يقدم هذا الكتاب لمؤلفه د. السيد أمين شلبي خلاصة تجربة وخبرة الكاتب في العمل الدبلوماسي على مدى خمسة وثلاثين عاما تدرج خلالها وتنقل بين العديد من المواقع الدبلوماسية المهمة والمؤثرة.
وقد عايش الكاتب من خلال تجربته تلك قضايا وخبرات وتطورات شكلت بعضها منعطفات تاريخية في العلاقات الدولية والإقليمية، فقد أتاح له تواجده في موسكو ضمن البعثة الدبلوماسية المصرية فرصة المراقبة عن قرب لمحاولات القوتين العظميين آنذاك لنقل علاقاتهما من المواجهة إلى التفاوض، كما شهد كذلك الموقف أثناء اندلاع حرب أكتوبر والكيفية التي حاولت بها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي إدارة الموقف من خلالها.
أما عن فترة تواجده في واشنطن عاملا أيضا ضمن البعثة الدبلوماسية المصرية هناك فقد شهد وعن قرب مقدمات نهاية الحرب الباردة، كما عاصر خلال فترة عمله في النرويج ضمن البعثة المصرية هناك التوصل إلى ما عرف باتفاق أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.
الخبرات المتراكمة حرص الكاتب من خلال كتابه على أن يمزج روايته لهذه التطورات التاريخية بما لها دلالة على العمل الدبلوماسي مع آرائه التي توصل إليها متأثرا باهتماماته الأكاديمية وإنتاجه العلمي في مجال العلاقات الدولية. بداية يحدثنا الكاتب عن نشأته في طفولته وشبابه والعوامل التي أثرت في تلك النشأة وكيف بدأ ينمو لديه الاهتمام بالشأن السياسي.
فعن فترة شبابه يوضح الكاتب أنه كان يهتم كثيرا بإشباع رغباته المعرفية من خلال القراءة التي كثيرا ما طغت على تقدمه في الدراسة ، فلم يكن يهتم كثيرا بدراسته الثانوية غير أن جل اهتمامه كان منصبا على المعرفة الثقافية الخارجية فكان يذهب إلى المكتبة المطلة على نهر النيل في مدينة المنصورة ـ إحدى محافظات شمال مصر ـ والتي كان يجد بها العديد من الكتب مما كان يدعوه لقضاء الوقت بالساعات يوميا في المكتبة.
كما أن المسؤول عن هذه المكتبة كما يصفه د. شلبي كان رجل مكتبات ذا خبرة في عمله ومثقف في الوقت ذاته، وكان هذا المسؤول على ما يذكر الكاتب يعتبر أحد العوامل التي أثرت في شخصيته فكان يقدم له المشورة بصفة دائمة حول الكتب التي يمكن أن يطلع عليها إذا ما لاحظ اهتمامه بموضوع معين. وجاءت ثورة يوليو 1952 لتضفي على اهتمامات الدكتور شلبي في فترة شبابه اتجاها معرفيا معينا وهو الاتجاه السياسي متأثرا بذلك بالمناخ الذي كان سائدا خلال هذه الفترة.
وكان أول ما اهتم د. شلبي بقراءته هو الدوريات العلمية وخاصة السوفييتية منها كما أتاح له عمل أخيه أن يطلع على العديد من الصحف العالمية بشكل شبه منتظم مثل جريدة «النيوزويك» الأميركية و«الإيكونومست» البريطانية. وكانت هذه الفترة كما يصفها الكاتب نقطة تحول في حياته ثم تلى هذه الفترة التي عاش فيها الكاتب هذا المناخ الثقافي السياسي البحت خطوة مهمة في حياته وهي التحاقه بمعهد العلوم السياسية في الوقت الذي كان يمارس فيه عملا آخر وهو الكتابة الصحافية خاصة في الموضوعات السياسية.
وهنا يؤكد د. شلبي على تأثره بعدد من الكتاب المصريين في المجال السياسي والذين كانت كتاباتهم كما يصفها تتميز بالعمق والبعد عن التهويل والتضليل وعلى رأسهم الكاتب المعروف «أحمد بهاء الدين» ثم كان أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية عن امتحان قبول لوظائف أو ملحقين دبلوماسيين وكانت الموضوعات محل الامتحان مطابقة تماما للدراسة المنهجية التي تلقاها في معهد العلوم السياسية فتقدم للامتحان وبعد ذلك بفترة وصله الإخطار بقبوله كأحد موظفي الخارجية المصرية.
