شعيب حليفي أحد الأصوات المعروفة في المشهد الأدبي العربي صدرت له ثلاث روايات هي مساء الشوق وزمن الشاويه ورائحة الجنة، كما صدر له كتابان نقديان شعرية الرؤية الفانتاستيكية، والرحلة في الأدب العربي.
وفي كتابه الجديد هوية العلامات في العتبات وبناء التأويل يخوض تجربة البحث عن الأداة النقدية بهدف اكتشاف البناء المعرفي للسرد الروائي عبر تفكيك خطاب العتبات ومقاربة البناء الدلالي انطلاقا من كون كل عمل روائي يمتلك هويته وعلاماته. ويشتمل مفهوم العتبات كما هو معروف على العنوان الرئيس والعناوين الداخلية والمقدمات والاستشهادات.
ويمثل مقطع البداية في النص الروائي نصا صغيرا موازيا يحيل على نص العمل الروائي وأهميته تكمن في كونه يؤسس للعلاقة مع المتلقي باعتباره يمثل صلة الاتصال الأولى مع القارئ بحكم موقعه الأولي في النص الروائي ما يجعله بمثابة البهو الذي ندلف منه إلى بنيات النص المغفلة التي تساعد في دعم المقاربة النقدية وفهم التشكلات النصية.
يكتسب الكتاب أهميته من خلال سعيه لتوظيف المنجز النقدي الحديث في قراءة الخطاب والمقدمات في الرواية العربية والذي يهدف إلى تكييف أفق انتظار القارئ وإيجاد ملامح فهم لنص من جهة .
وعبر توزيع الدراسة على قسم نظري يعنى بشرح مفهوم العتبات ومكوناتها ووظائفها وعلاقتها بالنص وقسم تطبيقي يحاول الناقد من خلاله اختبار هذا المفهوم إجرائيا على نصوص روائية عربية بغية اكتشاف هوية المتخيل الروائي ومكوناته من جهة أخرى ، لكن الدارس يختار للدراسة ثلاث عتبات هي العنوان وخطاب المقدمات .
والبداية باعتبارها أهم العناصر المكونة للعتبات فيفتتح الجزء النظري من الكتاب بدراسة استراتيجية العنوان سواء من حيث كونه عنصرا من أهم العناصر المكونة للمؤلف الأدبي ،والتحولات التي تطاله على مستوى علاقته الأساسية بالنص.
وبالقارئ في ظل شروط التلقي التي تجعل منه علامة دالة على النص يحاول المؤلف أن يثبت فيه قصده كليا أو جزئيا، فالعنوان الذي يتولى التعريف بالكتاب وبالجنس الأدبي يتولى تحفيز القارئ على القراءة أيضا.
لقد كان جلّ عناوين الأعمال الروائية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى الأربعينات من القرن العشرين تلتقي في كونها عناوين واضحة ومباشرة تتسم بشيء من الرومانسية أو هي تقيم تناصها مع عناوين تراثية قديمة في النثر العربي.
ولذلك تميز العديد منها بالطول وبالطابع البلاغي من طباق ونحت وتجنيس وفي مرحلة صعود الدعوات إلى تحرير المرأة طغت العناوين التي تحمل أسماء نسوية كما هيمن على هذه العناوين الأسماء الدارجة وأسماء المكان.
ويحلل الحليفي بنيات العنوان في الرواية الحديثة التي كان أول ما اهتمت به الصحافة هو دقة العنوان وتملكه لمجموعة شروط منها الاختصار والوضوح والاشتمال مع تذييله بعنوان فرعي مكمل يضفي التشويق.
وإذا كان العنوان في الرواية الكلاسيكية يعني عدم الخروج على النص لتحجيم سلطة التأويل فإن العنوان الروائي الحديث يكسر هذا الانسجام ولم يعد يعبر بالضرورة عن الحدث أو الشخوص ما جعله يتحول إلى علامة متحركة.
وقد طال التغيير الرواية كما طال العنوان فأصبحت أغلب العناوين الروائية تخلو من عنوان فرعي ولا تتألف إلا من كلمة واحدة، وهذه العناوين إما أنها تتألف من جملة أسمية أو ظرف أو جملة موصولة أو نعت أو صفات .
وقد يأتي العنوان بصيغة التعجب أو السؤال ويلعب المكان في العنوان أهمية ذات دلالة قصوى فهو المسرح الذي ستنطلق منه الأحداث. ويحدد الشروط التي يجب على العنوان أن يلتزم بها وهي الالتزام بالنص الذي يعنونه .
ولكن ليس بالمعنى الذي كان عليه سابقا. كما يجب أن تتوفر فيه الإثارة والاختصار والتركيز وأن يكون غير متشابه مع العناوين الأخرى، ثم يبين ما هو مطلوب من العنوان باعتباره مرسلة يقصد منه في شكله المركب إعطاء وظيفة معينة يتوخاها الكاتب من خلال كونه مفتاحا تأويليا يسهم في إبراز هوية النص.
وهكذا تتمثل وظائف العنوان في الإغراء وإنتاج المعنى والتعيين والوصف، لكن العنوان الروائي الحديث تميز بمجموعة خصائص أهمها الانزياح والإيهام والشاعرية التي تجعله ينفلت من مدلوله الأحادي.
ويأتي خطاب المقدمات الموازي للنص الروائي والذي يتصل به اتصالا مباشرا باعتباره وضعاً ليكون متضمنا للعديد من المكونات الفكرية والرؤية إلى الكتابة والعالم في العمل الروائي لكي يكون مدخلا للتفسير والفهم، وتتمثل أهمية دراسته من خلال الاتصال المباشر له مع العمل.
