مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور مسعود ضاهر أستاذ تاريخ العرب الحديث والمعاصر في الجامعة اللبنانية وقد صدر له من قبل مؤلفات عديدة من أهمها تلك التي أصدرها عن اليابان ونهضتها ومن ذلك كتاب «النهضة العربية والنهضة اليابانية.

تشابه المقدمات واختلاف النتائج» و«النهضة اليابانية المعاصرة.. الدروس المستفادة عربيا» ويجيء هذا الكتاب ليمثل استكمالا للرؤية التي يحاول الكتاب تناول مختلف جوانبها بالتفصيل في سياق الإجابة عنالسؤال الذي يؤرق الكثيرين في عالمنا العربي حول أسباب نجاح النهضة اليابانية وإخفاق نظيرتها العربية، ومن هنا تأتي أهمية هذه المحاولة إزاء الاهتمام الذي تشغله التجربة اليابانية بالنسبة للمؤلف، أجل القيام على إعداد مادة الكتاب يشير الدكتور مسعود ضاهر إلى أنه في سياق سعيه رسم صورة موضوعية لمقولات عدد من الباحثين العرب عن اليابان في

القرن العشرين بأكمله وحتى مطلع العام 2005 استند إلى نماذج من الدراسات العربية عن تجربة النهضة اليابانية والتي توافرت لديه خلال السنوات الخمس عشرة الماضية مع الإشارة إلى أن هناك دراسات أخرى قد تكون مهمة جدا في هذا المجال لم يستطع الحصول عليها .

والأخذ في الاعتبار كذلك صعوبة جمع كل ما كتبه الأكاديميون والشعرب والفنانون والصحافيون العرب في جميع دولهم خلال مئة سنة وهو الحقل الزمني لهذه الدراسة.

وفي سياق النظرة العامة على الظروف التاريخية التي مر بها الجانبان العرب واليابان يشير الدكتور مسعود إلى مفارقة الدور الفاعل الذي لعبه الموقع الجغرافي في التجربتين وإن كان على نحو مختلف.

ففي حين ساعدت عزلة اليابان الجغرافية على حمايتها من الأطماع الخارجية فإن الموقع الإستراتيجي للعرب على مداخل ثلاث قارات كبرى وضعهم تحت رقابة استعمارية مباشرة منذ مطلع القرن التاسع عشر.

وحين أدخل العرب تباعا وبشكل قسري في صلب الإستراتيجيات الدولية نجحت اليابان في تلافي الاحتلال الأجنبي لأراضيها وبقي شعبها يفخر على الدوام بأن أقدام الغزاة الأجانب لم تطأ أرض بلاده حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

ولم تستسلم عام 1945 إلا بعد أن قصفها الأميركيون بقنبلتين نوويتين ما زالت آثارهما حية في ذاكرة اليابانيين وجميع الشعوب الديمقراطية في العالم وهو نموذج لعمل إجرامي موصوف ضد الإنسانية.

ويشير الباحث إلى أنه حتى قيام ثورة الإعلام والتواصل على المستوى الكوني كان للبعد الجغرافي دور أساسي في غياب الاهتمام المشترك بين العرب واليابانيين طوال قرون عدة.

وعلى ذلك فإن العرب لم ينجحوا وفق ما يشير الدكتور مسعود في تجديد نهضتهم الأولى التي بدأت في مصر إبان حكم محمد علي قبل نصف قرن على إصلاحات الإمبراطور الياباني ميجي .

وقد امتد تأثيرها المباشر إلى بلاد الشام وباقي أرجاء السلطنة العثمانية ومرد ذلك إلى سقوط غالبية الأراضي العربية تحت الاحتلال الأجنبي بأشكاله المتنوعة البريطاني والفرنسي والأسباني والإيطالي.

وقد كان خلاصة حصاد التجربتين أن سارت كل من اليابان والدول العربية في التاريخ الحديث والمعاصر ضمن خطين متوازيين من التحديث والتنمية البشرية المستدامة.

ولعب البعد الجغرافي دورا ملحوظا في بقاء العلاقات الثقافية بينهما ضعيفا للغاية مع التركيز فقط على مبادلة النفط الخام العربي بالسلع اليابانية. من هذه الخلفية التاريخية إلى جوهر الموضوع محاولا استعراضه من كافة زواياه.

وفي هذا يتطرق في البداية إلى ما أسماه أضواء على تشكل صورة اليابان في الوطن العربي ومنها تطرق إلى الصورة الزاهية عن اليابان لدى العرب حتى عام 1945 وفي هذا الإطار أشار إلى تداخل صورة النهضة العربية واليابانية في القرن التاسع عشر.

ومن ملامح هذه الصورة مثلا تهليل حافظ إبراهيم لانتصار العرق الأصفر وكذلك حديث مصطفى كامل عن يابان الشمس المشرقة.

ثم يقدم الباحث صورة اليابان من خلال مؤتمرات الحوار الثقافي مع العرب عارضا أضواء على مسيرة الحوار الثقافي المباشر بين العرب واليابانيين راصدا ما يعبر عن صورة اليابان لدى العرب من خلال هذه المؤتمرات .

ومن بينها مؤتمر الحوار الثقافي بين تونس واليابان ومؤتمر مستقبل العلاقات العربية الآسيوية وكذا مؤتمر إعادة تقويم العلاقات العربية ـ اليابانية.

وفي إثراء من قبل الباحث لموضوعه ومحاولة لتقديمه بصورة متكاملة يعرض كذلك في إطار هذا الجزء صورة اليابان في مؤتمرات عربية عامة ومنها مؤتمر «الثقافة العربية» و«ثقافات العالم: حوار الأنداد» و«مؤتمر حوار الحضارات والتضامن الدولي».

