هذا كتاب جماعي. المساهمون فيه ينتمون إلى مشارب وجنسيات مختلفة. جمعهم كلهم الاهتمام، أو بدقة أكبر، الهمّ السوري. هذا ما عبّرت عنه الجملة الأولى في المقدمة الافتتاحية لهذا العمل والتي كتبها شريف الرفاعي وخلدون زريق.

تقول الجملة: «هذا الكتاب هو ثمرة الإحساس بخشية ما. خشية مجموعة من السوريين الذين يعيشون في باريس عندما لاحظوا بقلق في شهر مارس 2003 التحضيرات الأميركية لغزو العراق» بنفس الوقت وأمام «الانتصار» الذي وصفوه بالسهل مع سقوط بغداد، اعتقد العديدون بأن الجيش الأميركي لن يتوقف عند أبواب العراق أمام مثل هذا الوضع برز الإحساس بضرورة التحرك «دون أن نعرف تماما كيف»، كما يشير كاتب الافتتاحية، ما كان متاحا هو المشاركة في حركة التعبئة الدولية ضد الحرب في العراق اجتاح ملايين المتظاهرين شوارع مدن العالم، لكن هذا كله لم يستطع أن يكبح «ذلك الجنون» وأظهر مدى عجز الرأي العام العالمي.

كما أن تلك التعبئة العالمية قد كشفت عن حقيقة أخرى هي «أن رؤية العالم العربي تتم بصورة حصرية تقريبا من خلال بعده السياسي. إنها رؤية يختلط فيها الواقع بالتوهم».

هذه الرؤية الأحادية هي التي يريد المساهمون في هذا الكتاب «تجاوزها» وهي التي «تريد أن تختزل العالم العربي المعقّد والغني إلى ثلاث كلمات هي: الدكتاتورية والنزعة الإسلامية والإرهاب».

كذلك «تجاوز» عملية اختزال «العربي» اليوم إلى جنس آخر من البشر. وذلك على خلفية عملية جهل مزدوج: «جهل العالم حيال العربي، وجهل العربي نفسه حيال واقعه الخاص وواقع الآخرين».

يضم هذا الكتاب مجموعة من المساهمات في الأدب لكل صنوفه من شعر ونثر ومسرح وفي الاقتصاد والسياسة، كما يضم شهادات عن سوريا وعن صورتها في وسائل الإعلام الغربية. وهذا كله من أجل تقديم سوريا من خلال «رؤية أخرى».

المساهمة الأولى في هذا الكتاب تحمل عنوان: «سوريا من خلال نظرة كاتب فرنسي». والمقصود هو الروائية والكاتبة «فرانسواز كلواريك» التي قدّمت عدة أعمال عن سوريا أو مستوحاة من أجوائها، ومن بينها: «سوريا، رحلة في أعماق الذات».

الرحلة في أعماق الذات مرتبطة ب«الإبداع» وحيث أن سوريا كما تصفها الكاتبة هي «دعوة للإبداع»، ثم تضيف: «في كل الأزمنة وجد الفنانون والكتّاب والرسّامون والمصورون والباحثون الحاجة للبوح بكلمات أو بمشاعر تبعثه هذه البلدان من قوة ومن هيجان المشاعر».

ومن هؤلاء جميعا تذكر الكاتبة أولئك الذين قاموا ب«أسفار إلى الشرق» من أمثال فلوبير ولامارتين ونيرفال وشاتوبريان ولوتي وغيرهم.

ما يقال ويقرّ به الجميع هو أن سوريا هي مهد الحضارة الإنسانية الأكثر قدما في العالم. لكن الكاتبة تؤكد على صفة التفرد المتمثلة في إحساس «المسافر» أنه يعيش الأزمنة كلها في وقت واحد. إنه «يصعد السنوات والقرون» من أجل أن «يفهم بصورة أفضل جمال الأمكنة ويفهم الحاضر أيضا بشكل أفضل».

الملف الأول في هذا الكتاب يحمل عنوان: «الفضاء الأدبي في سوريا اليوم» وهو من إعداد «راينا سمارة» الأستاذة الجامعية. وتتم الإشارة في البداية إلى الدور الراجح الذي لعبته سوريا في النهضة الثقافية العربية في مطلع القرن العشرين، هذا إلى جانب التأكيد على أن بيروت كانت قد لعبت منذ عصر النهضة في القرن التاسع عشر دور «المحرك الفكري في المنطقة».

وعلى أن التجديد الثقافي قد مرّ خاصة عبر القاهرة «التي شهدت ازدهار جميع الأشكال الفنية». وضمن السياق نفسه أيضا تتم الإشارة إلى انفتاح «الأدب السوري» خلال نصف القرن الماضي على مختلف التأثيرات المرتبطة بالتبدلات الاجتماعية وبحركة الترجمة.

هذا قبل أن نقرأ: «لكن الظروف الاقتصادية الصعبة وأشكال التقييد على حرية التعبير دفعت الكثير من كبار الأسماء في عالم الثقافة في سوريا للنزوح إلى لبنان ومصر وأمريكا الشمالية وأميركا الجنوبية وأوروبا».

الأمثلة المقدّمة على عيش المبدعين خارج حدود الوطن كثيرة ومنها أدونيس وحليم بركات الذي شدّ الرحال إلى الولايات المتحدة ورفيق الشامي الكاتب الشهير باللغة الألمانية وهاني الراهب الذي أمضى سنوات حياته الأخيرة في الكويت، وأيضا نزار قباني الذي عاش لفترة طويلة موزعا بين بيروت ولندن، وآخرون كثيرون.

