مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة الأميركية ديبرا آن ميلر المختصة بكتب الرحلات وتقديم البلدان الأجنبية إلى الجمهور الناطق بالانجليزية. وفي هذا الكتاب تقدم لمحة تاريخية عامة عن بلد عربي نادرا ما يتحدث عنه أحد هو: ليبيا.
فهي تصف جغرافيته وشعبه وتقول بما معناه: إن ليبيا تحتل مكانة مركزية مهمة بين المغرب العربي الكبير و المشرق العربي، والساحل الإفريقي وهذا يعني أنها تقع على مفترق طرق ثلاث مناطق أساسية فغربا تحدها تونس والجزائر، وشرقا مصر، وجنوبا النيجر وتشاد، وشمالا البحر الأبيض المتوسط.
وبالتالي فليبيا هي صلة وصل بين الشرق والغرب بين العالم العربي وإفريقيا السوداء وهي ثالث دولة في القارة الإفريقية من حيث اتساع المساحة بعد السودان والجزائر فليبيا دولة ضخمة تتجاوز مساحتها مساحة فرنسا بثلاث مرات!
إنها تبلغ مليونا وسبعمائة ألف كيلومتر مربع ومن أهم مدنها: طرابلس، بنغازي، مصراته، درنه، سبها، طبرق، البيضا ثم تردف المؤلفة قائلة: وليبيا جزء من الهضبة الإفريقية حيث تشكل الصحارى 85 في المئة من مساحتها وبالتالي فلم يبق منها إلا 15 في المئة للزراعة فما عدا الشاطئ المتوسطي الأخضر فإنها كلها صحراء.
وهذا يعني أنها مشكلة من ثلاث مناطق أساسية: منطقة جبل النافوسة غربا حيث توجد مدينة طرابلس الغرب ومنطقة الجبل الأخضر شرقا حيث توجد مدينة بنغازي على الشاطئ المتوسطي أيضا وأما المنطقة الثالثة فهي منطقة فزان الشاسعة الواسعة جنوبا: أي منطقة الصحراء الكبرى.
والواقع أن الانقسام الجغرافي الأساسي في ليبيا هو بين المنطقة الواقعة على البحر الأبيض المتوسط سواء أكانت غربا أو شرقا والمنطقة الصحراوية التي تشكل أربعة أخماس البلاد وتعتمد ليبيا بالإضافة إلى البترول على الثروة الحيوانية، أي الأغنام، وعلى الثروة النباتية وبخاصة القمح.
أما عدد سكان ليبيا فقليل جدا بالقياس إلى حجمها إنه لا يتجاوز الستة ملايين نسمة بحسب آخر الإحصائيات ومعظم هؤلاء يسكنون في المدن الشاطئية على المتوسط حاليا: أي بنسبة 85 في المئة.
وأما الخمسة عشرة بالمائة الباقون فيسكنون في الصحارى والواحات ولكن نسبة سكان المدن عام 1950 لم تكن تتجاوز العشرين في المئة وهذا يعني أنه حصلت هجرة كبيرة من البوادي والأرياف إلى المدن الساحلية بحثا عن العمل والحياة الأكثر رفاهية.
والواقع أن الغنى البترولي هو سبب نزوح السكان إلى المدن فبعد اكتشاف البترول بكثرة في ليبيا عام 1960 أصبحت البلاد غنية بعد أن كانت فقيرة ولكن التراث البدوي الذي يميز أغلبية السكان لا يزال هو المهيمن والسائد وهذا ما يفرّق ليبيا عن بقية دول المغرب العربي كالجزائر، وتونس، والمغرب الأقصى باستثناء موريتانيا.
ثم تردف الباحثة قائلة: ويمكن القول بأن خمسة وتسعين بالمائة من سكان ليبيا الحاليين هم من العرب. وأما الناس المتبقون فينتمون إلى الأقلية البربرية التي تسكن جبل النافوسة أساسا وبعض الواحات الأخرى المحيطة بها.
