مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الإستراتيجي الفرنسي المعروف تييري دومونبريال، وهو عضو معهد فرنسا الذي يضم الأكاديمية الفرنسية وسواها. كما إنه أستاذ في الجامعات الفرنسية والمعاهد العليا. وكان قد نشر سابقا كتباً عدة نذكر من بينها: الممارسة العملية ونظام العالم (2003)، قاموس الإستراتيجية (2000).

يضاف إلى ذلك أنه مؤسس المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية ومديره العام. وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن الجغرافيا السياسية للعالم. والمقصود بذلك أن القوة السياسية لقارة ما أو لبلد ما مرتبطة بموقعه الجغرافي والمصادر الطبيعية التي يمتلكها. والجغرافيا السياسية قريبة كعلم من الجيوبوليتيك أو من الجيوستراتيجيا وإن كانت تتمايز عنهما في بعض النواحي. وفي الفصل الثاني يستعرض المؤلف الجغرافيا السياسية للعالم المعاصر:

أي الكتل الجغرافية والسياسية الكبرى كالاتحاد الأوروبي، وروسيا، وعالم العرب والإسلام، وجنوب آسيا كالهند وسواها، وجنوب شرق آسيا كفيتنام واندونيسيا وسواهما، وآسيا الشرقية أي الصين أساسا، وأميركا الشمالية أي الولايات المتحدة وكندا أساسا، ثم أميركا الجنوبية، ثم استراليا...

فيما يخص أوروبا يقول المؤلف ما يلي: تحتوي القارة الأوروبية على 38 دولة ذات 583 مليون نسمة. وذلك بحسب إحصائيات 2002. أما مساحتها فلا تتجاوز 9. 5 ملايين كيلومتر مربع. وبالتالي فهي صغيرة نسبيا إذا ما قسناها بمساحة الولايات المتحدة (أكثر من تسعة ملايين كيلومتر مربع)، وبمساحة الصين (أكثر من تسعة ملايين ونصف المليون كيلومتر مربع). هذا دون أن نقارنها بمساحة روسيا الهائلة التي تصل إلى سبعة عشر مليون كيلومتر مربع.

ولكن على الرغم من ذلك فإن أوروبا هي أغنى منها كلها ما عدا أميركا الشمالية بالطبع. ولكن هذا الإحصاء لا يضم تركيا التي تبلغ مساحتها 815 774 كيلومتراً مربعاً وعدد سكانها سبعين مليون نسمة. نقول ذلك ونحن نعلم أن تركيا مرشحة للانضمام إلى أوروبا في المدى المنظور. والسؤال المطروح على الاتحاد الأوروبي هو التالي:

هل سيتحول إلى قوة سياسية عظمى أم سيظل قوة اقتصادية عظمى فقط؟ نقول ذلك ونحن نعلم أنه يضم بعض الدول الأكثر تقدما في العالم كألمانيا، وفرنسا، وانكلترا، وإيطاليا، وهولندا، الخ. وتمتلك أوروبا كل مقومات القوة والمصادر الطبيعية ما عدا البترول والغاز.

أما الولايات المتحدة فتبلغ مساحتها بالضبط 9363520 كيلومتراً مربعاً. ويبلغ عدد سكانها 284 مليون نسمة. وهذا يعني أنه زاد ثلاثة وثلاثين مليونا عما كان عليه عام 1990. وهي زيادة ضخمة تعود في قسم منها إلى نسبة الأجانب المرتفعة بالقياس إلى أوروبا، ثم بشكل خاص إلى استيعاب موجات الهجرة الوافدة عليها.

ونسبة البيض الأوروبيين في الولايات المتحدة تصل حاليا إلى 1. 69%، وأما نسبة السود فتصل إلى 1. 12%، ونسبة الإسبان أي القادمين من دول أميركا اللاتينية تصل إلى 5. 12% ونسبة الآسيويين تصل إلى 7. 3%. أما عدد اليهود فيصل إلى 155. 6 ملايين نسمة. هذا في حين أن العرب الأميركيين يصل عددهم إلى أربعة ملايين على الأقل.