وعلى سؤال «من هم الكتاب السوريون؟» نقرأ في الإجابة: «كانوا أولا من أبناء البورجوازية مثل عمر أبو ريشة ونزار قباني وكوليت خوري وغادة السمان وقمر كيلاني ثم من ذوي الأصول الريفية التي أكّدوا اعتزازهم بها مثل حنّا مينة وعبد السلام العجيلي وسعد الله ونوس ومحمد الماغوط وغيرهم».

أما السمة الكبيرة التي تجمعهم فهي انخراطهم بعمق بمشكلات مجتمعهم وتأكيد انتمائهم العربي.وفي الملف نفسه، تكتب «كلود كرول»، المترجمة الأدبية، تحت عنوان «الكاتب السوري وجمهوره»، عن «الأمسيات الأدبية» التي تعود بقوة هذه الأيام. اما قصب السبق في هذه الأمسيات فهو للشعر حيث لا يزال جمهور القراءات «الروائية» متواضعا.

كما لا يزال عدد الذين يقرأون عامة متواضعا هو الآخر. ذلك «أن سعر الكتاب مرتفع بالنسبة لمحفظة نقود القارئ»، كما تلاحظ كاتبة هذه المساهمة. لكنها تشير بنفس الوقت إلى أن المهرجانات الأدبية ومعارض الكتب قد جعلت جمهور قرّاء الكتّاب السوريين «أوسع جغرافيا» مما قد يعوّض «تقلّصه» على المستوى المحلي.

وعن الأدب الروائي في سوريا يكتب بطرس حلاّق، أستاذ الأدب العربي في جامعة السوربون الجديدة، بأن الرؤية السوريا قد عرفت على غرار الأدب العربي بمجمله، ثلاث مراحل هي الانبثاق ثم النضج فالتشتت.

أما المرحلة الأولى فيحددها عامة في النصف الأول من القرن العشرين ومن بين رموزها شكيب الجابري وخليل الهنداوي وحيث برزت الرواية التاريخية والرواية الاجتماعية.

وشهدت المرحلة الثانية، تقريبا في سنوات الخمسينات والستينات ولادة روايات ذات بعد واقعي على خطى، أو بالتوازي مع، نجيب محفوظ في مصر مثل رواية «المصابيح الزرق» و«الشراع والعاصفة» لحنّا مينة و«قناديل اشبيلية» لعبد السلام العجيلي و«أيام معه» لكوليت خوري.

ثم كانت حرب وهزيمة 1967 الساحقة لتعريف الرواية السوريا نوعا مع «القطيعة» التاريخية مع الشكل التقليدي، مع بروز التيار المعروف باسم «الواقعية الاشتراكية».

أما الأعمال الكبرى التي دلّت على تلك القطيعة فيجدها الكاتب في «الثلج يأتي من النافذة» لحنّا مينة و«شرخ في تاريخ طويل» لهاني الراهب، ومن رموزها أيضا حيدر حيدر وزكريا تامر وسليم بركات، وغيرهم.ويؤكد الكاتب على خصوصيتين للرواية السوريا هما ظهورهما المتأخر.

فالرؤية التاريخية لم تر النور في سوريا إلا بعد أن كان جرجي زيدان قد فرضها على العالم العربي منذ ثلاثة عقود، ولم تظهر الرواية «الاجتماعية» السوريا إلا بعد نصف قرن من الروايات الأولى لسليم البستاني.

هذا الظهور المتأخر يراه الكاتب مثيرا للتساؤل حيث أن عددا من رواد النهضة كانوا سوريين مثل فرنسيس مرّاش وأبو خليل القياني وعبد الرحمن الكواكبي.

وكانت حلب قد شهدت أول مطبعة لصاحبها عبد الله زاخر عام 1702 وكان جرمانوس فرحات قد أسس أول مدرسة حديثة في حلب عام 1700 لكن «الروائي السوري» عانى، مثل جميع المثقفين، من «العزلة الثقافية»، كما يؤكد الكاتب قبل أن يشير إلى الإفقار الكبير الذي يعاني منه المواطن السوري عامة على صعيد اللغات الأجنبية منذ سنوات الخمسينات الماضية.

ومن الثقافة عامة منذ عقد السبعينات بسبب النظام التربوي وما يريد أن يفرضه من «فكر جاهز».وبعد تقديم عدد من «القراءات» لكتاب سوريين ينتهي الكتاب بتقديم «لمحة اقتصادية وسياسية» لسوريا.

ويضم هذا الملف الاقتصادي أربع مساهمات أولها لمروة بدوي، الباحثة في مركز الدراسات والبحوث الدولية بباريس، التي تكتب عن «سوريا والمعطيات الإقليمية الجديدة»، ثم بحث تحت عنوان «الإصلاح الاقتصادي في سوريا» لجورج قرم، أحد أبرز الاقتصاديين والباحثين العرب اليوم على صعيد العلاقة بين أوروبا والشرق.

ثم دراسة تحت عنوان: «الرهانات الأساسية للإصلاحات الاقتصادية السوريا» لكاتبها سمير عيطة، مدير مؤسسة مفهوم للاتصال والمعلوماتية والباحث الاقتصادي، والمساهمة الرابعة هي للصحافي الاقتصادي جهاد يازغي وتحمل عنوان: «صورة سوريا في وسائل الإعلام الغربية».

* الكتاب: سوريا، رؤية أخرى

* تأليف : خلدون زريق وآخرون

* الناشر: أوروبيا ـ باريس 2005

* الصفحات: 164 من القطع المتوسط

La Syrie autrement

Khaldoun Zreik et ®.

Europia - Paris 2005

p. 164