في أقل من شهر واحد فقدت الساحة الثقافية العربية ثلاثة من كبار مبدعيها، فقد رحل العلامة عبدالمعين الملوحي يوم الثلاثاء 21 مارس عن 89 عاماً، ثم رحل الشاعر محمد الماغوط يوم الاثنين 3 أبريل عن 73 عاماً، وأخيراً رحل الأديب عبدالسلام العجيلي يوم الأربعاء 5 أبريل عن 88 عاماً، ينتمي هؤلاء الراحلون الكبار إلى الشام بجغرافيتها وحضارتها، كما ينتمون جميعاً إلى مرحلة نضج سياسي واجتماعي عمّ المنطقة كلها، وكانوا فاعلين خلال حياتهم إلى تلك الدرجة التي تشكل رحيل أحدهم خسارة كبيرة، فما بالنا عندما يرحل ثلاثة كبار دفعة واحدة!

إن رحيل هؤلاء ترك سؤالاً قاسياً في الأعماق «هل يعيش أدباء سوريا في غرفة الإنعاش؟»، إذا يبلغ متوسط أعمار أدباء سوريا 70 عاماً وهو بالقياس الزمني يشكل خطورة على الحالة الثقافية الإبداعية، فجيل هؤلاء جيل مؤسس وحاضر في الحياة العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، جيل انتمى أدباً وقلباً إلى المرحلة التي عاشها، فكان مؤرخاً لها، خاطاً في صفحاتها سطوراً لن تمحى.

جيل من الكبار كأنه لا يتكرر، أو كأن المرحلة ضربت بعيداً في التاريخ ولن تعيد سيرة أحد منهم، وليخَلْ المرء أن المرحلة التي أنجبت هؤلاء كأنها لن تنجب غيرهم، فإذا كان الشاعر علي الجندي (79) عاماً منقطعاً عن الحياة العامة في منزله باللاذقية، فإن حنا مينا (82) عاماً يكاد أن يكون قد هجر الحياة العامة هو الآخر، وكلاهما ينتمي إلى قائمة تطول من أدباء سوريين تقدم بهم العمر، وباعدت المسافة بينهم وبين أجيال إبداعية لاحقة.

أليس مفجعاً أن يرحل ثلاثة من الأدباء في فترة متقاربة تاركين فراغاً كبيراً فقد كان الملوحي علامة في ميدان التحقيق والتأليف والترجمة ولعل كثيرين لم تفتهم قراءة «داغستان بلدي » لرسول حمزاتوف التي نقلها الملوحي إلى العربية بأمانة تدفع إلى احترام المترجم بموازاة المؤلف، فقد حمل روح حمزاتوف إلى قراء العربية ولا تكاد مكتبة تخلو من هذا الكتاب القيم الذي انتشر انتشاراً هائلاً بين القراء إثر ترجمته إلى العربية منتصف السبعينات.

كما لم ينس قارئ عبر تاريخه القرائي محمد الماغوط حزيناً بسبب الرعب والألم والخوف من أحد سيأخذ طعامه أو دواته أو من صائد يغتال فرحه، فتحول الماغوط بعفويته المطلقة إلى رسول تفاصيل بين العشاق وعصفور المحكيات يجمع معظم الأدباء الجدد في قاموس واحد.

ولم يكن العجيلي أقل شأناً فقد عاش حياة مليئة بالسياسة والأدب، وتحول من فاعل في المشهد السياسي إلى شاهد عليه ووثق مرحلة مهمة من التاريخ العربي عبر قصص وروايات ستظل طويلاً في صدور القراء لشدة التصاقها بالواقع ومقاربتها للحياة.

رحل هؤلاء في زمن أحوج ما يكون الوطن إلى أمثالهم، وأحوج ما تكون المرحلة إلى حضورهم، فقد كانوا ضمائر شعب ، وشهود زمن، ومؤرخي حياة.

hussain@albayan.ae