ثم يردف المؤلف قائلا: وهذا يعني أن العنصر الغالب على سكان الولايات المتحدة هو العنصر الأبيض الانغلوساكسوني البروتستانتي. فكل رؤساء أميركا من هذا العنصر ما عدا جون كندي الذي كان كاثوليكيا وليس بروتستانتيا. ولكنه كان أبيض وانغلوساكسونياً.

وأما من حيث الثروة فإن الولايات المتحدة هي أكبر بلد منتج في العالم وأكبر بلد مستهلك في العالم أيضا. ولكي نأخذ فكرة عن قوة أميركا في مجال الزراعة فقط يكفي أن نقارنها ببلد زراعي كبير كفرنسا. فالولايات المتحدة تحوي على 430 مليون هكتار من الأراضي الخصبة مقابل 30 مليون هكتار لفرنسا فقط! والواقع أن الولايات المتحدة قارة لوحدها وتمتلك كل أنواع المصادر الطبيعية.

والفلسفة التي تختصر عقلية الأميركيين هي الفلسفة البراغماتية. فهم أناس عمليون بالدرجة الأولى. إنهم رأسماليون يبحثون عن الربح والنجاح في الحياة وتجميع الثروة. كما أنهم شعب متدين على عكس الأوروبيين أو الفرنسيين العلمانيين أكثر من اللزوم.

فرئيس الولايات المتحدة يقسم اليمين على الكتاب المقدس للمسيحيين في حين أن ذلك شيء لا يمكن تصوره في فرنسا. أميركا بلد متدين بعمق على الرغم من أن الدستور الأميركي ينص على الفصل بين الكنيسة والدولة وعلى الرغم من أنه يساوي بين جميع المواطنين بعد انتهاء التمييز العنصري ضد السود وإعطائهم الحقوق المدنية.

وأما فيما يخص أرض الإسلام فيقول المؤلف ما يلي: إن هذا العالم الممتد من حدود المغرب الأقصى وحتى خليج عمان يضم سبع مجموعات مناطقية. فأولا هناك المغرب العربي الكبير الذي يضم المغرب الأقصى، والجزائر، وتونس، وليبيا، وموريتانيا.

وثانيا هناك المشرق العربي الكبير الذي يضم مصر وحوض النيل الممتد حتى السودان. كما ويضم الشرق الأوسط المؤلف من الهلال الخصيب، وشبه الجزيرة العربية، وتركيا، وإيران وأفغانستان. وهذا التجمع الضخم يضم حوالي الثلاثين دولة وأربعمئة مليون نسمة ويشمل مساحة تصل إلى 15 مليون كيلومتر مربع. وهو ما يدعوه الأميركان الآن بالشرق الأوسط الكبير.

والسؤال المطروح الآن هو التالي: ما هي السمات العامة التي تجمع بين سكان هذه المنطقة الكبيرة الواسعة وتخلع عليها نوعا من الوحدة المتجانسة إلى حد ما؟

على هذا السؤال يجيب المؤلف قائلا: أول سمة هي ذات طابع ثقافي وديني. فهذا التجمع الكبير شهد ولادة الأديان التوحيدية الثلاثة: يهودية، مسيحية، إسلام.

ولكن الإسلام هو الذي هيمن تاريخيا على هذه المنطقة الكبيرة. وقد طبع شعوبها بطابعه بمن فيهم السكان غير المسلمين كالمسيحيين وسواهم.

وأما السمة الثانية لهذا التجمع الجغرافي والتاريخي الكبير فهي المناخ. فهذه المنطقة تضم معظم الصحارى الساخنة لنصف الكرة الشمالي. ومناخها جاف عموما أو شبه جاف وهو يشرط حياة السكان الباحثين باستمرار عن الماء. ونلاحظ أن زيادة عدد السكان تؤدي إلى الصراع على المياه كما يحصل بين تركيا وجيرانها على مياه نهر الفرات ودجلة. وكما يحصل من صراع بين مصر وجاراتها على مياه نهر النيل.

