريخية عن حياة ابن عربي ويقول بما معناه: ولد محيي الدين ابن عربي في مدينة مرسية بالأندلس عام 1165 ومات في دمشق عام 1240. وهذا يعني أنه عاش خمسة وسبعين عاما. وكان يلقب بالشيخ الأكبر نظرا لاتساع علمه وغزارة إنتاجه. فقد ألّف 846 كتابا!

ويقال بأن كتاباته أثرت على الكاتب الإيطالي الشهير دانتي. وفي أشعاره يتحدث عن لواعج الحب، والغرام، والجمال، والغياب. وفي عام 1179 التقى بالفيلسوف ابن رشد وعمره لا يزيد عن الأربعة عشر عاما. أما ابن رشد فكان قد أصبح في أواخر حياته، وقد عبر له عن اختلافه معه على الرغم من تقديره له. وقال له بأن الفلسفة المنطقية لا تستطيع وحدها أن تؤدي إلى الحقيقة لأنها لا تسلك سبيل الوحي.

وهنا يكمن الفرق بين ابن عربي وابن رشد. فالأول كان من أتباع أفلاطون ومنهجيته المثالية في التفكير. وأما الثاني فكان من أتباع أرسطو ومنهجيته الواقعية والمادية. وبالتالي فكيف يلتقيان؟ الأول مهووس بالتعالي الرباني والانصهار في وحدة الوجود، والثاني مهووس بالمنطق العقلاني على الطريقة الارسطوطاليسية. لا ريب في أن ابن عربي اعترف لابن رشد ببعض الميزات واكتشف أهميته وعظمته، ولكنه انحرف عن طريقه وسلك دروبا أخرى قائمة على ملكة الخيال لا على ملكة العقل. وبالتالي فهناك طريقان للمعرفة لا طريقا واحدا.

وكان ابن عربي يعتبر عيسى ابن مريم عليه السلام بمثابة معلمه الروحي الأول. وفي عام 1196 تجلى له النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المنام وأعطاه الحكمة النبوية، وكان ذلك في مدينة فاس بالمغرب الأقصى. وفي عام 1203 قام بالحج إلى الديار المقدسة في مكة، وهناك ألف كتابه الشهير: الفتوحات المكية. وفيه يستعرض الجوانب الروحية والميتافيزيقية للصوفية. وقد جمع فيه بين الدقة المفهومية والشطحات الرؤيوية البعيدة المدى. ولذلك لقبوه بابن أفلاطون.

ثم استقر في دمشق عام 1223 وعاش فيها حتى مات عام 1240. وهكذا عاش ابن عربي حياة حل وترحال لا تنقطع وزار العديد من البلدان بحثا عن الحقيقة والتعالي الإلهي والحب الرباني. ثم يردف المؤلف قائلا: كان ابن عربي يعتبر أن الحب هو أصل الوجود. وقد قسم الحب إلى ثلاثة أنواع أو مراتب. فهناك أولا الحب الطبيعي، وهو حب حسي يهتم باللذات الجسدية دون أن يعير أي انتباه إلى النفس أو الروح. والمحبوب في هذه الحالة ليس محبوبا لذاته وإنما لما يوفره للمحب من لذائذ ومتع.

وهناك ثانيا الحب الروحاني، وهو أرقى بمرتبة من الحب الجسدي السابق لأن المحب يحاول نيل رضى محبوبته وليس فقط الاستمتاع بها جسديا. هنا لا ينفصل الحسي عن المعنوي في الحب. هذا النوع من الحب يتطلب الاتحاد بالمحبوبة جسدا وروحا وليس فقط جسدا.

وهناك ثالثا وأخيرا الحب الإلهي وهو أرقى أنواع الحب وأعظمها. وهو حب روحي خالص لا يبين له أثر على جسد الإنسان. يمكن للإنسان أن يحب المرأة حبا إلهيا خالصا: أي حبا مثاليا لا تدنسه الماديات. وأكبر مثال على ذلك حب ابن عربي نفسه للصبية الأصفهانية النظام بنت مكين الدين التي لقيها في مكة وكان آنذاك شيخا وعالما كبيرا.

