لا حصر للمرات التي تم فيها تشبيه الروائي الأميركي جاي ماكنرني بمواطنه العظيم ف. سكوت فتزجيرالد، فقد حقق كل منهما نجاحاً هائلاً في مرحلة جد مبكرة من حياتهما الإبداعية، وكافح كل منهما ليشق طريقه بعيداً عن دائرة الضوء التي حاصرته وتوقعات النجاح الكبير التي أطبقت عليه، واشتهرا بأسلوب حياتهما بالقدر نفسه الذي اشتهرا به من خلال كتبهما.
وبينما كتب فتزجيرالد رائعة نادرة المثال تعد من بين الأعمال الأخيرة في مسيرة إبداعه، وهي رواية «غاتسبي العظيم» التي لايزال يتعين على ماكنرني، أو أي كاتب عالمي آخر إذا شئنا الدقة، أن يكتب نظيراً لها.
أما ماكنرني فقد قام بشيء مختلف، قد يبرهن بمرور الوقت على أنه أكثر إثارة للاهتمام وهو أنه تجاوز مراحل التردي التي عرفتها حياته، وواصل العكوف على العمل، وهو اليوم يبدع نوعية الأعمال التي كان يمكن أن نتوقعها من فتزجيرالد لو أنه قدر له أن يحيا بعد عامه الرابع والأربعين.
لهذا،بالضبط، فإن رواية ماكنرني الصادرة مؤخراً عن دار الفريد نوف النيويوركية تستحق اهتماماً استثنائياً، بل ولا يتردد العديد من النقاد في وصفها بأنها أفضل أعمال ماكنرني على الإطلاق منذ إصدار روايته «أضواء باهرة، مدينة كبرى» في عام 1984 .
لكن لماذا تستقطب هذه الرواية كل هذا الاهتمام؟ لماذا يرى بعض النقاد أنها تردد أصداء «غاتسبي العظيم» بمفاهيم أخرى؟ إلى أي حد تعكس هذه المقارنة دقة في التناول؟
في أبسط مفاهيمها، تتناول رواية «الحياة الطيبة» قصة عائلتين من عائلات مانهاتن في الأيام التي سبقت أحداث الحادي عشر من سبتمبر وأعقبتها.
نحن نلتقي من ناحية مع لوك وساشا، وهما زوجان ثريان ينتميان إلى الشريحة الاجتماعية العليا التي تسكن منطقة الايست سايد في نيويورك، ومن ناحية أخرى نجد أنفسنا وجهاً لوجه مع راسل وكورين.
وهما محرر أدبي وزوجته يقطنان وسط نيويورك، وكانا بطلي رواية سابقة لماكنرني، هي رواية «شلالات الوهج» وهما يعيشان حياتهما الآن كما لو كانا يسيران في نوفهمها، فهما يقيمان الحفلات ويشهدان الحفلات التي يقيمها الآخرون، ويعيشان مع أقارب لهما لم يعودا يثقان بأن صلة المحبة تربطهما بهم، ويبذلان قصارى جهدهما لتربية أبنائهما.
سرعان ما نكتشف أن لوك هو مصرفي هجر وظيفته التي تدر عليه ملايين الدولارات بحثاً عن شيء يكفل له حياة أكثر تحققاً، بينما تخونه زوجته مع منافس سابق له.بالمقابل فإن كورين هي أم من النوع الذي يؤثر البقاء في البيت، بينما زوجها أكثر اهتماماً بالعمل وبالنساء الأخريات منه بعائلته.
في غمار هذا كله يبدو لنا أن أياً من لوك أو كورين لا يرى أمامه مخرجاً من حياة زوجية تلك أبعادها. وينتهي بهما الأمر إلى التطوع للعمل في مطبخ نقال مقام قرب موقع انهيار برجي المركز التجاري في نيويورك في الأيام التي تلت مباشرة أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ويقع أحدهما في غرام الآخر، ويخططان لمستقبل يضمهما معاً في رحابه.
على صعيد آخر، فإن «الحياة الطيبة»، حسب رؤية بعض النقاد هي عمل شخصي بصورة بالغة العمق، بل إنها عمل ماكنرني الأكثر اتساماً بالطابع الشخصي منذ أضواء باهرة، مدينة كبرى، حيث تبدو هذه الرواية للعديد من القراء كما لو كانت تنويعات على حياة مؤلفها.