يضاف إلى ذلك الاتساع المتزايد للصحراء على حساب الأرض الخضراء القابلة للزراعة. وهذا ما ينذر بعواقب وخيمة في المستقبل. وهذه المنطقة تشترك أيضا في صفة ثالثة ألا وهي: سوء التنمية أو التأخر على كافة المستويات من زراعية، وصناعية، وخدمات، الخ. وهو تأخر صارخ إذا ما قارناه بأوروبا مثلا.

ثم يردف البروفيسور تييري دومنبريال قائلا: وهناك صفة مشتركة لدى شعوب هذه المنطقة هي أنها تعاني من ثقل وضغط الإمبرياليات الماضية: كالإمبراطورية العثمانية، والإمبراطورية الفرنسية، والإمبراطورية الانكليزية، والإمبراطورية الروسية. كما وتعاني من الصراعات الجارية على البترول المتجمع بكثرة في بعض أنحاء هذه المنطقة الشاسعة الواسعة التي ندعوها بالشرق الأوسط الكبير.

ودول هذه المنطقة مركبة بشكل اصطناعي من قبل القوى العظمى بعد الحرب العالمية الأولى ما عدا مصر وإيران.

ولذلك فإن دول هذه المنطقة مهددة بالتفكك حاليا كالعراق مثلا. فهو ذو تركيبة سياسية هشة جدا بسبب الانقسام الحاصل بين مكوناته الثلاثة الكبرى: الشيعة، والسنة، والأكراد، وهي مكونات تتنافس على امتلاك البترول واحتكار السلطة. أما مصر فهي أقدم كيان سياسي في العالم ولكنها تعاني من بعض الانشقاقات الدينية بين الأقباط والمسلمين.

يضاف إلى ذلك أن الدلتا مهددة تماما كمدينة البندقية في إيطاليا.والاقتصاد المصري راكد ولا يستطيع إشباع سبعين مليون نسمة لولا المساعدات الدولية، أي الأميركية. ولكن ثمن هذه المساعدات باهظ سياسيا لأنه يمنع مصر من أن تقوم بأي عمل مخالف لرغبة الولايات المتحدة الأميركية.

هناك دولة أخرى تتمتع بكيان تاريخي متماسك في العالم العربي هي المغرب. فهو عبارة عن مملكة لم تستعمر أبدا من قبل الأتراك على عكس البلدان العربية الأخرى. وبالتالي فالمملكة المغربية تتمتع بتواصلية تاريخية وهوية موحدة لا تنكر. والمشروعية السياسية للنظام الملكي الحاكم قوية لأنها تضرب بجذورها في أعماق التاريخ.

ولكن هل سيستطيع مواجهة الاحتجاج الأصولي المتصاعد هناك؟ نقول ذلك ونحن نعلم أن الأصولية تستغل الفقر المدقع لشرائح واسعة من السكان وتحاول النيل حتى من مشروعية الملك وأسرته الحاكمة منذ حوالي الأربعة قرون. وبالتالي فهناك تحديات كبيرة تواجه المغرب وأولها الفقر المدقع والأصولية المتشددة. وهما مشكلتان مترابطتان.

وأخيرا يمكن القول بأن معظم الدول العربية تعاني من مشاكل داخلية متفاقمة موروثة عن التقسيم الاستعماري لهذه الدول إلى وحدات اصطناعية. وبالتالي فالتفكيك الأول للمنطقة قد يتلوه تفكيك ثان إذا ما نجح المخطط الأميركي ـ الإسرائيلي السائد حاليا.

* الكتاب:الجغرافيا السياسية

*الناشر: المطبوعات الجامعية الفرنسية 2006

* الصفحات : 128 صفحة من القطع الصغير

Géographie politique

Thierry de Montbrial

Presses Universitaires de France 2006

P.128