مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور ريتشي روبرتسون أستاذ اللغة والآداب الألمانية في الجامعات الانجليزية وكان قد ألف دراسات عديدة عن الأدب الألماني منذ عصر التنوير وحتى اليوم وقام بتدريس نصوص كبار الكتاب والفلاسفة من أمثال هوفمان، هاينيه، نيتشه، ريلكه، توماس مان، الخ.

وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن أحد كبار شعراء ألمانيا في القرن التاسع عشر هاينريش هاينيه، ومعلوم أنه ولد في مدينة دوسلدورف عام 1797 ومات غريبا في باريس عام 1856 عن عمر يقارب الستين.

وقد حاولت عائلته منذ البداية توجيهه نحو التجارة لأنها تدر المال الوفير وتبعد عنك شبح العوز والفقر ولكنه فشل في هذا المجال فشلا ذريعا بسبب طبيعته الرومانطيقية وميوله الأدبية.

ينبغي العلم بأن عائلته كانت يهودية وأن والده اشتغل في التجارة وجمع ثروة لا يستهان بها في ظل الاحتلال الفرنسي لألمانيا أيام نابليون الذي غزاها كما هو معلوم.

ولكن هاينيه قرر تغيير ديانته واعتناق المسيحية في مذهبها البروتستانتي، وهو المذهب الغالب في ألمانيا. وقال عندئذ هذه العبارة: لقد قررت اعتناق المسيحية لكي آخذ جواز سفر يتيح لي أن أدخل إلى الثقافة الأوروبية وأصبح عضوا فاعلا فيها.

ومعلوم أن القوانين الألمانية آنذاك كانت تفرض قيودا قاسية على اليهود في المدن الألمانية وتمنعهم من الوصول إلى المناصب الجامعية في أحيان كثيرة. وكان هاينيه يطمح إلى أن يصبح أستاذ جامعة في قسم الآداب.

ولكن هاينيه على الرغم من تخليه عن يهوديته لم يستطع تحقيق هدفه. وظل طيلة حياته منقسما على نفسه ومتوزعا بين هويته اليهودية وانتمائه الجرماني أو الأوروبي. نقول ذلك على الرغم من أنه علّق آمالا كبيرة على فلسفة التنوير الكونية وابتعد كثيرا عن انتمائه الطائفي.

ثم يردف المؤلف قائلا: وفي عام 1871 قرر مغادرة ألمانيا والاستقرار في باريس عاصمة الحضارة والثقافة الأوروبية وكان مشاءً كبيرا، والمشي ممتع جدا في مدينة كعاصمة النور وقد سبق بودلير إلى معاشرة العاهرات في الحي اللاتيني ينبغي العلم بأن عمر بودلير آنذاك كان لا يتجاوز السنوات العشر.

وكثيرا ما كان يغير سكنه، ولكنه لم يكن يبارح حي مونمارتر الجميل إلا قليلا. ثم تعرف عام 1834 على فتاة فرنسية وتزوجها عام 1841. وفي ذلك الوقت كان يتردد كثيرا على الاشتراكيين الطوباويين وفي طليعتهم المفكر الكبير سان سيمون.

وفي عام 1843 عاد إلى بلاده ألمانيا في زيارة خاصة ولكن السلطات منعته من نشر أعماله الأدبية أو الفكرية. وكان قد نشر آنئذ كتابا بعنوان: ألمانيا: حكاية شتاء هذا وقد نشر لصديقه كارل ماركس مقالة في المجلة التي كان يصدرها ومعلوم أن ماركس كان منفيا مثله وملاحقا من قبل السلطات الألمانية.

في الواقع أن هاينيه كان شاعرا رومانطيقيا قبل كل شيء، ثم تجاوز المدرسة الرومانطيقية لاحقا. وقد خلع المشروعية على استخدام اللغة العامية في الشعر ولكنه كان أيضا صحافياً ومفكرا منخرطا في هموم عصره وقضاياه.

