وهناك العديد من عناصر التشابه والتماثل اليوم بين اليابانيين والأميركيين، حيث تتطور الثقافة على نحو سريع في البلدين في عصر الإعلام الجماهيري الذي نعيشه اليوم، وتسمح السرعة البالغة وسهولة الاتصال والمواصلات للثقافات بالنمو في الاتجاه نفسه، وهكذا تصبح متشابهة أو متماثلة.

ومن النتائج الواضحة المترتبة على ذلك التغير في الأدب الذي يبدو واضحاً في كل من اليابان وأميركا، ولكنه يبرز بصفة خاصة في المشاهد، الشخصيات، والموضوعات في اليابان، التي تبدو منسوجة على النمط الغربي، وإن كان من الواضح أن القارئ يدرك أن هذه العناصر هي عناصر يابانية بوضوح.

وينتمي رايو موراكامي إلى الكتاب اليابانيين الذين يبدعون أعمالاً من هذا الطراز، وتلفت نظرنا بصفة خاصة في مجمل أعماله رائعته التي تحمل العنوان الدال »69« التي ترجمت إلى الانجليزية مؤخراً، والتي يرى الكثير من النقاد أنها تكاد تكون سيرة ذاتية مفرغة في قالب روائي، وهم يربطون بين الروائي نفسه وبين البطل كينتسوكي يازاكي، وانخراطه في إطار حركات الثقافة المضادة ومعارضة المؤسسة الرسمية التي عرفتها اليابان في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، بينما يتناول في الوقت نفسه قضية التأثير الأميركي على اليابان. تدور رواية «69» حول قيام طلاب مدرسة ثانوية في مدينة ساسيبو اليابانية الصغيرة بتحصين مدرستهم في مواجهة أي محاولة للاقتحام وتنظيم مهرجان لعروض الأفلام والمسرحيات والحفلات الموسيقية والغنائية من خلال جهود «كين» ورفاقه.

تبدأ الرواية في عام 1969، الذي استمدت منه عنوانها، حيث نجد أن «كين» ينظر إليه بالفعل من قبل زملائه في المدرسة على أنه شخصية غريبة وغير عادية، فهو عضو في فرقة موسيقى، ويحاول تقديم عرض لمسرحية مناوئة للمؤسسة العسكرية الأميركية على مسرح المدرسة، وهو باعتباره عضواً في نادي الصحافة بالمدرسة يصدر مطبوعات معادية للأميركيين من دون إذن من إدارة المدرسة، الأمر الذي يدعو هذه الأخيرة إلى حظر هذه المطبوعات ومصادرتها.

يسعى »كين« إلى تصوير فيلم بالتعاون مع صديقه «إيواسي»، ولكن محاولتهما الأولى لادخار ثمن كاميرا لا تكلل بالنجاح، ويسعى «كين» إلى الحصول على تأييد زميلهما «أداما» وذلك لإعداد المهرجان وتصوير الفيلم، وينجح في استقطاب اهتمام «أداما» عندما يطلعه على قصيدة من شعر رامبو ويغرقه في الحديث عن الأدب، وذلك على الرغم من أن معرفة »كين« التي تبدو في الظاهر غزيرة لا تعد وأن تكون واجهة يستخدمها في إغواء الفتيات.

سرعان ما يقوم «كين» بتشكيل مجموعة انشقاقية تعرف باسم »فاجرا« وينفذ مع زملائه خطتهم في وقت متأخر من 19 يوليو، أي في الليلة السابقة على بدء العطلة الصيفية مباشرة، ولكن واحداً من لجنة الطلاب ترصده السلطات، فيبادر إلى الحديث مع المحققين ويفشي لهم كل أسرار الحركة.

على امتداد الرواية يبدو بوضوح أنمور اكامي يدفع في اتجاه فكرة محورية، وهي العفوية، أو على الأقل طاقة الشباب وكيف أنها ليس من الممكن أن تحتوي، أو بالأحرى لا ينبغي أن تُحتوى.يبدو هذا بوضوح في رفض «كين» على طول الخط للمؤسسة الرسمية اليابانية، على نحو ما تتجسد في النظام التعليمي.تحفل الرواية بالأمثلة، والعناصر الدالة على عمق تأثير النفوذ الأميركي في المجتمع الياباني، مثل أندية موسيقى الجاز، المهرجانات على غرار مهرجان وود ستوك، ومهرجانات الحياة الشعبية المرتبطة بالاحتجاجات على الحروب.

