مؤلف هذا الكتاب هو الناقد الانجليزي نيكولاس تاكر وكان في البداية مدرسا، ثم مربيا في المدارس، ثم أصبح أستاذا محاضرا في قسم الدراسات الثقافية في جامعة سوسيكس.
وفي هذا الكتاب يتحدث المؤلف عن واحد من أهم الروائيين الانجليز المعاصرين: فيليب بولمان، ومعلوم أنه أصبح مشهورا بعد أن نشر ثلاثيته التي اتخذت العنوان التالي: على مفترق طرق العالم ويكشف لنا الناقد نيكولاس تاكر عن المصادر التي استوحاها فيليب بولمان لتأليف رائعته الأدبية الكبرى، ومن بين هذه المصادر الفردوس المفقود للشاعر الكبير جون ميلتون. وهنا يقول المؤلف ما يلي: لقد ألفت هذه القصيدة الملحمية بين عامي 1658-1663، أي على مدار خمس سنوات. وهي بدون شك إحدى روائع الأدب العالمي في كل العصور. وقد استلهمها ميلتون من العهد القديم لكي يوضح العلاقات الكائنة بين الله والبشر.
وفيها يروي لنا كيفية طرد آدم وحواء من الجنة ولكنه في البداية يعرض لنا الشيطان وهو محاط بالملائكة المخلوعين أو المطرودين من الجنة مثله.
كما ويظهره لنا وقد أصبح في هاوية الجحيم بعد أن كان في جنة النعيم. ولكن الشيطان لم يستسلم للمقدور وإنما راح يفكر بتشكيل إمبراطورية مضادة للكون الذي خلقه الله عز وجل وبما أنه ذكيّ ولعين جدا فإنه لم يدخل في معركة مباشرة مع القدرة الإلهية.وإنما راح يفكر في مخطط جهنمي لإفساد المخطط الإلهي في الكون.
وهكذا هرب من جهنم مع ولديه، أي الخطيئة والموت، وذهب لإفساد البشر على الأرض التي كان الله قد خلقها للتو. ثم صعد إلى الجنة وحاول إفساد آدم وحواء عن طريق إقناعهما بأكل تفاحة المعرفة المحرمة من قبل الله.
ثم يردف المؤلف قائلا:ولكن بما أن الملاك رافائيل حذرهما من ألاعيب الشيطان الماكرة فإنهما رفضا ذلك. فإذا بالشيطان يعود متنكرا على هيئة ثعبان لكي ينفذ غرضه. وقد جرب محاولته مع حواء لكي يغريها وقال لها بأن الله غيور منهما ولا يريد لهما أن يأكلا التفاحة لكيلا يصبحا آلهة مثله!
وعندئذ لم تستطع حواء مقاومة الإغراء فأكلت التفاحة من الشجرة ولحق بها آدم وعندئذ غضب الله عليهما وطردهما من الجنة هذا هو ملخص القصة التي بنى عليها ميلتون كتابه الفردوس المفقود.
والواقع أن فيليب بولمان تأثر بها لسبب بسيط هو أنه كان قد قرأها في المدرسة عندما كان صغيرا لا يتجاوز عمره السادسة عشرة.
وقد أعجب كثيرا بقوة الأسلوب وموسيقاه وشاعريته. ومعلوم أن جون ميلتون كاتب لا يضاهى، وانجليزيته لا تقل روعة عن انجليزية شكسبير.
يضاف إلى ذلك أن القصة أعجبته أيضا. وقد استطاع بعد سنوات طويلة أن يقرأ بعض أبيات الفردوس المفقود عن ظهر قلب لأنه كان قد حفظها منذ الطفولة. وقد تأثر في ثلاثيته بالفردوس المفقود بشكل حرفي أحيانا ولكنه انحرف عنها كثيرا أحيانا أخرى لأن الكاتب المبدع لا يتأثر بكل شيء على عكس المقلد بشكل أعمى.فموهبته تمنعه من أن يكون مقلدا على طول الخط.
إنه يهضم كل القراءات السابقة والتأثيرات ثم يتجاوزها لكي يضيف إليها إبداعه الخاص. والفرق بين ميلتون وفيليب بولمان هو أن الأول يضفي تلوينا تيولوجيا أو لاهوتيا على رائعته: الفردوس المفقود. أما الثاني فيضفي تلوينا علمانيا لا علاقة له بالدين على ثلاثيته الرائعة.
ولكن في كلتا الحالتين نلاحظ أن الموضوع الأساسي يظل هو الصراع الأبدي الذي لا ينتهي بين الخير والشر. أما الكاتب الثاني الذي أثر على فيليب بولمان فهو الشاعر الكبير ويليام بليك، فهو أحد أبطال الأدب الذين أعجب بهم أيما إعجاب. ومعلوم أن بليك ولد في لندن عام 1757، أي في منتصف القرن الثامن عشر، عصر التنوير.
وكان هذا الكاتب الكبير يعتقد أننا نلمح الحب الإلهي في شطحات الخيال أكثر مما نلمحه في الفكر العقلاني المنطقي. وهو يقصد بذلك الحب الإلهي للتعاطف أو للشفقة أو الحنوّ والرحمة وهو الحب الذي يغمرنا جميعا، نحن مخلوقات الله.
