مؤلف هذا الكتاب، هو الباحث الكندي من أصل مصري: جان محسن فهمي وقد اشتغل في البداية صحافياً، ثم أصبح أستاذا جامعيا، وبعدئذ موظفا كبيرا في الإدارة الكندية بالعاصمة أوتاوا كما أنه مختص بدراسة القرن الثامن عشر الأوروبي: أي عصر التنوير.
وقد نشر سابقا عدة كتب مهمة عن فولتير وجان جاك روسو كما ونشر ثلاث روايات حتى الآن، نذكر من بينها: «أمينة والمملوك الأبيض» التي نالت إحدى الجوائز الأدبية وشهدت نجاحا كبيرا في المكتبات، في هذا الكتاب الجديد، يحاول المؤلف أن يقدم رواية تاريخية عن حياة المفكر العربي والإسلامي الكبير عبدالرحمن ابن خلدون ومعلوم أنه مات عام 1406، ولذلك فإن العالم يحتفل الآن بمناسبة مرور ستمئة سنة على وفاته، وستنظم تونس، بلده الأصلي، العديد من المؤتمرات والندوات بهذه المناسبة الكبيرة كما وستنظم مؤتمرات عديدة في شتى أنحاء العالم عن فكر مؤسس علم الاجتماع في التاريخ البشري.
هذا وقد صدرت العديد من الكتب والمقالات عنه في شتى لغات العالم من العربية، إلى الفرنسية، فالانكليزية، فالأسبانية، الخ. وذلك لأن ابن خلدون كان مفكرا كونيا وفيلسوفا للتاريخ.
وفي هذه الرواية التاريخية التي تحكي قصة حياة ابن خلدون منذ البداية وحتى النهاية نجد أن المؤلف يستخدم أسلوب الإثارة والتشويق كما يحصل في الروايات التاريخية عادة.
وهو يختار شخصا أسبانيا لكي يروي على لسانه قصة حياة ابن خلدون هذا الشخص يدعى ألفونسو وكان قد ولد في أحضان عائلة مسيحية في الأندلس في القرن الرابع عشر: أي القرن الذي عاش فيه ابن خلدون بالذات وبما أنه عاش في الأندلس فإنه كان متأثرا جدا بالثقافة العربية الإسلامية على الرغم من أصوله المسيحية.
ثم يواصل المؤلف روايته قائلا: ثم هاجر «ألفونسو» هذا إلى تونس مع عائلته وهناك التقى بالمفكر الكبير عبد الرحمن ابن خلدون فقد اشتراه هذا الأخير كعبد ثم أعتقه وجعل منه سكرتيرا له. ثم خلع عليه اسما عربيا هو: إبراهيم الأندلسي وظل يخدم سيده حتى النهاية.
ولكن الرواية لا تحكي في الواقع قصة هذا الخادم ألفونسو بقدر ما تحكي سيرة حياة ابن خلدون على لسان ألفونسو بالذات وهنا تصبح الأشياء ممتعة ومشوقة حقا. فإبراهيم الأندلسي (أي ألفونسو سابقا) يحكي لنا قصة التقلبات العديدة التي تعرضت لها حياة الفيلسوف العربي الكبير منذ البداية وحتى النهاية.
ويقول لنا بما معناه: ولد أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون في تونس عام 1332 ومات في القاهرة عام 1406 عن عمر يناهز الرابعة والسبعين وبين تاريخ الميلاد وتاريخ الوفاة عاش أحداثا ضخمة تشيب لهولها الولدان.
فقد صعد إلى القمة أكثر من مرة قبل أن يهبط إلى الحضيض ويودع في السجن. وبالتالي فحياته كانت مليئة بالتقلبات والأحداث غير المتوقعة من سلبية وإيجابية.
وهو ينتمي في الواقع إلى أسرة عربية من حضرموت في اليمن ولكنها هاجرت إلى بلاد المغرب منذ زمن طويل وبالتالي فهو عريق في الحسب والنسب وقد خدم في ظل سلالة الحفصيين بتونس لبضع سنوات قبل أن ينتقل إلى خدمة المرينيين في فاس. ثم خدم بعدئذ السلالة المالكة في تلمسان قبل أن ينتقل إلى غرناطة في الأندلس لكي يخدم سلطانها.
وانتهى به المطاف إلى مصر حيث عين قاضي قضاة عن المذهب المالكي بالطبع فإن المؤلف يروي كل ذلك بأسلوب قصصي ممتع وقائم على الإثارة والتشويق. ثم يضيف قائلا بأن أحد الملوك المسلمين أرسله سفيراً إلى ملك كاستيلا بأسبانيا ويدعى بطرس المرعب.
ثم أرسل لاحقاً من قبل سلطان مصر سفيراً إلى السفاح تيمورلنك الذي كان يحتل دمشق ومعلوم أنه كان على رأس جيش المغول وقد استباح المنطقة كلها وأرعب البشر ودمر البلاد والعباد ولكنه أعجب بابن خلدون وشخصيته القوية وعلمه الغزير.
