في مستهل رواية ستيفن كينغ الجديدة «الهاتف الخلوي» يجد القارئ نفسه مع أفق روائي تحدد بشكل واضح وصريح من حيث الزمان والمكان والأبطال. نحن في الأول من أكتوبر، حيث تنطلق معظم الطائرات في الوقت المحدد لها، والبورصة عند 10140 نقطة حسبما تؤكد مؤشراتها، وكلايتون رايدل،

وهو فنان من ولاية مين، يمضي متقافزاً على وجه التقريب في شارع بويلستون في مدينة بوسطن، فهو قد أبرم لتوه صفقة تتعلق بكتاب للرسوم الفكاهية، بعد طول انتظار، تتيح له إعالة أسرته المؤلفة من زوجته وابنه جوني من خلال إبداع الفن، وليس الاكتفاء بتدريسه.

وها هو في إطار هذا المناخ المفعم بالبهجة والآمال الكبار يبادر إلى شراء هدية صغيرة، وإن كانت غالية الثمن، لزوجته التي عانت معه طويلاً، ولما كان يعرف ما الذي يسعد ابنه جوني، فقد بادر بشراء هدية له أيضاً. وماذا عن كلايتون نفسه؟ لماذا لا يدلل نفسه بهدية صغيرة بدوره؟ حقاً لم لا؟

لكن هذا المناخ، فيما يبدو، أجمل من أن يستمر طويلاً، حيث يطرأ التغيير سريعاً، بل أسرع كثيراً مما كانت توحي به البدايات السلسة التي تستهل بها الرواية.

تقوم منظمة غامضة، لا نعرف عنها الكثير، بالتسبب في ظاهرة تحمل معها الدمار لملايين الناس في الولايات المتحدة واسم هذه الظاهرة هي «النبضة»، أما طريقة إيصال هذه النبضة إليهم فهي الهواتف الخلوية، وعلى وجه التحديد هواتفهم الخلوية.

في الولايات المتحدة 93 مليون هاتف خلوي، وهو ما يعني استهداف 93 مليون شخص عن طريق «النبضة».

هذه الظاهرة تعني نقل رسائل عبر الهواتف الخلوية إلى الناس المستهدفين عبر «النبضة»، فإذا بهم يتحولون إلى ما يعرف بـ «الزومبي»، أي الموتى الأحياء، الذين ينطلقون في كل أرجاء أميركا، حاملين الموت والدم والدمار معهم إلى كل مكان، حيث يحل الرعب بالمدن، وتشل ملامح الحياة في الأحياء والضواحي،

ومع تزايد «النبضات» يطاح بالمزيد من الضحايا.كلايتون، الذي لا يحمل هاتفاً خلوياً، وقلة من الناجين الذين يغمرهم اليأس وينضمون إليه، يجدون أنفسهم في الظلام التام الذي يسود الليل الأكثر حلكة في مرحلة انهيار الحضارة.

هكذا تنتشر الفوضى في كل مكان، وتعم المذابح، ويتدنى البشر إلى أكثر ما في أعماقهم انحطاطاً. ولا يبدو أن هناك في نهاية النفق نقطة ضوء يمكن أن تعد بمخرج من هذا الكابوس العارم.

ولكن كلايتون يشير له سهم إلى ضرورة العودة إلى موطنه في مين، فينطلق هو ومن معه من اللاجئين. في رحلة مرعبة إلى الشمال، حيث تتوالى أمام أعينهم مؤشرات تؤكد لهم أنهم يمضون في الطريق الصحيح. لكنهم في حقيقة الأمر لا يدرون ما إذا كانت هذه المؤشرات وعوداً أم تهديدات.

غير أن كلايتون سرعان ما يتذكر أمراً رهيباً يؤرقه طوال ما بقى من رحلة العودة إلى مين، ذلك أن ابنه جوني يمتلك هاتفاً خلوياً أيضاً، وليس الأمر بالذي يقف عند هذا الحد، فجوني مولع باستخدام هاتفه الخلوي، فكيف سيجده كلايتون لدى عودته؟ وعلى أي حال

سيكون الابن وقت ذلك اللقاء المؤرق؟

من المؤكد أنه ليس يخلو من الدلالة أن رواية ستيفن كينغ يتصدرها إهداء إلى ريتشارد ماثيسون، مؤلف العمل الرائع الشهير «أنا الأسطورة» وإلى جورج روميرو مخرج الفيلم الكلاسيكي الذي عرض عام 1968 «ليلة الموتى الأحياء»، وهما عملاقان في نوعية الأعمال المتعلقة بالموتى الأحياء.

