هذه المقابلة أجراها جون فريمان، المحرر الأدبي لصحيفة »فيلادلفيا انكوايرر مع الروائي الأميركي جاي ماكنرني، الذي اشتهر بأنه كرَّس العقود الثلاثة الماضية لإبداع عالم متكامل من الحضور الروائي المطلق لنيويورك بمناخاتها وقطارات أنفاقها وبشرها وصراعاتها، واقتصر مجمل انجازه الأدبي على انجاز حلمه بتحقيق تكامل هذا العالم الروائي.
وتستمد المقابلة أهميتها من أنها أجريت بمناسبة إطلاق رواية ماكنرني الجديدة بعنوان «الحياة الطيبة» التي يقطع فيها الشوط كاملاً في تصوير عالمه النيويوركي، وهو يجتاز أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ويدافع عن حقه كروائي في المعالجة الروائية لهذا المنعطف من حياة المدينة بكل دخانه وأهواله وضحاياه، وذلك في مواجهة اعتراض الكثيرين في الشارع الأميركي.
وهو في غضون ذلك يلقى الضوء على عالمه الروائي وأسرار الاهتمام العالمي الكبير برواياته خاصة في أوروبا وآسيا. وفيما يلي نص المقابلة:
على امتداد ما يتجاوز العقدين من الزمان ظل جاي ماكنرني رومانسياً يختبئ في غمار مشهد عادي. وهذا أمر لا ينبغي أن يكون مفاجئاً لأحد، فحتى رواية «أضواء باهرة، مدينة كبرى»، التي كانت باكورة أعمال ماكنرني والصادرة في 1984 .
والتي تعكس إمساكه بتلابيب ذاته، صورت نيويورك باعتبارها مكانا يغدو الشباب فيه إلى الأندية ويروحون منطلقين ببراءتهم، قبل أن يفسدوا هذا الشيء الذي من الواضح تماماً أنهم يعتزون به أشد الاعتزاز.
منذ ذلك الحين عمل ماكنرني في اتجاهات مختلفة، وأصبحت رواياته أكثر نضجاً. وهو في روايته «شلال الوهج»، الصادرة عام 1992 يوضح ما الذي يحدث عندما يسقط جيل من الساعين وراء المرح في يذ ذلك القاتل المطلق للبهجة والفرح الذي يسمونه الزواج، بينما تحدِّق روايته «آخر المتوحشين» الصادرة في 1996 في نفق الستينات الضيق نحو ماضي أميركا.
ولكن ما من شيء في هذا كله يمكن أن يوضع موضع المقارنة مع الطموح العاطفي لروايته الأخيرة الصادرة عن دار الفريد نوف النيويوركية في يناير الماضي بعنوان «الحياة الطيبة» التي تسعى إلى تذكر الأيام الحافلة بمشاعر الصدمة والاضطراب التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.
وعلى مائدة في أحدث مطاعم قلب نيويورك وهو مطعم «سبوتدبيج» مضى المؤلف الذي يبلغ من العمر واحداً وخمسين عاماً يوضح السر في أنه كان عليه اقتناص تلك الفترة الحافلة من تاريخ أميركا الحديث:
* يظهر روس وكورين كالوواي في رواية «شلالات الوهج»، فلماذا اخترت أن تعود إليها مجدداً؟
ـ كنت أضع في ذهني على الدوام أن روس وكورين هما بالنسبة لي بطلا أكثر من عمل روائي واحد، ونظرت إليهما على أنهما شخصيتان تمثلان الجيل الذي أنتمي إليه، هذا الجيل الذي جاء إلى نيويورك في الثمانينات.
ولأسباب عدة، بعضها يتعلق بعقدة التوقف عن الكتابة لدى بعض الكتاب، استغرقت العودة إليهما وقتاً أطول مما اعتزمت أن يفصل بين العملين. وكنت أحاول إبداع قصة جديدة لهما عندما وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر. فقلت لنفسي: «إنه عالم جديد تماماً،فلماذا لا تسجل هذا الحدث من خلالهما؟».