واستمر الأمر على هذا النحو لمدة عامين حتى صدرت حركة التنقلات السنوية بالوزارة وتم نقله إلى العمل بالسفارة المصرية في « براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا »، حيث كان أصغر أعضاء السفارة درجة وتولى العمل في شؤون الأمن والشفرة وكلها أمور تخضع لإشراف السفير بصفة مباشرة الأمر الذي قربه من السفير « محمد كامل الرحماني » الذي لاحظ اهتمامه بالكتابة في الشؤون السياسية الداخلية والخارجية الأمر الذي أتاح له متابعة الصحافة العالمية بل
والاشتراك في أبرزها وكذلك العديد من الدوريات والمجلات خاصة تلك التي كانت تعالج شؤون الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي وقضاياه الداخلية والدولية الأمر الذي كان يمثل دافعا للدكتور شلبي لتعميق متابعته لشؤون هذه المنطقة وقضايا الحرب الباردة بين المعسكرين وبالتالي أصبحت « براغ » هي ثقب الباب الذي أطل منه على التطورات السوفييتية والمواقف الدولية.
وهنا يصف الكاتب الواقع السياسي في تشيكوسلوفاكيا في السنوات بين 1963- 1968 قائلا أن هذه السنوات كانت تمثل فترة تفاعل بين التيارات والقوى في الحياة السياسية التشيكية والتي انتهت بما عرف آنذاك بـ « ربيع براغ» الذي ازدهر وبلغ قمته عام 1968 وأنهى النظام القديم ورموزه الموالية للاتحاد السوفييتي وأراد أن يبني - كما عبر الزعيم الجديد في هذا الوقت ألكسندر دوبتشيك - مجتمعا تستعيد فيه الاشتراكية وجهها الإنساني.
وقد اعتبر الاتحاد السوفييتي ودول حلف وارسو هذا التطور تهديدا لمكانة الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي ومن ثم تهديدا لكيان النظام الاشتراكي مما كان يعني أن المسألة لا تتعلق فقط بتشيكوسلوفاكيا وحدها أو بحزبها وإنما بالحفاظ على الترابط العضوي لهذا الكيان، أي أنه يعني كافة الأقطار الاشتراكية وهذا هو نفسه ما عرف فيما بعد بـ « مبدأ بريجنيف ».
وتتمثل أسس هذا المبدأ في أن أي تطور في أي دولة من دول حلف وارسو يختص به بقية أعضاء الحلف ومن ثم من حق الحلف التدخل لتصحيحه. وقد انتهى التعامل السوفييتي مع الموقف في تشيكوسلوفاكيا وفق ما يشير الكاتب استنادا إلى الوقائع التاريخية بغزوها في 21 أغسطس عام 1968 والإطاحة بحكومة دوبشتيك والإتيان بحكومة موالية للإتحاد السوفييتي.
وفي ضوء ما حدث للاتحاد السوفييتي من تفكك يتساءل الدكتور شلبي: ماذا كان سيحدث للتاريخ لو كان القادة السوفييت قد تسامحوا مع تجربة ربيع براغ التي كانت تستهدف إقامة اشتراكية ذات وجه إنساني وتطوير التطبيق الاشتراكي وتفادي أخطائه وبناء مجتمعات أكثر انفتاحا ؟ وسمحوا بامتداد هذه التجربة إلى النظم الاشتراكية الأخرى بما فيها النظام السوفييتي ذاته؟
يجيب الدكتور شلبي على هذا التساؤل بالإشارة إلى أنه ربما لم يكن يتطلب الأمر ظهور زعيم سوفييتي مثل «غورباتشوف » يجيء بإجراءات متسرعة وجذرية لم يكن البناء السوفييتي الداخلي ليتحملها وتؤدي في النهاية إلى تفككه وانهياره.
وينتقل بنا الدكتور شلبي إلى مرحلة أخرى من عمله كدبلوماسي مصري فقد انتقل بعد ذلك إلى العمل بالسفارة المصرية بموسكو بعد حوالي ثلاثة أسابيع من إعلان الرئيس السادات قراره بإبعاد المستشارين السوفييت الأمر الذي كان له أصداء محلية وإقليمية خاصة لدى الدول المحافظة التي لم تكن ترتاح كثيرا للوجود السوفييتي في المنطقة.
غير أنه سرعان ما تدارك الرئيس السادات الأمر من خلال التأكيد للسوفييت على أن هذه الخطوة الإجرائية ليست إلا خطوة شكلية لن تمس بجوهر العلاقات بين مصر والاتحاد السوفييتي. وفي الوقت الذي وصل فيه الدكتور شلبي إلى روسيا كانت العاصمة الروسية تستعد لاستقبال ضيف كبير هو الرئيس الأميركي « ريتشارد نيكسون » حيث جاءت هذه الخطوة كبداية لمرحلة جديدة في العلاقات بين موسكو وواشنطن فيما عرف فيما بعد « بسياسة الوفاق » والتي كانت نتيجة طبيعية للأوضاع القائمة آنذاك في العلاقات الدولية بين القطبين.
فمع نهاية فترة الستينات فرضت توابع أزمة الصواريخ الكوبية 1962 والتي كادت أن تشعل مواجهة نووية بين الطرفين القيام بصياغة طريقة لإعادة ترتيب علاقات القوتين العظميين والعمل على عدم تكرار هذه التجربة وترشيد الجانب الخطير في العلاقات المتصل بالأسلحة الاستراتيجية، الأمر الذي دفعهما إلى التوصل إلى اتفاقيتين مهمتين الأولى هي اتفاقية الحظر الجزئي للتجارب النووية والثانية معاهدة حظر الانتشار النووي.
