مؤلف هذا الكتاب علي عثمان باحث سوري يعمل أستاذا للفلسفة. وهو من المهتمين بالسياسة والفكر، له دراسات منشورة في عدد من المجلات، وآخر مؤلفاته «الاستلاب ـ تحطيم العقل» (2004). وهو يحاول في كتابه الجديد «ثقافة إقصاء الآخر» مقاربة منابع هذه الثقافة، وكذلك البحث عبر جولة نقدية، اثر هذه الثقافة على التجربة السياسية السورية الممتدة منذ الاستقلال وحتى الآن.
دون أن يدعي أن أجوبته جاهزة وكاملة. لان بحثا كهذا يحتاج إلى العديد من الدراسات على المستوى المعرفي والسياسي وفي كل المجالات. وهذا ما تفتقر إليه المكتبة السورية حتى الآن. ويحتاج أيضا إلى حوار ديمقراطي وحر ومسؤول بين الجميع لمراجعة وتقييم المرحلة السابقة. بهدف إخراج السياسة السورية من النفق الذي تعيش فيه.
فثقافة «إقصاء الآخر» هي الركيزة الأساسية للاستبداد. وهي تعبر عن مجتمعات ما قبل الحداثة. لأن إحدى منجزات الحداثة هي ثقافة الاعتراف بالآخر، وحرية الأفراد، وتأسيس الدولة المدنية الحديثة. وإن أي مجتمع لا يعترف بالتعددية، وبحرية مواطنيه، ويطابق بين الجزء والكل، أو بين الواحد والكثرة ـ كما هو حال المذاهب الطائفية والليبراليين الجدد ـ هو مجتمع سكوني غير قابل للتطور والحياة. ويرى الباحث أن منابع ثقافة إقصاء الآخر تعود إلى:
ـ الموروث الثقافي وما يحمله من بنى قبلية وإقطاعية، وتراث ثقافي وديني مذهبي استبدادي كان سائداً خلال قرون عديدة خلال فترة الحكم العثماني. وفشل المشاريع النهضوية العربية ابتداء من محاولات محمد علي، وكذلك فشل رجالات التنوير مثل (محمد عبده والأفغاني..) في تشكيل حركة نهضوية عربية تنقل مجتمعنا إلى الحداثة بشكل طبيعي، وتجعل من الموروث مصدر ثراء وغناء. هذا الفشل أدى إلى دخول المجتمع إلى بوابة الحداثة عبر الاستعمار الغربي، والذي ساهم بدوره في التطور المشوه للمجتمع.
ـ النظام الامبريالي العالمي وما فرزه من استعمار وتهميش وقتل وإقصاء لشعوبنا بالكامل، والذي حل بديلا عن الاستعمار العثماني.
وكان يمكن لأحداث الاستقلال عن الدولة العثمانية ومن بعدها الاستعمار الفرنسي أن تشكل عجينة وطنية وتفرز قوى سياسية قادرة على تأسيس دولة وطنية حديثة تقبل وتعترف بكل أبنائها كمشاركين على قدم المساواة في بناء الدولة والمجتمع، لو كانت الرأسمالية الوطنية غير ضعيفة وتابعة للمراكز الامبريالية.
بالإضافة إلى تحالفها مع الإقطاع، مما جعلها عاجزة عن القيام بالدور الثوري الذي قامت به البرجوازية الأوروبية، وجعلها تنبذ العقلانية والعلمانية. وبالوقت ذاته كان على حكومات الاستقلال أن تعيد بناء الوطن من جديد وتعمل على حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي واجهتها، بالإضافة إلى مواجهة المشاريع الإسرائيلية وحلفائها بعد نكبة العرب وهزيمتهم في (1948).وهذا كله دفع إلى تشكيل النقيض.
فتشكلت حركات المقاومة الوطنية الداعية ليس إلى الاستقلال فحسب، إنما إلى اجتثاث الاحتلال والنظام الرأسمالي برمته. وحمل هذا المشروع القوى الوطنية والقومية واليسارية في كل البلدان العربية ومنها سوريا. ضمن هذا المناخ بدأت تتشكل الحياة السياسية في سوريا. وكانت العقلية الانقلابية وثقافة إقصاء الآخر هي القاسم المشترك عند التيارات السياسية كافة ( القومية واليسارية والدينية والليبرالية ).
فكان كل تيار يسعى إلى السيطرة بمفرده على السلطة وإلغاء الآخر، ورسم المجتمع والدولة على الصورة الأيديولوجية التي يحملها ويراها صحيحة. أما الآخرون فهم برأيه إما خونة أو عملاء أو رجعيون....إلخ وكانت الانقلابات العسكرية بعد الاستقلال أفضل تعبير عن ثقافة إقصاء الآخر. ثم جاءت حكومة الوحدة السورية ـ المصرية (1958 ـ 1961) لتلغي الحياة السياسية كلها بإصدارها قانون إلغاء الأحزاب.