* قلائل هم الروائيون الذين كتبوا عن الحادي عشر من سبتمبر وحققوا عائداً ولو ضئيلاً من وراء ذلك. هل تشعر بالقلق حيال هذا الأمر؟
ـ أعتقد أن جوناثان سافران فوير قد استشعر بعض الحزن بصورة حقيقية بسبب المزاعم التي ترددت عن انه استخدم أحداث الحادي عشر من سبتمبر واستغلها. واعتقد أنه مما يثير الحنق أن يقوم أي شخص بوضع حق الروائي في عقلنة هذه التجربة ومحاولة تفسيرها موضع التساؤل.
* تحدث البعض عن أقوى لحظة في رواية «الحياة الطيبة»، فيما يعرف ب«جراوند زيرو» أي الأرض التي شهدت الانفجار بصورة مباشرة، والتي ذهبت إليها كورين للتطوع، فهل قضيت الكثير من الوقت هناك؟
ـ نعم، كنت أعرف شخصاً كان بدوره يعرف الشخص الذي كان قد بدأ جهود التطوع في هذا المكان. وقد قال لي: «اذهب إلى هناك، فهم يحتاجون إلى العون حقاً». وهكذا مضيت وركبت قطار الأنفاق، الذي وصل بي إلى محطة «باولينج جرين».
وترجلت منه هناك وأطللت فوجدت نفسي أحدق في «جراوند زيرو». وكان من فيها سعداء بالحصول على العون الذي استطعت تقديمه لهم، وقد قمت بذلك على امتداد شهرين، وكانت تلك هي الطريقة التي اتبعتها لكي أحس بأنني نافع أو مفيد، إن لم يكن أي شيء آخر.
* في الرواية، يلتقي شخصان عند «جراوند زيرو» وتنشأ بينهما علاقة حب. وهذا أمر غريب، فقد فكرنا في أطفال الحادي عشر من سبتمبر وزيجات الحادي عشر من سبتمبر، ولكن ربما كانت هناك بالقدر ذاته حالات فراق وطلاق الحادي عشر من سبتمبر.
ـ نعم. إنني أعرف أناساً استيقظوا، فحدثوا أنفسهم قائلين: «لو أن طائرة اصطدمت بالمبنى الذي أقيم به، فهل هذا هو الشخص الذي أريد أن أموت معه»؟ واكتشفوا أن الإجابة عن هذا السؤال هي بالنفي، بل إنني أعرف رجلاً أجرى عملية تغيير لجنسه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث قرر أن يكف عن الحياة في إطار ما اعتبره كذبة، وهجر أسرته.
* استخدمت أسماء أناس حقيقيين، يعيشون على أرض الواقع، في هذه الرواية فلماذا عمدت إلى القيام بذلك؟
ـ إنني أكتب عن نيويورك المعاصرة، وهناك معنى ما بمقتضاه ينبغي أن تكون هناك قنوات لتواصل التفسير بين نيويورك التي هي وليدة مخيلتي ونيويورك التي تصافحها عيناك عبر صحيفة «نيويورك تايمز» أو من خلال صحيفة «نيويورك بوست».
وفي حالة هذه الشخصيات الأدبية فإن راسل كالوواي هو كما تعلم محرر كتب. والمخرج السينمائي ليس شخصية حقيقية، فأنا لم أرد أن ينطلق شخص من نوعية المخرج كوينتين تارانتينو على صفحات كتابي. ذلك أن مثل هذا الشخص اللامع الشعر، الجريء، من شأنه أن يفسد السحر الكامن في العالم النابع من الخيال.
* أعتقد أن ذلك هو المبدأ نفسه الذي اتبعه بريت إيستون إيليس في كتابة رواية «لونار بارك»، حيث تظهر أنت في الرواية مترنحاً عند مقدمة سيارة من طراز بورش.