وكان الناس يحترمونه بقدر ما يهابونه خوفا من سلاطة لسانه أو براعة قلمه اللاذع، ويبدو أن ابن تاجر القماش كان قد ابتدأ كتابة قصائد الحب منذ المراهقة وقد وقع في حب ابنة عمه الغني ولكنهم رفضوا تزويجها له لأنه كان فقيرا. ولم يستطع نسيانها إلا بعد زمن طويل. وقد كرس لها مجموعته الشعرية: كتاب الأناشيد.

ثم يردف المؤلف قائلا: ينبغي العلم بأن باريس كانت عاصمة الحرية في ذلك الزمان إذا ما قسناها بالمدن الألمانية المحكومة من قبل الإقطاع والاستبداد. فباريس بعد نصف قرن من الثورة الفرنسية كانت تؤمن للكاتب حرية التفكير والنشر والتعبير.

أما ألمانيا فكانت قد أدانت عصبة «ألمانيا الفتاة» التي ينتمي إليها هاينيه مع آخرين عديدين. وهي عصبة تدعو إلى تجديد الأدب والحياة السياسية الألمانية وبعد أن استقر في باريس راح هاينيه يلعب دور الوسيط الثقافي بين ألمانيا وفرنسا فقد عرّف الفرنسيين بالفكر الألماني وعرّف الألمان بالتيارات الفكرية والأدبية الفرنسية.

وهكذا لعب دورا إيجابيا في التقريب بين الشعوب. ومعلوم أنه ألّف كتابا مهماً عن تاريخ الدين والفلسفة في ألمانيا، وكتب العديد من المقالات عن الحياة الأدبية والمسرحية والسياسية الفرنسية.

والواقع أن هنري هاينيه كان يمتلك كل المواهب التي تجعل من الإنسان كاتبا. فقد كان حساسا جدا، ملتهب المشاعر والأخيلة، بارعا في أسلوب الكتابة. ويبدو أن أمه أثرت على طبيعته وتوجهاته.

ومعلوم أنها كانت مثقفة تتقن عدة لغات كالفرنسية، والانجليزية، واللاتينية هذا بالإضافة إلى الألمانية بالطبع.وكانت متأثرة جدا بجان جاك روسو، وقد ربّت ابنها على محبته.

ولكن طفلها كان شديد الحساسية. وهذا ما سبب له لاحقا المرض النفسي الذي عانى منه طيلة النصف الثاني من حياته. فقد كان يصرخ بعنف إذا ما سمع ضجة ما أو صوتا عاليا.

ولكن المرض الذي أصيب به وأجبره على ملازمة الفراش كثيرا أدى إلى تعميق أفكاره وفلسفته في الحياة. وهكذا أصبحت كتاباته ذات مسحة إنسانية رائعة، وكذلك أشعاره.

ومن باريس كتب قصيدة حنين إلى ألمانيا يقول فيها: «آه يا ألمانيا، يا حبي البعيد عندما أفكر فيك تصعد الدموع إلى عيني وفرنسا المرحة تبدو لي كئيبة. وشعبها اللطيف يبدو لي مزعجا ثقيلا وحده الحس الصائب البارد والناشف يرين في باريس آه يا أجراس الجنون، آه يا أجراس الإيمان. كم يبدو وقع رنينينكما حلوا على قلبي!

يبدو لي أني أسمع من بعيد بوق الحارس الليلي إنه لصوت أليف وحنون أغاني الحارس الليلي تعبر المسافات حتى تصل إلى قلبي مختلطة بتغاريد العندليب» هكذا نلاحظ أن هاينيه لم يستطع أن ينسى ألمانيا على الرغم من أنها أهانته وعذبته بل وطردته. فذكريات الطفولة والشباب الأول لا يمكن أن تنسى.

والشاعر الغريب حتى ولو كان سعيدا في منفاه يظل غريبا فلا شيء يعوض عن الوطن إلا الوطن ولكن الوطن الألماني في ذلك الزمان ما كان يرحب بكتابه وشعرائه.