هنا نجد أنفسنا أمام هذا الاستكشاف، في مرحلة ما بعد الكارثة، للجانب المظلم من حياة البشر، الجانب الذي لا يتردد من تأمله طويلاً في القول: لقد وصلنا إلى حكم الأرض لأننا كنا على الدوام الكائنات الأكثر جنوناً ودموية في الغابة. هكذا سنجد أنفسنا مع تعليقات كينغ الساحرة ومع لمحاته الإبداعية، ونقف وجهاً لوجه مع معني جديد للعبارة الشائعة بين مستخدمي الهاتف الخلوي: «هل يمكنك سماعي الآن؟».

الواقع أن هذه الرواية، بأبعادها تلك، ما كان يمكن إلا أن تلقى الإشادة من جانب العديد من النقاد وكاتبي عروض الكتب.

ها هي جانيت ماسلين، في عرضها للكتاب على صفحات «نيويورك تايمز»، تبادر إلى القول إنه عندما ينفتح الأفق الكلي للرواية، يبدو التمهل في معالجة موضوع الموتى الأحياء مبرراً، فهم يطورون على مدار الكتاب بطريقة لا يمكن إلا أن تثير اهتمامنا.

ومن اللمحات التي لابد للقارئ أن يتوقف عندها طويلاً، بحسب رؤية ماسلين، انتقال ستيفن كينغ بالرواية إلى مدرسة خاصة مثيرة للاهتمام في ضوء أحداث القتل العديدة في مدارس أميركا، حيث تصبح هذه المدرسة ساحة لتطورات ما بعد «النبضة»، وتتكشف أمامنا الأنماط التخاطبية من بعيد التي بدأت تؤثر في أنماط السلوك الجماعي،

وثمة نكتة صغيرة لماحة يطلقها المؤلف هنا، حيث ان الرسائل القاتلة تنتقل عبر أسوأ أنواع الأغاني التي يسهل الاستماع إليها ويمكنه أن يشير إليها، بل إنه يصل إلى الحد الذي يصبح معه لورنس ويلك وأغنية «أنر حياتي» جزءاً من مرحلة اندلاع الكابوس.

ولا يتردد جورج مارتن في الإشارة على صفحات «الواشنطن بوست» بالمقابل، وفي مفارقة واضحة للإشادات العديدة بالرواية، إلى أن «الهاتف الخلوي» عمل يصعب أن تتركه بعد أن تلتقطه، وذلك على الرغم من النقص الواضح فيه في المشاهد المفزعة، حيث ان هذه الرواية لا ترتقي قط إلى مستوى الرعب الحقيقي، دع جانباً الوصول إلى الذرى التي سبق أن ارتفعت إليها أفضل أعمال ستيفن كينغ نفسه.

ويمضي مارتن إلى حد القول عن الرواية بصراحة ووضوح: «على الرغم من انها عمل محكم ومسل، إلا أنني أخشى أننا سنحتاج إلى الانتظار وقتاً أطول لرؤية رواية الموتى الأحياء العظيمة التي نتطلع إليها».

وليس هذا هو النقد الوحيد القاسي الذي نقرأه عن الرواية، فها هو موقع بارنز أند نوبل يطالعنا برأي لأحد الكتاب يقول فيه إنه يوافق على أن الرواية تبدأ بطريقة مثيرة للاهتمام وتستحوذ على ذهن القارئ ولكن في منتصفها يشعر القارئ بأنها قد تراجعت كثيراً إلى حد التردي الكامل، بل ان بعض القراء قد لا يستطيعون التواصل مع شخصية البطل، كلايتون، الذي قد يبدو أقرب إلى الجانب الممل أو المضجر.