وهي التي ألهمته كتابة ديوانه الشهير: ترجمان الأشواق. ويشير ابن عربي إلى حقيقة هامة: وهي أن الحب الإلهي ينبغي أن يكون صرفا لا تخالطه مسحة أرضية. فالحب كما يرى هو علة وجودنا وهو عقيدة كاملة بحد ذاتها.

ثم يردف المؤلف قائلا: ويرى ابن عربي أن الطريق الصوفي ليس عقلانيا ولا مضادا للعقل. وإنما هو يتجاوز حدود العقل ومشروطيات المادة. إنه على عكس الفلسفة المحصورة داخل نطاق العقل يشطح شطحات واسعة تخرجه من فلك العقل. وبالتالي فله مقاييسه ومعاييره الخاصة. وأكبر خطأ نرتكبه هو أن نحاكم التصوف بناء على معايير عقلية أو منطقية.

ومن هنا سر الاختلاف بينه وبين ابن رشد. فهذا الأخير أقام فصلا تعسفيا في رأيه بين الدين والعقل ثم حاول المصالحة بينهما لاحقا. أما ابن عربي فيعتقد أن العلاقة بين العقل والحب والمعرفة هي علاقة انصهارية ولا يجوز أن نفرق بينها. فالمعرفة واحدة لا تتجزأ.

وهناك موضوع آخر تعرض له ابن عربي وأثار لغطا كثيرا في الساحة الإسلامية هو: وحدة الأديان. فقد كان يرى أن جوهر الأديان واحد ألا وهو الحب والتقى والورع والعمل الصالح والقيم الأخلاقية والروحية. ولكن الأديان تختلف في العبادات والطقوس والشعائر وهي أشياء ثانوية في رأيه. ولكن الحق واحد في أصله.

وهو الذي يعبر عنه كل نبي من الأنبياء بلسان قومه وبحسب مداركهم لكي يفهموه. ولهذا السبب تبنّى ابن عربي كل الأديان ولكنه لم يخرج عن الإسلام أبدا كما توهم بعض ضيقي الأفق من المتزمتين، وإنما فتح كل نوافذ الديانة الإسلامية على العقائد المجاورة لها أو السابقة لها لكي تحتويها في بناء فلسفي واحد يرى أن الحق واحد.

والواقع أن ابن عربي أعطانا درسا كبيرا في الانفتاح والتسامح نحن أحوج ما نكون إليه اليوم. لقد ركز على ما يجمع بين الأديان لا على ما يفرق واعتبر أن كل البشر هم مخلوقات الله وعباده وبالتالي فيستحقون عفوه وغفرانه.

ولهذا السبب نقم عليه المتطرفون وحاولوا اتهامه في عقيدته بل وإخراجه من أمة الإسلام! ولكنه في الواقع كان مسلما أكثر منهم ومؤمنا بالمعنى الحقيقي للكلمة. لقد كان صوفيا يتسع قلبه لكل البشر، ويتسع عقله لكل المعارف والعقائد. ولهذا السبب فإنه فهم الدين كمحبة لا ككره وتعصب وبغض كما يفهمه الجهلة ماضيا وحاضرا. وقد عبر عن ذلك أجمل تعبير في الأبيات الشهيرة التالية:

لقد صار قلبي قابلا كل صورة

فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف

وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنى توجهت

ركائبه فالحب ديني وإيماني

أما المعلم ايكارت فهو يشبه ابن عربي في الجهة المسيحية. وقد ولد في ألمانيا عام 1260 ومات عالم 1327 عن عمر يناهز السابعة والستين. وقد درس في باريس، ثم انخرط في طريق التصوف والعبادة. وكان هذا العالم يقول بما معناه: على الإنسان أن ينفصل عن متع هذا العالم الأرضي وإغراءاته لكي يلتحق بالله. فما دام منشغلا بتحصيل المال والشهوات والملذات فإنه سوف يظل بعيدا عن الطريق الصحيح المؤدي إلى الله عز وجل.