كان لا يزال مستبدا يكره المثقفين ويحارب ميلهم غير المفهوم للحرية والانطلاق وعدد المثقفين المنفيين كان كبيرا آنذاك ومعظمهم كان يتوجه إما إلى باريس، أو إلى لندن وأكبر مثال على ذلك كارل ماركس الذي هرب إلى باريس أولا قبل أن يستقر في لندن لاحقا.

ثم يردف المؤلف قائلا: لقد كان هاينيه شاعرا رومانطيقيا على غرار غوته وشيلر وهولدرلين وعشرات الآخرين. ولكنه حاول تجديد الرومانطيقية لغة وأسلوبا ومعاني. وقد حاول إقامة المصالحة بين الشعر الكلاسيكي والشعر الرومانطيقي.

وقد كتب إلى أحد أصدقائه مرة يقول: «كنت مريضا وتعيسا لفترة طويلة في حياتي. ولكني الآن لم أعد كذلك. أو قل إني مريض وتعيس إلى حد النصف فقط. وربما كانت هذه الحالة تمثل السعادة على هذه الأرض. أما فيما يخص الشعر فوضعي أفضل. لقد تأثرت منذ طفولتي الأولى بالأغاني الشعبية الألمانية.

وفيما بعد تعرفت على ويلهلم شليغل الذي علمني فن الشعر والنظم. وقد تأثرت به وبالحركة الرومانطيقية عموما. ولكني حاولت تجاوز ذلك إلى صيغ شعرية أخرى».

مهما يكن من أمر فإن الرحلات أثرت على أشعار هاينيه وأغنتها. ومعلوم أنه ابتدأ منذ عام 1827 رحلته الطويلة إلى الخارج. فقد ذهب أولا إلى لندن، ولكنه ضجر فيها كثيرا ولم يحبها.

في الواقع أن انجلترا كانت بعيدة عن قلبه. وكان يرى أنها تكره نابليون أكثر من اللزوم. وبما أنه كان من أتباع الثورة الفرنسية محبا لنابليون فإن مشاكله مع الانجليز وعقليتهم كانت كبيرة.

ثم ذهب بعدئذ إلى مدينة ميونيخ في جنوب ألمانيا، واشتغل هناك في إحدى الجرائد التي تدعى: الحوليات السياسية. وبعدئذ سافر إلى إيطاليا حيث تعرف على جنوة، وفلورنسا، وبولونيا، والبندقية.

وفي نهاية عام 1829 عاد إلى هامبورغ في شمال ألمانيا.وهكذا حقق هاينيه حلمه الكبير في زيارة إيطاليا وهو الحلم الذي يراود كل شعراء ألمانيا الكبار من أمثال غوته وسواه كلهم يريدون في مرحلة ما من مراحل حياتهم أن يزوروا بلاد الشمس الساطعة للجنوب الأوروبي الدافئ.

وقد كتب هاينيه بعدئذ مقالا مهماً يقول فيه: لكل قرن من القرون رسالته الكبيرة التي تقع على عاتقه مهمة إنجازها وبالتالي فالسؤال المطروح هو التالي: ما هي المهمة الملقاة على عاتق قرننا؟ إنها تحرير الشعوب المضطهدة في كل مكان من أنحاء العالم.

فالشعوب الأوروبية تواقة إلى التحرر من نير الإقطاع والعبودية والامتيازات التي تتمتع بها الطبقات الأرستقراطية منذ قرون وقرون وهذا ما فعلته الثورة الفرنسية في باريس. وهذا ما ينبغي أن يحصل في كل مكان.

والواقع أن كل فلسفة هنري هاينيه تكمن هنا: إنه من أبناء عصر التنوير الذي أدى إلى اندلاع الثورة الفرنسية وتدمير سجن الباستيل والعهد القديم كله.

* الكتاب:هاينيه

* تأليف : ريتشي روبرتسون

* الناشر: بيتر هالبان بوبليشرز

لندن 2006

* الصفحات :128 صفحة من القطع الكبير

Heine

Ritchie Robertson

Peter Halban Publishers

London 2006

P.128