ونلاحظ أنه في غمار الرد على سؤال طرح على رايو موراكامي في مقابلة أجرتها معه «طوكيو جورنال» حول تأثير أميركا عليه، وما إذا كان هذا التأثير على اليابان ايجابياً أم سلبياً، بادر الروائي الياباني إلى القول: «ليس الأمر أمر تأثير ايجابي أو سلبي. لقد أحببت الثقافة الأميركية ببساطة، الأفلام، الموسيقى، الروايات. ولكن اليابان بلد هستيري.. من السهل للغاية أن تصبح يمينياً أو عبداً للقيم الأميركية».

ما يقوله موراكامي يبدو اليوم واضحاً تماماً على الساحة اليابانية، فبينما نرى الكثير من الناشطين يطالبون بعودة الإمبراطور إلى رأس السلطة التنفيذية في البلاد، نرى أن هناك شباناً يابانيين يتبنون الثقافة الأميركية من دون تساؤل عن بعض جوانبها السلبية، ونرى مصلحين يدعون إلى إصلاحات هيكلية ومؤسسية يابانية على الطرز الأميركية.

ويؤكد رايو موراكامي أن الحلول لمشكلات اليابان لا تكمن في القبول الأعمى للحلول الأميركية، كما أنها في الوقت نفسه لا تكمن في محاولة فرض القرارات اليابانية التقليدية.

لا يتردد الأديب الياباني الكبير في القول: «لقد فقدنا شعورنا بالاتجاه. ما الذي ينبغي أن تفعله اليابان بعد الآن؟ إن علينا ـ وأنا أقوم بهذا بائساً ـ أن نجد معنى لقيمنا ولمنظورنا للحياة وللوجود. إننا لا نستطيع أن نعبر عن أنفسنا من خلال مسرح الكابوكي هذه الأيام، ولكن ذلك لا يعني أن نحاول التعبير عن أنفسنا من خلال موسيقى الراب.

إننا بحاجة لأساليب جديدة للتعبير عن أنفسنا. وهذا أمر صعب».إذا كان هذا هو جوهر الرسالة التي يحاول موراكامي إيصالها إلينا، فإن من المهم أن ندرك أنه يقوم بإيصال هذا المفهوم الذي يعتبر من العيار الثقيل، من خلال رواية خفيفة الروح، ذات مسحة كوميدية، وليست حافلة بالعناصر الرمادية التي نجدها في الروايات الثلاث الأخرى المترجمة له إلى الانجليزية.وتعكس الرواية البراعة في البناء ورسم الشخصيات والحوار القوي، النافذ، وهي عناصر كلها تميز أعمال موراكامي الروائية.

والرواية بهذا المعنى ليست كئيبة ولا سوداوية على نحو ما يوحي التعريف الموجز الموجود على غلافها الخلفي، وإنما هي أقرب إلى روح التسلية الخفيفة، ومنذ الصفحات الأولى نجد وعداً بالمزيد من هذا التوجه، أما إذا كان هذا الوعد يتحقق مع الصفحات الأخيرة من الكتاب أو لا يتحقق فهو أمر متروك لحكم كل قارئ على حدة.

ولهذا، بالضبط، فإن على القارئ أن يمعن التأمل فيما بين السطور، فهو هنا ليس على موعد مع مفهوم الاغتراب الذي يجده في أعمال موراكامي الأخرى، وإنما هو مع رحلة مع فتية في بلدة قصية في جزيرة يابانية نائية يحاولون البحث عن طريق لهم في مقتبل العمر يجعل لحياتهم معنى ولوجودهم مغزى.

وعلى الرغم من ذلك فإن الرواية تطرح مجموعة شائكة من الأسئلة التي يتعين على القارئ التوقف عندها طويلاً: ما الذي يبقى عندما تنهار أكثر نظمنا الاجتماعية أساسية وهشاشة في آن؟ وما هو البديل الذي يمكننا الاحتكام إليه في مثل هذه الحالة؟

شباب وأسئلة مؤرقة

(لم أستطع تصور كيف يمكن أن يأخذ الضيق به كل مأخذ على هذا النحو.

أحدهم يكتب شعارات بالدهان على جدران مدرستك ـ هل هذا شيء يدفعك إلى السخط؟ ماذا كان له هذا الجدار.. مزاراً مقدساً؟ الناس الذين ينتمون إلى هذا النوع خطرون حقاً.

ساذجون تماماً. إن أناساً من هذا الطراز هم الذين قتلوا وعذبوا واغتصبوا في كوريا والصين. أناس من مثل هذه النوعية هم الذين يصرخون في مواجهة رسوم على الحائط. لكن الأمر لا يحدث فرقاً عندهم إذا أقام أحد زملائهم في الصف الدراسي بارتكاب المخازي فور تخرجه من المدرسة).

مقتطف من رواية 69

* الكتاب:69

* الناشر:كودانشا إنترناشيونال نيويورك 2006

* الصفحات: 200 صفحة من القطع المتوسط

69

Ryu Murakami

Kodansha International N.Y.2006

p. 200