ـ لقد سئمت من هذه الشخصية على نحو ما تظهر في تلك الرواية، ذلك أن تلك الشخصية هي أنا على نحو ما كنت في الثمانينات، وقد كتب إيليس هذا المشهد بالفعل قبل ما يتراوح بين عشر سنوات إلى اثنى عشر عاماً.
ولم أعد أنا هذا الشخص الذي يظهر في تلك الرواية. ومن ناحية أخرى، وكنوع من التوثيق التاريخي، فإنني أجد أن هذه الرواية تعد عملاً مثيراً للاهتمام. ولكن مع مرور الوقت فإن مشروعاتي ومشروعات ايليس تزداد تباعداً، وتتباين حساسيات كل منا بصورة أكبر.
* لقد واصلت الكتابة عن نيويورك في كتبك، وهناك إحساس يتخللها بكل المباهج والمسرات التي يمكن للمدينة أن تقدمها. وهناك أيضاً هذا الخطر الكامن والمتربص.
فهل أحسست ذات يوم بأن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، هي مما يمكن التنبؤ بوقوعه؟ أقول هذا في ضوء ان القارئ يشاهد صورة المركز التجاري العالمي على غلاف رواية «أضواء باهرة، مدينة كبرى».
ـ حسناً، إن الأمر المثير للاهتمام هو أنني عندما جئت إلى نيويورك في عام 1980 كان الإحساس بالخطر قد تم التخارج به، حيث كان الخطر في الشوارع.
وكان كل من أعرفهم قد تعرضوا للسرقة بالإكراه بصورة منتظمة ما عداي. وقد سُرقت سيارتي مرتين، وتعرضت شقتي للسطو عليها. ولست أدري كيف أفلحت في البقاء على قيد الحياة والإفلات من عواقب الجولات التي كنت أقوم بها مستخدماً مترو الأنفاق في الساعة الثالثة من بعد منتصف الليل، حيث كان النزول إلى المترو وضعاً مخيفاً، وكان المرء عندما يقوم بذلك يخاطر بحياته.
وقد ساورني الشعور بأننا فقدنا شيئاً ما عندما أصبحت المدينة آمنة للغاية. ولم يعد بمقدورك تبين مصدر الخطر. ولكن ما أغرب الطريقة التي أخذت الرهبة بها تجليات أخرى!. والنزول إلى الأنفاق مخيف الآن لسبب آخر.
انظر، إنني لا أستطيع أن أصدق أن الأمر لم يحدث بعد، ولست أرغب حتى في قول ذلك، أعني الهجوم الحتمي المتربص هناك، أو الذي يمكن أن ينقض من السماء.
* هل كنت تنظر إلى السماء عندما تحلق طائرة عالياً؟
ـ إنني ما زلت أفعل ذلك.
* حقائق عن ماكنرني
*ولد الكاتب والصحافي والروائي الأميركي جاي ماكنرني في هارتفورد بولاية كونيكتيكوت عام 1950.
*تخرج من وليامز كوليج وهي كلية مميزة ذات طابع ليبرالي في ماسا تشوستس.
ـ بعد تخرجه عمل في مجلة «النيويوركر» المرموقة التي تعد المطبوعة الأثيرة لدى النخبة الأدبية والفكرية في نيويورك.
* أصدر روايته الأولى المدوية «أضواء باهرة، مدينة كبرى» في 1984 واعتبرت من أبرز الأعمال الروائية في الثمانينات وحولت إلى فيلم لم يقدر له النجاح الكبير الذي حصدته الرواية.
* توالت أعماله الروائية عقب ذلك، من دون أن تحلق إلى الذروة التي بلغتها رواية الأولى ومن هذه الروايات: الفدية (1985) قصة حياتي (1989) شلالات التوهج (1993) آخر المتوحشين (1997) سلوك نموذجي (2000) كيف انتهى الأمر (2001) باخوس وأنا (2002). وهذا الأخير عمل غير روائي يتعلق بكتابة المؤلف عموداً منتظماً في إحدى المجلات عن المشروبات.
منى مدكور