وقد اشتغل وزيراً لدى ملوك عديدين في بلاد المغرب وذلك قبل أن يلقوه في السجن عندما مكر به أعداؤه وفقد الحظوة لدى هؤلاء السلاطين أو الملوك. وهكذا كان ينتقل على التوالي من القمة إلى الحضيض، ومن الحضيض إلى القمة.
ولكي نأخذ فكرة دقيقة عن حياته طبقا للتواريخ الزمنية، يمكن أن نقول ما يلي: في عام 1352 وكان عمره عشرين سنة دخل إلى قصر السلطان أبو إسحاق في تونس ككاتب..
وبعد موت السلطان أطلقوا سراحه وأصبح قاضيا مالكيا في فاس قبل أن ينتقل إلى غرناطة كما ذكرنا آنفا وكان ذلك عام 1362. وفي غرناطة تعرف على كاتب وفيلسوف كبير يدعى ابن الخطيب وأصبح صديقه الحميم.
واستفاد من علمه ومعرفته لأنه كان أكبر منه سنا (1313-1374).وفي عام 1365 غادر الأندلس وذهب إلى تونس حيث أصبح أحد أصدقائه سلطانا لها. وقد عينه رئيسا للوزراء.
وفي ذات الوقت كان يلقي خطبة الجمعة في المسجد الكبير ولكن المدينة سرعان ما سقطت في يد أمير حفصي آخر معاد لصديق ابن خلدون. فلاذ هذا الأخير بالفرار وذهب إلى تلمسان. وهناك كلفه الأمير المخلوع بالسفر إلى عند القبائل البدوية لتجنيد المقاتلين لصالحه.
وفي عام 1375 لجأ إلى إحدى القلاع وراح يكتب مقدمته الشهيرة بالإضافة إلى كتاب تاريخ البربر. وبقي هناك حتى عام 1378 ثم عاد عام 1378 إلى تونس وطلب أن يصبح أستاذا فكان له ما أراد.
وقد منحه السلطان برقوق منصب قاضي القضاة عن المذهب المالكي. وظل يحتفظ بهذا المنصب حتى وفاته. ثم طلب من أسرته التي بقيت في تونس أن تلتحق به في مصر.
ولكن السفينة التي استقلتها غرقت في البحر. وهكذا مات كل أفراد عائلته دفعة واحدة وكان ذلك أكبر حدث مؤلم في حياته المليئة بالأحداث والتقلبات المفجعة. وفي عام 1401 التقى بتيمورلنك للمرة الأولى والأخيرة. ثم عاد إلى مصر ومات فيها عام 1406.
كل هذا يرويه لنا المؤلف على لسان سكرتير ابن خلدون «ألفونسو» بطريقة قصصية ممتعة.
وبالطبع فإن هذا السكرتير يقدم عن سيده صورة رسمية مليئة بالإعجاب ويتبدى لنا من خلال هذه الصورة وكأنه يشبه ماكيافيلي فقد كان رجلا عمليا وصاحب سلطة من جهة، وكان عالما كبيرا ومؤرخا للدول والممالك من جهة أخرى.
ومن خلال سيرة ابن خلدون يقدم لنا المؤلف صورة رائعة عن المدن والأماكن التي عاش فيها وكذلك صورة عن المغرب الكبير في النصف الثاني من القرن الرابع عشر بكل شخصياته وأحداثه. ويبدو لنا ابن خلدون شخصا طموحا إلى المعرفة والسلطة بشكل لا مثيل له.
فما إن يتعرف على بلد ما حتى يفكر بالذهاب إلى بلد آخر للتعرف على شخصيات أخرى وكتب جديدة وآفاق لم تكن في الحسبان وبالتالي فهو لا يمل من السفر والترحال أو قل بأنه كان ملولا بطبعه وبالتالي فهو بحاجة إلى السفر لكي ينسى ملله وضجره.
هكذا تقدم لنا الرواية صورة رائعة عن المنظر الأول لتاريخ الحضارات في العالم فبما أنه تعرف على سلالات مالكة عديدة بل ومارس مهنة الوزارة في بعضها فإنه استطاع أن يدرس تركيبة السلطة وآليتها من الداخل. وعن هذه الدراسة نتجت كتبه الكبرى كالمقدمة لتاريخ العرب والفرس والبربر.
وقد خرج بنظرية مفادها أن الحضارات تولد وتنضج وتموت مثلها مثل الأفراد. وعمر كل حضارة أو سلالة مالكة لا يتجاوز عادة الثلاثة أجيال: أي مئة وعشرين سنة.
وقد قال عنه المؤرخ الانكليزي الشهير ارنولد توينبي ما يلي: لقد بلور أعظم فلسفة للتاريخ في كل العصور! وهذه شهادة لا تقدر بثمن لأنها آتية من طرف عالم ومؤرخ كبير جدا.
* الكتاب:ابن خلدون: بين التكريم وزوال الحظوة
* تأليف : جان محسن فهمي
* الناشر: لانترليني ـ كيبيك (كندا) 2006
* الصفحات :377 صفحة من القطع الكبير
Ibn Khaldoun
l'honneur et la disgrâce
Jean-Moshen Fahmy
L'Interligne- Québec(Canada) 2006
p. 33