وبالتالي فالتعالي الإلهي كان بمثابة القضية الأساسية بالنسبة للمعلم الصوفي ايكارت، والاتحاد بالله أو علاقاته كانت بغيته ومنيته تماما كابن عربي. ومن أهم كتبه نذكر شروحاته لكتاب الحكمة. ويعتبر المعلم ايكارت من أشهر الصوفيين في العالم الغربي المسيحي.

وأما الصوفي الهندي الكبير شنكرا فقد ولد في قرية بجنوب الهند عام 788 ومات عام 820 عن اثنين وثلاثين عاما فقط. ولكن بعض المؤرخين يعتقدون أنه ولد عام 700 ومات عام 750 عن خمسين عاما، والله أعلم. ومنذ السادسة عشرة اختار طريق التصوف والترحال من مكان إلى آخر كما يفعل الدراويش.

وهو من الشخصيات التي تمحي أمام أعمالها ومؤلفاتها، ولكننا لا نقصد بأعماله هنا مؤلفاته الأدبية أو الفلسفية وإنما حياته الشاحبة والفقيرة وكذلك عقيدته الميتافيزيقية. وقد حاول العودة إلى الأصول الأولى للديانة الهندوسية من أجل إصلاح الدين في عصره بعد أن لحقت به الشوائب الكثيرة. لقد أراد العودة إلى المنبع الأول، إلى الأصل الأبدي الخالد، مصدر كل تراث.

ويقال بأنه اختار حياة التصوف والانسحاب من العالم بعد أن حصلت له حادثة مروعة في أحد الأيام. فعندما كان يسبح في البحر كاد أحد التماسيح أن يأكله أو يقطع فخذه ولكنه استطاع أن ينجو في آخر لحظة. وهذه الحادثة دفعته إلى الزهد بالحياة الدنيا ومتعها وشهواتها. فهي عابرة وهشة أكثر مما نظن.

وبالتالي فلماذا نتعلق بها أكثر من اللزوم؟ثم بحث شنكرا عن معلم روحي لكي يدربه على أصول التصوف والعلم الرباني الروحاني. وقد وجده في منتصف الهند على أحد الأنهار. وبعدئذ راح يتجول في الأمصار ويعيش حياة الدراويش المتصوفين.

وفي أثناء ذلك كان يكتب الشروحات على النصوص البراهمية الخاصة بالديانة الهندوسية. وقد كشف شنكرا عن مواهبه الخطابية أثناء هذه الرحلات. فقد كان خطيبا مصقعا بجذب إليه المئات والآلاف بفضل فصاحته وبلاغته. وكان تصوره للدين قريب من وحدة الوجود التي قال بها ابن عربي والمعلم ايكارت وآخرون. فكل شيء صادر عن الله، عن التعالي الرباني، وكل شيء يعود إليه. وهذا ما تعبر عنه أفضل تعبير الآية الكريمة التالية: إنا لله وإنا إليه راجعون.

وبالتالي فإن ما يجمع بين هؤلاء المعلمين الثلاثة الكبار هو تصور مشترك عن الله والوجود والكينونة والتعالي المطلق الرباني. وعلى الرغم من اختلاف الأديان والعقائد إلا أن الطريقة الصوفية وحدت بينهم. فالتصوف واحد في نهاية المطاف، وكذلك محبة الله والزهد في إغراءات هذه الحياة الدنيا ومتعها وشهواتها. وهذا يعني أن التجليات الربانية واحدة على الرغم من اختلاف التراثات الدينية والعقائد والبيئات الاجتماعية والتاريخية.

* الكتاب: طرق التعالي طبقا لشنكرا، وابن عربي، والمعلم ايكارت

* الناشر:كتب الحكمة العالمية لندن 2006

*الصفحات: 262 صفحة من القطع الكبير

Paths to transcendence

according to Shankara, Ibn Arabs

and Meister Eckhard

Reza Shah-Kazemi

World Wisdom Books 2006 London

p.262