ولا يتوقف النقد القاسي عند هذا المستوى، وإنما يذهب كاتبه إلى القول إن هذا الكتاب ليس فيه الكثير مما يمكن أن يوصف بالرواية ومن ثم ينتهي بها الأمر إلى عدم القدرة على أسر القارئ، وعندما يصل القارئ إلى إكمال ثلاثة أرباع الكتاب فإنه يجد نفسه وقد عقب على عدد كبير من الوقائع والأحداث بقوله:

«ومن الذي يكترث بهذا؟»، ذلك أن «الهاتف الخلوي» تقصر عن بلوغ ما يتوقعه القارئ منها، والحبكة يصعب في بعض الأحيان تصورها، ولكن هذا هو عالم القص، في نهاية المطاف.

أياً كان الأمر، وسواء تحمس المرء لأحدث روايات ستيفن كينغ أم شارك منتقديها الذين هاجموها بشدة، فإن رواية «الهاتف الخلوي» تظل عملاً مثيراً للاهتمام، وربما كان أهم ما فيها على الإطلاق هو قدرتها على تجديد الحوار المحتدم حول السجال بين الرواية الشعبية، أو الرائجة، أو رواية السوق، إن صح التعبير، وبين الرواية الأدبية، التي وجدت لتخاطب النخبة ولتداعب خيال النقاد، قبل أي شيء آخر.

وعلى الرغم من أن ستيفن كينغ قد أعرب عن اعتقاده بأن هذا الصراع ـ من منظوره ـ لم يكن موجوداً في يوم من الأيام، على الأقل ليس في قرارة روحه، فإن الإجماع يسود بين النقاد اليوم على أن هذا الصراع يزاد احتداماً وعمقاً، وأن الهوة القائمة بين هذين النوعين من الإبداع الأدبي تتسع مع مطلع شمس كل يوم جديد.

محطات في حياة كينغ

تؤكد الإحصاءات أن ستيفن كينغ هو الكاتب الذي تعد أعماله الأفضل مبيعاً في تاريخ صناعة النشر. واعتباراً من عام 1996 بيعت من كتبه أكثر من 200 مليون نسخة في الولايات المتحدة وحدها، تضاف إليها 50 مليون نسخة إضافية خارج الولايات المتحدة. وربما كان الكاتب الوحيد في العالم الذي يوجد له كتابان في قائمة الكتب الأفضل مبيعاً في وقت واحد، بل انه تفوق على نفسه، مؤخراً، حيث احتلت ثلاثة من كتبه موقعها في قائمة أفضل الكتب مبيعاً في وقت واحد.

ومن أهم أعمال ستيفن كينغ ما يلي:

ناس وأماكن وأشياء (1960)، غزاة النجوم (1964)، كاري (1974)، قدر ساليم (1975)، البريق (1977)، المنصة (1987)، البرج المظلم ـ الجزء الأول: الرامي (1982)، كريستين (1983)، الشيء (1986)، البؤس (1987)، البرج المظلم ـ الجزء الثاني: رسم الثلاثة (1987)، البرج المظلم الجزء الثالث:

الأراضي اليباب (1991)، لعبة جيرالد (1992)، كوابيس وأراضي احلام (قصص) (1993)، الأرق (1994) ، قضية أومني الأخيرة (1995)، الميل الأخضر (1996)، اليأس (1996)، البرج المظلم ـ الجزء الرابع: الساحر والزجاج (1997) كيس العظام (1998) عن الكتابة (2000) البيت الأسود (2001) البرج المظلم ـ الجزء الأول (طبعة منقحة (2003)، البرج المظلم ـ الجزء الخامس: ذئاب الكالا (2003) البرج المظلم ـ الجزء السادس:

أنشودة سوزانا (2004)، البرج المظلم ـ الجزء السابع: البرج المظلم (2004)، صبي كولورادو (2005)، ستيفن كينغ: الأعمال غير الكاملة (طبعة محدودة لاتزال قيد النشر من المتوقع أن تصدر في أواخر 2006)، قصة ليزي (من المتوقع صدورها في أكتوبر 2006)، سلسلة كتب رسوم مصورة بعنوان »البرج المظلم« (من المتوقع قيام دار فارفل للرسوم المصورة بإصدارها اعتباراً من فبراير 2007).

* الكتاب: الهاتف الخلوي

* الناشر:سكريبنر ـ نيويورك 2006

* الصفحات: 384 صفحة من القطع المتوسط

Cell

Stephen King

Scribner - N.Y 2006

P. 384