يأتي هذا في الوقت الذي عاشت فيه علاقات القطبين مرحلة غاية في الأهمية في التاريخ الاستراتيجي لكل منهما تمثلت في توصل السوفييت إلى مرحلة التعادل الاستراتيجي مع الولايات المتحدة في مجال الصواريخ عابرة القارات.
غير أنه رغم هذا الانجاز الاستراتيجي فقد كان هناك خلال في البناء الداخلي للكيان السوفييتي باعتراف المسؤولين السوفييت أنفسهم بأن الاتحاد السوفييتي كان يواجه عددا من الصعاب في ملاءمة التطورات في القطاعات المدنية الصناعية والعلمية. وجاءت هذه التطورات على الساحة السوفييتية سواء على مستوى القوة الاستراتيجية من ناحية أو على مستوى إدراك المصاعب الاقتصادية للإتحاد السوفييتي من ناحية أخرى لتجعل الجانب الأميركي يصر على المضي قدما في انتهاج سياسة جديدة مع الاتحاد السوفييتي تقوم أساسا على مبدأ توازن القوى
والتي كان منظرها الرئيسي واحدا من أبرز الساسة في التاريخ الأميركي وهو «هنري كيسنجر» ، حتى أنه في خطابه عن حالة الاتحاد عام 1970 أعلن الرئيس الأميركي « نيكسون » أن كل إطار للسياسة الدولية قابل للتغيير ولذا فإن التحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة هو أن تتفهم هذا الأمر وأن تحرك سياساتها في إطار يحقق هذه النظرة ضمن تناول جديد للسياسات الخارجية يقوم على أن تواكب الولايات المتحدة عهدا جديد في العلاقات الدولية».
وقام نيكسون بتحديد الهدف العام لهذه السياسة بأنه محاولة لتقديم إطار دائم للسلام وبداية ما أسماه « عصر التفاوض» والذي بدأ بزيارة موسكو عام 1972 وما تلاه من زيارات متبادلة من قبل مسؤولين أميركيين وسوفييت. وقد رأى المحللون في هذه الفترة ـ وعلى رأسهم العاملون بالسفارة المصرية في هذا الوقت حسبما يصف الدكتور شلبي الموقف آنذاك، بأنه كان فترة ترقب لهذه القمم واللقاءات بين مسؤولي الجانبين
وما قد تسفر عنه من مواقف قد تؤثر في الموقف في الشرق الأوسط وأنه ليس هناك اتفاق واضح المعالم حول الأساليب التي يمكن إتباعها حول أحد أهم النقاط الخلافية بين الجانبين وهو الموقف في الشرق الأوسط ، فعلى الرغم من كل تلك المبادئ التي تم إرساؤها للعلاقات بين القوتين إلا أنه سرعان ما سيتبدل الحال في ظل أزمة دولية كحرب السادس من أكتوبر .
كانت تلك الفترة التي قضاها الدكتور شلبي في الاتحاد السوفييتي قد أخذت أكبر قدر من الاهتمام للحديث عنها ضمن صفحات كتابه. غير أنه لم يغفل الحديث عن تجاربه في العمل كدبلوماسي مصري في الولايات المتحدة ونيجيريا والنرويج متناولا أبرز الأحداث التي عاصرها في هذه البلاد على الصعيدين المحلي والدولي وكيف ساعدت كل هذه الأحداث على إكسابه الخبرة طوال هذه السنوات .
يقدم هذا الكتاب لمؤلفه د. السيد أمين شلبي خلاصة تجربة وخبرة الكاتب في العمل الدبلوماسي على مدى خمسة وثلاثين عاما تدرج خلالها وتنقل بين العديد من المواقع الدبلوماسية المهمة والمؤثرة. وقد عايش الكاتب من خلال تجربته تلك قضايا وخبرات وتطورات شكلت بعضها منعطفات تاريخية في العلاقات الدولية والإقليمية ،
فقد أتاح له تواجده في موسكو ضمن البعثة الدبلوماسية المصرية فرصة المراقبة عن قرب لمحاولات القوتين العظميين آنذاك لنقل علاقاتهما من المواجهة إلى التفاوض، كما شهد كذلك الموقف أثناء اندلاع حرب أكتوبر والكيفية التي حاولت بها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي إدارة الموقف من خلالها. أما عن فترة تواجده في واشنطن عاملا أيضا ضمن البعثة الدبلوماسية المصرية هناك
فقد شهد وعن قرب مقدمات نهاية الحرب الباردة، كما عاصر خلال فترة عمله في النرويج ضمن البعثة المصرية هناك التوصل إلى ما عرف باتفاق أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.
* ألفت عبدالله
* الكتاب: بين موسكو وواشنطن
* الناشر: دار الهلال ـ القاهرة 2005
* الصفحات: 182 صفحة من القطع الصغير