هذا وقد تعاقبت على ليبيا الحضارات المختلفة بحسب الغزاة القادمين من الخارج ولا تزال الآثار الرائعة لهذه الحضارات المختلفة تدل عليها وبالتالي فليبيا غنية بالآثار القديمة ويمكن أن تستغل ذلك من أجل السياحة يوما ما.
وكان من أوائل الغزاة الفينيقيون واليونان والرومان في القرن العاشر وحتى القرن السادس قبل الميلاد ثم تلاهم الفتح الإسلامي والعربي عام 642: أي في أواسط القرن السابع الميلادي تقريبا.
فالفاتح العربي عمرو بن العاص توجه إلى ليبيا بعد أن فتح مدينة الإسكندرية ومصر كلها ولم يلاق أية مقاومة من قبل السكان المحليين سواء في الشرق أم في الغرب فخلال سنة واحدة استطاع أن يسيطر على منطقة بنغازي ومنطقة طرابلس الغرب وما يحيط بهما.
وكان هدف الفتح دينيا بالدرجة الأولى. ولكنه كان تجاريا أيضا فقد حصل الفاتحون على ثروات كبيرة وعلى عبيد كثيرين أيضا وبعد عشر سنوات من موت النبي (ص) استطاع العرب أن يضعوا أيديهم على المناطق الخصبة في تونس والتي أطلقوا عليها اسم: إفريقيا كما سيطروا على الطرق الخاصة بالقوافل التجارية في جنوب ليبيا المحاذي لتشاد وقد سيطر العرب على المناطق الساحلية المحاذية للبحر الأبيض المتوسط، هذا في حين أن البربر ظلوا أسياد الصحراء.
وقد اعتنق هؤلاء الأخيرون المذهب الإباضي الخارجي لكي يتمايزوا عن الإسلام السني للعرب وظلت بينهم بعض الحساسيات حتى أمد قريب ثم تردف المؤلفة قائلة: وفي عام 1551 سيطر سليمان القانوني على طرابلس الغرب وضم ليبيا إلى الإمبراطورية العثمانية التي أصبحت تسيطر على ثلاثة أرباع حوض البحر الأبيض المتوسط.
وللمرة الأولى منذ الفتح العربي راح الأتراك يفصلون ليبيا عن تونس، أي إفريقيا بحسب المصطلح العربي القديم وعين السلطان العثماني أحد الباشوات لحكم ليبيا ولكن سلطته لم تكن تتجاوز طرابلس الغرب إلا قليلا أو قل إنها كانت نظرية أكثر مما كانت عملية أما المناطق الداخلية والصحارى بالإضافة إلى جبل النافوسة فقد ظلت في أيدي القبائل البربرية وغير البربرية.
والواقع أن ليبيا مشكلة أساسا من قبائل عربية وقبائل بربرية. وبالتالي فالانتماء القبلي مهم جدا هناك إنه أهم من الانتماء إلى الدولة المركزية.
ولكن محمد بن علي السنوسي استطاع أن يوحد الليبيين حول الإسلام عندما أسس الطريقة السنوسية عام 1835 وهي طريقة صوفية تدعو للعودة إلى أصول الإسلام والسلف الصالح.
وفي عام 1911 كانت الإمبراطورية العثمانية قد أصبحت الرجل المريض في العالم. وبالتالي فقد استغلت إيطاليا الوضع للتوسع على حسابها في إفريقيا الشمالية وبخاصة في ليبيا.
ففي الرابع من أكتوبر استولى الإيطاليون على مدينة طبرق وكل الشاطئ المتوسطي ولكنهم لم يستطيعوا احتلال باقي البلاد إلا بعد معارك طاحنة استمرت عشرين سنة.