وربما كان هذا الاعتقاد، أو إن شئت الدقة فقل هذا الانطباع، راجعاً في المقام الأول إلى أن ماكنرني، شأن فتزجيرالد من قبله، يصل إلى أفضل مستويات الإبداع عنده عندما يضع تجاربه في صميم حياة شخوصه.
ومن المحزن أنه في حالة فتزجيرالد انتهت حياته وهو وحيد، مفلس، لا يكاد يفيق، وقد نسيه الجميع، وانحسرت عنه الأضواء التي لم تكن تفارقه أبداً.
وربما يكون ماكنرني قد سار على درب فتزجيرالد بشكل أو بآخر، وبدا للكثيرين في وقت من الأوقات أنه يوشك على تدمير حياته، غير أنه لحسن الحظ لم يصل إلى هذا الحد.
لقد تساءل الكثيرون، في وقت من الأوقات، عن نوعية الكاتب الذي كان يمكن لفتزجيرالد أن يكونه لو أنه لم يرحل عن عالمنا في مثل هذه الظروف المروعة وهو في الرابعة والأربعين من العمر. وقد بدأ ماكنرني، وهو أقرب خلف يمكن تصوره لفتزجيرالد يوضح لنا ما كان يمكن أن يعطينا إياه فتزجيرالد من إبداع أدبي نادر.
وعلى الرغم من أن «الحياة الطيبة» تبدو لنا عملاً جديراً بالإشادة من الجميع، إلا أن الأمر ليس كذلك على وجه الدقة.
فها هي لويز ميناندر، المحررة الأدبية لمجلة «نيويوركر» تؤكد لنا في عرض مطول لـ «الحياة الطيبة» أن هذه الرواية تعمل بجد لاستحضار فقاعة حياة الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة في نيويورك، ولكن ليس بالقدر الكافي من الجد.
وتتوج لويز ميناندر نقدها الصارم للرواية بالقول إن نثرها، شأن حبكتها، يغوص أحياناً إلى هوة التقليدية.
في مقال مطول أيضاً، يذهب بنجامين سترونج، الناقد بمجلة «فيلج فويس» إلى تنبيه القارئ إلى أن «الحياة الطيبة» يصعب التعامل معها من دون العودة إلي حياة مؤلفها بكل ما تحفل به من تقلبات تشبه الأعاصير.
وفي ختام المقال نفسه، لا يتردد سترونج في الإعراب عن اعتقاده بأن «الحياة الطيبة» قد تكون الرواية الأكثر استفزازا حتى الآن من بين كل الروايات التي دارت حول أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ويرجع ذلك على وجه الدقة إلى أنها تجرؤ على الإشارة إلى أن معظم الأميركيين لم تغيرهم هذه الأحداث على الإطلاق.
ولكن ماذا عن رؤية ماكنرني نفسه لهذا العمل؟ ما الذي يريد أن يقوله على صفحاته؟ ما الذي تعنيه بالنسبة إليه «الحياة الطيبة»؟ وربما الأهم من ذلك كله هو السؤال: إلى أين من هنا بعد «الحياة الطيبة» في مشوار إبداع ماكنرني؟
كل هذه الأسئلة تبدو، لأول وهلة، صعبة ومعقدة، وربما من المستحيل اقتحام مغاليقها.لكن الأمر ليس كذلك تماما بالنسبة لماكنرني نفسه، فهو لا يتردد في حوار نادر معه في القول إن «الحياة الطيبة».
هي أولاً وقبل كل شيء آخر قصة حب تدور حول الطريقة التي أثرت بها صدمة سبتمبر الجماعية على الكثير من الأميركيين وبصفة خاصة على المقيمين في نيويورك، ودفعتهم إلى إعادة تقويم حياتهم، وإعادة فحص قيمهم، حياتهم العملية، وزيجاتهم.
وهي رواية تدور حول صعوبة قيام المرء بإعادة اختراع ذاته في مسار متغير في منتصف العمر.
ليكن، هذه هي رؤية ماكنرني على لسانه، وهي مسجلة وموثقة. ولكن ماذا عن علاقة «الحياة الطيبة» بأعماله الأخرى؟
لا يتردد البعض ـ في واقع الأمر ـ في الإعراب عن اعتقادهم بأن «الحياة الطيبة» هي بمثابة المرحلة الثالثة لماكنرني، باعتبار أن المرحلة الأولى تتمثل في «أضواء باهرة، مدينة كبرى» والمرحلة الثانية هي «شلالات التوهج».