وكان يقول: لو أن أبواب التصور والإدراك طهرت ونظفت لبدا لنا كل شيء كحقيقة واحدة: أي لا نهائي. وبالتالي فالعالم الذي نعيش فيه هو عالم المادة والأكل والشرب والتناسل، وهو ليس العالم الحقيقي أو الأبدي المليء بالجمال.
إنه ظل العالم الحقيقي، أو خياله أو شبحه. هذا ما كان يقوله ويليام بليك. ومعلوم أنه كان يرى عالم المثل والأحلام وراء عالمنا الأرضي هذا وكان يدهش معاصريه بذلك إلى حد أنهم شكوا في إمكانياته العقلية ونعتوه بالجنون. فقد كان يتحدث مع القوى الخفية أو اللامرئية.
ثم يضيف المؤلف قائلا: وكان بليك مهتما جدا بالتناقض الصارخ الكائن بين البراءة والتجربة وقد كتب قصائده الأكثر شهرة حول هذا الموضوع.
والكثير من قصائده تتحدث عن «فتاة صغيرة ضائعة» اسمها «ليكا» ونعتقد أن فيليب بولمان استلهم ذلك في روايته: على مفترق طرق العالم فهو أيضا يتحدث عن فتاة تدعى «ليرا»، وهو اسم يشبه إلى حد ما اسم ليكا.
يضاف إلى ذلك أن التوتر بين البراءة والتجربة هو أحد الموضوعات المفضلة لفيليب بولمان، وطالما تطرق له في رواياته فالبراءة تسبق التجربة، والتجربة قد تلوث البراءة.
ولكنه كان يعتقد أن التجربة تحل لاحقا محل البراءة دون أن تفسدها بالضرورة. يضاف إلى ذلك أن ويليام بليك كان يعتقد أن الروح البشرية ينبغي أن تمر أولا بالعالم الأرضي الفاسد قبل أن تحلق عاليا وتعرف عالم البراءة والخلود والصفاء.
في أحد أعماله التي تتخذ العنوان التالي: «ميلتون» نلاحظ أن ويليام بليك يصحح لسلفه الكبير فكرته عن الخطيئة الأصلية، فهو يتخيله وقد عاد من دار الأبدية والخلود إلى عالمنا الحالي وأعلن تخليه عن الخطيئة الأصلية والعقوبة الأبدية وإيمانه بإمكانية الغفران لكل البشر إذا ما تابوا وتراجعوا عن أخطائهم وذنوبهم.
ثم يضيف المؤلف قائلا: كان بليك يرى أن هناك أشباحا تقض على الإنسان مضجعه ولا تتركه يرتاح سعيدا هي الدولة، والكنيسة، ومحاكم التفتيش. وبالتالي فينبغي أن نحاربها ونبعدها عنا.
وكذلك فعلى فيليب بولمان في ثلاثيته. فقد هاجم الأشباح أيضا ولكنها لم تعد الأشباح نفسها بالطبع وإنما تحولت وتغيّرت فآلات القمع التي تهدد الحياة الحديثة لا تقل خطورة عن آلات القمع القديمة.
وكان بليك يرى أن الحياة المادية لا تكفي للإنسان وإنما تلزمه حياة روحية تتعالى على الماديات ولذلك زعم أنه يتحدث مع الملائكة: أي مع كائنات غير مرئية.
وقد تأثر فيليب بولمان به بشكل ما عندما أدخل الرموز والأساطير إلى ثلاثيته الروائية وهكذا امتلأت بالكائنات الخرافية التي طالما شغلت خيال الناس في العصور السابقة.
وعلى هذا النحو جمع الكاتب بين قارئ العصور القديمة وقارئ العصور الحديثة من خلال التركيز على تواصلية الخيال البشري، فنحن أيضا بحاجة إلى خيالات وأوهام حتى ولو كنا نعيش في عصر العلم والعقل والتكنولوجيا.
ثم يردف المؤلف قائلا: وهناك كاتب آخر أثر على فيليب بولمان هو الشاعر والمسرحي الألماني الكبير هنريش فون كلايست.
ومعلوم أنه ولد عام 1777 وكان ضابطا في الجيش قبل أن يصبح فيلسوفا ولكنه بعد أن اطلع على أعمال إيمانويل كانط استنتج أن الكائنات البشرية لن تتوصل أبدا إلى الحقيقة المطلقة في أي مجال من المجالات.
ولذلك أدار ظهره للفلسفة وراح يتفرغ للكتابة الأدبية. وهكذا كتب عدة مسرحيات بالإضافة إلى قصص قصيرة عديدة، وفي عام 1811 انتحر عن طريق إطلاق رصاصة على رأسه بعد أن وصل إلى حافة اليأس المطبق.
وقد تأثر فيليب بولمان بأعمال كلايست والتساؤلات الفلسفية العميقة التي يطرحها. ولكن ثلاثيته تظل عملا أدبيا مليئا بالنزعة الإنسانية: أي بالثقة بمستقبل الإنسان وإمكانياته فالإنسان قادر على صنع المعجزات وفعل الخير أيا تكن الصعاب التي يتعرض لها في طريقه.
* الكتاب:ظلمة منيرة
* تأليف: نيكولاس تاكر
* الناشر:ويزارد بوكس ـ لندن 2005
* الصفحات: 224 صفحة من القطع المتوسط
Darkness visible
Nicholas Tuker
Wizard Books- London 2005
p.224