وكان حزب البعث الأسبق من كل التيارات الأخرى. واستلم السلطة في ( 8 مارس 1963 ). وبدأ يؤسس لسلطة شمولية راحت تبتلع كل الآخرين تدريجياً.فتم التخلص أولاً من الضباط الناصريين الذين شاركوا في الانقلاب ،ثم أفضت نتيجة الصراع داخل حزب البعث إلى تغلب تيار الأسد على الآخرين الممثلين بحركة «23 فبراير 1966» وتم إرسالهم إلى السجن ليبقوا بداخله أكثر من ربع قرن.
وفي 1970 بدأ التأسيس لدولة سلطة ذات لون واحد. وكان تشكيل «الجبهة الوطنية التقدمية» محاولة لقبول الآخر ومشاركته في بناء المجتمع الجديد.إلا أن هذه المحاولة لم تكن أكثر من إلغاء للأحزاب الأخرى الشيوعية والقومية بتحويلها إلى أجراء وليس شركاء. بدليل أن حزب البعث هو الحزب القائد والمهيمن حسب الدستور. وإن أي حزب في الجبهة لا يمكنه اتخاذ أي قرار خاص دون هذا الحزب القائد.
وثقافة الإقصاء وأساليب التسلط أدت إلى انتقال الأجهزة الأمنية من كونها موظفة بنيويا في خدمة السياسة، إلى حالة الإشراف العام على الحراك السياسي والاجتماعي، ثم إلى ابتلاع تدريجي لهذا الحراك. مما أدى إلى طغيانها على كافة مظاهر الحياة وقتلها. فتحولت الدولة إلى دولة أمنية تسحق كل من يتنفس دون إذنها.
وتجسدت ثقافة الإقصاء أيضا في ظاهرة القائد الأبدي «الملهم» والذي يمسك بيده خيوط الأجهزة الأمنية الأخطبوطية. وهو الوحيد الذي يرسم ليس السياسة فقط بل الحياة برمتها. وهذا أدى بطبيعة الحال إلى حالة الاستلاب والغربة بين الدولة والمجتمع. وأيضا انكفاء المجتمع إلى الوراء والبحث عن ولاءات بديلة وجدها في المذاهب الدينية، وفي العشيرة والقبيلة ليتم إحياء دورها من جديد.
وكان لهذه الثقافة الدور التدميري داخل كل حزب. حيث ساد الرأي الواحد، وتم إقصاء الآخرين. وتقلص الحزب إلى « المكتب السياسي» ثم إلى الزعيم التاريخي الملهم. ففقدت الأحزاب حيويتها وإمكانية تطورها. وأصبحت معزولة عن المجتمع. وبرزت الخلافات الشخصية ثم الانشقاقات. بحيث أصبح عددها ضعفي ما كانت عليه. وتحولت الأحزاب إلى دكاكين صغيرة تتبادل اتهامات التخوين والعمالة، وتبحث عن الثروة والسلطة ضمن مناخ الفساد السرطاني الذي زرعته الدولة الأمنية.
أما المعارضة فقد تشكلت من الأحزاب التي رفضت الدخول في الجبهة ومن الأحزاب التي انشقت عن أحزاب الجبهة (من بعثيين وشيوعيين وقوميين). وقد دفعت ثمنا باهظا لمعارضتها حين زجها النظام في السجن لأكثر من عشرين عاما. إلا أن هذه المعارضة كانت تنتمي إلى نفس العقلية والثقافة والايدولوجيا. فكانت تسعى خلال فترة معارضتها كلها إلى إسقاط السلطة والجلوس مكانها. وبالتالي لم تتشكل في سورية معارضة ديمقراطية بفعل ثقافة الإقصاء التي كانت سائدة.
بعد نصف قرن من تسلط ثقافة الإقصاء برزت الأزمات الكبرى على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. توقف لمعدل النمو الاقتصادي وتزايد لحجم البطالة والفقر. وأزمة سياسية واجتماعية تمثلت في موت الحياة السياسية. وانتشار الفساد في كافة مفاصل المجتمع والدولة الذي انتشر عمودياً وأفقياً كانتشار نقطة حبر في كأس ماء.
إذ لم يعد الفساد مقتصراً على دوائر السلطة فقط، بل امتد ليشمل المجتمع كله.ومنذ عام 2000 وحتى الآن بدأ مخاض جديد للحركة السياسية السورية كلها سلطة وجبهة ومعارضة. فالجميع نقل برامجه السياسية من إيديولوجياته الانقلابية إلى الدعوة إلى الديمقراطية. والهامش الديمقراطي ضاق أم اتسع ليس هو الديمقراطية ولا يؤدي إليها. وهو كحقل ألغام تصبح الخطيئة فيه هي الأخيرة. والمطلوب هو آلية ديمقراطية علمانية ترتكز على التعددية السياسية الحقيقية والتداول السلمي للسلطة.
إلا أنه كما يلاحظ الكاتب إن ثقافة إقصاء الآخر ما زالت هي المهيمنة على العقل السياسي السوري. ويأمل أن يفرز هذا المخاض ثقافة قبول الآخر كي نتوصل إلى مجتمع قوي ودولة علمانية ديمقراطية حديثة قادرة على الاستجابة لاستحقاقات الوطن في الداخل والخارج.
* الكتاب: ثقافة إقصاء الآخر
* الناشر: دار التكوين - دمشق 2006
* الصفحات:180صفحة من القطع المتوسط