والذي يشرح فيه الكاتب الهدف من كتابة العمل أو لتقديم تصور معين حول الأدب، ثم يوضح مرتكزات هذا الخطاب الذي يمثل شهادة على الجنس الأدبي تتصل بالمادة التي يقدّم لها الروائي.
وهو يرى أن هذا الخطاب كلما اشتمل على أكثر مما نتصور كان أقل روائية من النص لأنه يتجه مباشرة إلى القارئ، وهذا الخطاب ليس وليد اليوم لأنه كان موجودا في الآداب القديمة ولكن بقوانين ووظائف أخرى.
ويميز الناقد بين خطاب المقدمة الذاتي الذي يكتبه المؤلف لعمله وخطاب المقدمة الغيري الذي يكتبه شخص آخر حول الرواية كالناقد المتخصص أو روائي آخر، وهناك نوع ثالث من خطاب المقدمات يكون على شكل حوار أو استجواب بين الروائي وناقد آخر موضوعه العمل الروائي.
وهذه المقدمة تكون إما إشهارية تتوخى توجيه القارئ أو مقدمة نقدية أو مقدمة موازية للنص مستقلة ومباشرة توجه الانتباه إلى الموضوعات والأسئلة المطروحة من جانب الروائي وفي النهاية يقدم قراءة تطبيقية على رواية فقهاء الظلام لسليم بركات.
وتعتبر البداية في الرواية ذات أهمية استراتيجية من أجل فهم آليات تكون العمل الروائي، فالبداية أو الجملة العتبة تشكل حلقة التواصل بين المؤلف والسارد من جهة وبين المتلقي من جهة ثانية، فهي باب يقود المتلقي إلى عالم النص الرحب الذي يتشكل فيه البناء وتتفاعل المكونات من أجل تحقيق أدبية النص .
وكل موضوع من مواضيع الرواية ينشأ في خفاء بدايته بشكل كبير وفق تدخل السارد، وهناك نوعيات لوظائف جملة البداية في الرواية العربية تختلف وتتآلف منها ابتداء النص والوظيفة الإخبارية والوظيفة الدرامية ثم يحدد ثلاثة أنواع من البدايات.
هي البداية العادية والبداية المثيرة التي تتجلى فاعليتها في شدّ القارئ، كما في الرواية البوليسية والخيال العلمي والرواية العجائبية، وأخيرا البداية الغامضة التي تثير الحيرة عند القارئ.
القسم الثاني يتضمن دراسات تطبيقية في الرواية العربية يتناول فيه أولا بناء المتخيل ابتداء من بدايات تشكل الوعي الروائي كما تجلى في المرحلة الممتدة بين صدور رواية «زينب» لمحمد حسنين هيكل عام 1914 وروايته هكذا خلقت عام 1955 إذ كانت هذه المرحلة مشغولة بالحديث عن بداية الرواية والتقسيمات الموازية للسياسي والانجذاب إلى التراث والغرب .
وقد صدرت في المرحلة التالية روايات عبد الرحمن الشرقاوي وروايات فتحي غانم وإحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ لكن الوعي الروائي عند هيكل ظل يتأسس استنادا إلى وعي نقدي يقدم انطباعات حول فهمه للنص الروائي .
وهو فهم مزدوج التأثر يؤكد على علاقة الرواية بالواقع ويحصر وظيفتها في تحقيق المتعة والتسلية والوعظ والتعليم ثم يحلل الدارس بناء الحكاية التقليدية عنده على مستوى العناصر والخطاب والوصف وعلاقة الوعي بالحكاية إذ جاءت العناصر المكونة للرواية وفق حبكة تقليدية ترسم للمتخيل مسارا على امتداد اثني عشر فصلا يلعب التحول فيها العنصر الفاعل الذي يخلق دينامية السرد.
وإذا كانت الرواية العربية تشكل ملتقى أشكال وعلامات تعبيرية وأحلام واحتمالات ومرجعيات ذاتية وكلية فإن هذا الشكل هو الذي مدَّ الرواية بإمكانات كبيرة للتجذر والتواصل والقدرة على تطوير المتخيل .
وبالتالي جعلها الشكل الأدبي والفني المرتبط بالتحولات وقضايا الصراع الاجتماعي والسياسي والفكري ويذهب الحليفي إلى أن تعدد مكونات وأدوات الحكي.
وقدرته على الاسترجاع والتحليل والاستشراف والانفتاح على أجناس أدبية أخرى أسهم في تخصيب وإثراء التجربة الروائية العربية، كما يوضح أشكال استلهام هذه الرواية للتراث السردي العربي القديم وسعيها الدائم للبحث عن أشكال وطرائق للتأطير والتطوير والتجريب.
وفي هذا يناقش مسألة المتخيل الروائي عند الروائي المصري بهاء طاهر باعتبار أن تجربته تميزت بالتأسيس لقص جديد اتسم بالصلابة والشاعرية ومعالجة عوالم المشاعر والعلاقة مع الآخر ومحاولة استلهام التراث الحي القادر على إضاءة الواقع الراهن ثم يحدد العناصر الجوهرية المهيمنة على رواياته قلت ضحى وشرق النخيل ونقطة النور والحب في المنفى.
* الكتاب:هوية العلامات في العتبات وبناء التأويل
* تأليف: شعيب الحليفي
* الناشر: المجلس الأعلى للثقافة القاهرة 2005
* الصفحات: 170 صفحة من القطع الكبير
مفيد نجم