في مواجهة هذا الطرح، يرى ماكنرني أن «الحياة الطيبة» هي بداية المرحلة الثانية بالنسبة له، أو الفصل الثاني الذي لا يفترض أن يكون موجوداً بالنسبة للكتاب الأميركيين، وهو يرفض تصور أن تكون هناك دفعة ثالثة للكتاب الأميركيين.
وهو يرفض تصور أن تكون هناك دفعة ثالثة أو رابعة إذا كان ذلك في ضوء الحديث عن روايته الثالثة «قصة حياتي» في إطار تأريخه الغريب لنيويورك منذ الثمانينيات.ل
كن السؤال الفضولي الذي لاشك أنه يخطر ببال الكثيرين من محبي عالم ماكنرني الروائي هو بالتأكيد ما يلي: ما الذي جعله يعود إلى شخصيات «أضواء باهرة، مدينة كبرى» ليصحب أبطالها إلى رحاب رواية جديدة بأمها وأبيها؟
إن ماكنرني نفسه لا يتردد في التصدي لعلاقة الاستفهام هذه على وجه الدقة، حيث يذهب إلى القول إنه أراد على الدوام العودة إلى شخصيات «أضواء باهرة، مدينة كبرى»، حيث انه يعتبر تلك الرواية واحداً من كتبه الأثيرة لديه.
وقد أراد أن يقوم بذلك في وقت أكثر تبكيراً مما حدث بالفعل على أرض الواقع، بل أنه يتوقع أن يعود إليها مجدداً في مرحلة مقبلة، بعد صدور «الحياة الطيبة»، حيث ان معظم كتبه لها إطار زمني مضغوط إلى حد كبير، وقد كان حريصاً على الاشتغال على عامل الزمن، أي مرور السنوات في حياة شخصياته.
ومن المؤكد أن ضوءاً قوياً حقاً سيلقى على رواية «الحياة الطيبة» إذا تأملنا بعمق ما يقوله ماكنرني من أن كل مقيم في نيويورك على وجه التقريب فكَّر كثير، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، في جذوره وفي هشاشة الحياة الحضرية وتقلقها وامتداداً فكرة قيم الحياة الريفية.
غير أنه سرعان ما يستدرك، مشيراً إلى أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر جعلته يحس بأنه نيويوركي أكثر من أي وقت مضى.
* مقتطف من رواية «الحياة الطيبة»
عندما يحدق الشعور بالذنب في الوجوه
كان الصيف يبدو ممتداً بلا انتهاء، عندما كانت فتاة ودرجت أسرتها على استئجار كوخ رمادي صغير في نانتكت، أما الآن فإنها قد وجدت من الصعب إن تصدق أنها عادت مجدداً إلى مانهاتن وأن الصغار في المدرسة وأنها الآن تسير عائدة إلى البيت، متأخرة مرة أخرى وشاعرة بالذنب لأنها تأخرت لارتشاف قدح من الشراب مع كيسي رينير.
وقد عاد الصغار منذ ساعات بعد انقضاء يومهم الأول في الصف الدراسي الأول، ويتعين عليها أن تسمع التفاصيل المتعلقة بهذا الموضوع.النسوة يلمن أنفسهن، أما الرجال فيلومون أي شيء ماعدا أنفسهم.
كان هذا هو تفسير كورين للشعور بالذنب الذي يقرض كعبي حذائها العاليين، وهي تسير صاعدة إلى شارع هدسون من الأنفاق، متجاوزة لافتة مكتوبة بخط اليد في مطعم الوجبات السريعة الصيني: بن مطحون حديثاً.
شعور بالذنب حيال ترك الصغار كل هذا الوقت الطويل، حيال مساعدة راسل في إعداد طعام العشاء، حيال محاولة الانطلاق مجدداً بحياتها المهنية الراكدة. أو أن تتعرض هي نفسها للطحن! الساعة الآن السابعة والدقيقة الخامسة عشرة بحسب ساعتها.
كانت لا تزال مدوزنة على إيقاع الصيف الساحر. لقد أغلقوا الدار في ساجابوناك منذ أربعة أيام. أتيح لها بالكاد صباح اليوم أن تقبل الصغار مودعة إياهم، والآن سيصل الضيوف في أي لحظة. وقد توتر راسل بفعل الطهي والعناية بالأطفال.
* الكتاب:الحياة الطيبة
* تأليف: جاي ماكنرني
* الناشر:الفريد نوف ـ نيويورك 2006
* الصفحات: 368 من القطع المتوسط
Jay Mcinerney
The Good Life
Alfred Knopf- N.Y.2006
P. 368