وكان من أبرز أبطالها الشهيد عمر المختار فقد استطاع هذا الزعيم السنوسي الكبير أن يوقف الإيطاليين أو يصدهم حتى عام 1931 وبعدئذ استطاعوا أن يأسروه ويعدموه مباشرة في ساح الوغى.
واليوم يعتبر الليبيون عمر المختار بمثابة الزعيم الوطني الأول الذي فتح الطريق إلى الاستقلال لاحقا.
نقول ذلك ونحن نعلم أن الاستعمار الإيطالي كان استيطانيا. فقد أرسلوا إلى هناك ما لا يقل عن مائة وعشرين ألف شخص مقابل ثمانمائة وثمانين ألفا من عدد السكان! وهذا يعني أن الإيطاليين كانوا يشكلون سبع سكان البلاد وهو عدد كبير بالنسبة للاستعمار وكانوا يعتقدون أن بإمكانهم احتلال البلاد إلى الأبد.
وقد طردوا السكان الأصليين من أراضيهم الخصبة لكي يحلوا محلهم ويستغلوا ثروات ليبيا جيدا ولكن عهدهم لم يدم طويلا فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وهزيمة إيطاليا الفاشية بقيادة موسوليني اضطرت إيطاليا للانسحاب من ليبيا.
وعندئذ استولى الملك إدريس الأول على السلطة عام 1951 ووحد الأقاليم الثلاثة الكبرى للبلاد: أي طرابلس، وبنغازي، وفزان ولكنه وجد نفسه على رأس واحد من أفقر بلدان العالم فالبلاد كانت أمية بنسبة 94 في المئة والتخلف كان سائدا في كافة المجالات.
ولكن سرعان ما تغيرت هذه الحالة عام 1959 عندما تفجر الذهب الأسود في خليج سرت. عندئذ أصبحت ليبيا إحدى القوى البترولية التي يحسب لها الحساب. وعندئذ أخذت القوى العظمى تهتم بها بعد أن كانت قد أدارت لها ظهرها باعتبار أنها بلد فقير بلا أمل ولا مستقبل.
من سبتمبر عام 1969 عندما قلب الضباط الأحرار نظام الملك السنوسي الذي يهيمن عليه طابع القرون الوسطى ولا تزال ليبيا تعيش في عهد القذافي منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاما وهو أطول عهد في تاريخها.
ثم حصلت تطورات عديدة في ليبيا أدت إلى تحديثها وقلبها رأسا على عقب ولكن الطابع الإيديولوجي أو الديماغوجي للنظام القائم أساء إلى التعددية الفكرية والسياسية أو قل قضى عليها وبالتالي فقد تطورت ليبيا اقتصاديا وزراعيا وصناعيا بالقياس إلى السابق، ولكنها أصبحت أقل حرية.
مهما يكن من أمر فإن ليبيا تتمتع بميزات طبيعية وجغرافية لا يستهان بها فالبلاد تحتوي على حقول واسعة للحنطة والزيتون في ضواحي طرابلس والجبل الأخضر وأماكن أخرى وليست كلها صحراء.
وحتى الصحراء لها جمالها وثقافتها وحضارتها. وليبيا قد تصبح من أجمل بلدان العالم سياحيا لو أنها انفتحت على العالم الخارجي يضاف إلى ذلك ثروتها البترولية التي تحسدها عليها جاراتها من الجزائر إلى المغرب إلى تونس.
نقول ذلك وبخاصة أن عدد سكانها قليل بالقياس إلى إمكانياتها وحجمها. وبالتالي فليبيا تمتلك أوراقا لا يستهان بها إذا ما عرفت كيف تستخدم جيدا... ومستقبلها مفتوح على كافة الاحتمالات.
* الكتاب: ليبيا
* تأليف:ديبرا آن ميلر
* الناشر: لوسنت بوكس
نيويورك 2006
* الصفحات: 112 صفحة من القطع الكبير
Libya
Debra Ann Miller
Lucent Books - New York 2006
p.112