من الجانب المتعلق بالمؤتمرات ينتقل الباحث إلى تناول ما رسمه مفكرون ودبلوماسيون وإعلاميون عرب عن النهضة اليابانية ويقدم في ذلك قراءة نقدية لنماذج من الأبحاث العربية عن تجربة التحديث اليابانية ومن ذلك ما كتبه الباحث أبوبكر السقاف من اليمن عما اعتبره الدكتور مسعود مقارنة شكلية بين اليمن واليابان.

وكذلك ما كتبه محمد جابر الأنصاري عن رسم مستقبل اليابان في عصر العولمة كما يتطرق إلى ما كتبه محمد عضيمة في تحليل قضايا الشعر الياباني الحديث وكذلك ما كتبه إبراهيم عبدالله المنيف عن منهج التحليل الإستراتيجي للإدارة اليابانية.

ثم يقدم الدكتور مسعود ضاهر بعد ذلك كتابات مختلفة عن اليابان تعبر عما يراه عن صورة اليابان لدى العرب والعكس أي العرب بعيون يابانية.

وفي هذا الخصوص يشير الباحث إلى أن هذا الجانب يحتاج إلى مزيد من الإثراء بسبب أن غالبية ما كتبه اليابانيون عن العرب هو باللغة اليابانية التي ليس لدى الباحث سوى معرفة بسيطة بها ولذلك يؤكد على ضرورة إجراء دراسة أخرى في هذا المجال يقوم بها باحث عربي يتقن جيدا اللغة اليابانية إلى جانب العربية حتى يكون بمقدوره تقديم صورة متبادلة ودقيقة لكلا الجانبين.

وفي محاولة لتلخيص النتائج التي ينتهي إليها يشير الدكتور مسعود ضاهر إلى أن تأثر العرب واليابانيين بمقولات التحديث الغربية مسألة لا جدال فيها لأن جميع الباحثين العرب واليابانيين يعترفون بها صراحة لكن اليابانيين عرفوا كيف يوطنون الكثير من مقولات الحداثة بما يتلاءم مع بنية مجتمعهم وطبيعة نظامهم السياسي الذي استوعب جيدا ما كان يناسبه من تلك المقولات.

فيما بقيت عملية التحديث حسبما يشير المؤلف في الوطن العربي سطحية لأنها كانت انتقائية وتم توظيف مقولاتها لخدمة أنظمة استبدادية تعتمد الديمقراطية الشكلية بدرجات متفاوتة فلم تساهم في توطين العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة.

ولم تنجز أيا من مراحل الحداثة غير القابلة للارتداد، فالحداثة السليمة هي نتاج نضج في البني الداخلية أولا وهي تقاس بمراحل متعاقبة تؤسس كل منها لمرحلة أرقى من سابقتها.

وهنا يشير إلى مقالة بعنوان «لماذا اليابان» لشارل عيساوي نشرها أولا بالإنجليزية عام 1983 ثم بالعربية ضمن كتابه «تأملات في التاريخ العربي» عام 1991 ويعتبرها نقطة تحول في تاريخ البحث العلمي العربي عن النهضة اليابانية وقد انتهى إلى تأكيد ضرورة الاستفادة من التجربة اليابانية إذا كان العرب راغبين فعلا في كسر طوق التبعية للغرب الذي أجهض نهضتهم الأولى ومنع تجديدها.

والنقطة الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف من خلال النتائج التي توصل إليها من خلال الدراسة تتمثل في ضرورة استيعاب تجربة النهضة اليابانية وهو الأمر الذي بدا أن الباحثين العرب تنبهوا له وإن كان مؤخرا.

وفي ذلك يشير إلى أن بعض هؤلاء أدركوا أن من أهم عوامل نجاح اليابان هو الارتباط العضوي العميق بين منظمات الأعمال الحرة والدولة وأن الصناعات التصديرية هي قوة دافعة لليابان نحو الأسواق الدولية.

وأن أساس النظرية اليابانية للتنظيم هو ضرورة تحقيق التجانس العضوي النابع من التضامن التقليدي لان مجموعات العمل تشكل عائلات تنظيمية بحيث ينظر الفرد إلى المؤسسة على أنها الإطار الثابت لحياته ومستقبل عائلته.

ورغم ذلك يؤكد الكاتب على ضرورة الاعتراف بأن العرب أفرادا ومؤسسات ثقافية لم يبذلوا الجهد العلمي المطلوب لمعرفة الأسباب الحقيقية لنجاح تجربة التحديث في اليابان وما رافقها من تضحيات هائلة وبخاصة أنها بنيت في بلد يفتقر إلى الحد الأدنى من الموارد الطبيعية.

وما زالت الضغوط الخارجية عليه تعيق حركة التحديث فيها وتحاصرها في عصر العولمة لمنعها من التحول إلى نموذج يُحتذى في دول أخرى ومن ثم تكبيل اليابان باتفاقيات مجحفة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أعاقت حرية الحركة أمام اليابانيين لبناء علاقات طبيعية مع دول الجوار .

وبشكل خاص مع الصين وكوريا وفرض على اليابان وجود عسكري أميركي مستمر على أراضيها على الرغم من انتفاء جميع الأسباب الموجبة.

فضلا عما سبق فإنه وحسبما يشير الكاتب فإن إدراك كل من اليابان والعرب لموقع الآخر في النظام الشرق أوسطي والنظام العالمي الجديد يمهد الطريق أمام تطوير علاقات مستقبلية بينهما على أسس أكثر صلابة.

وهو ما يتطلب التركيز على المصالح المشتركة بين الشعب الياباني والشعوب العربية وبخاصة أن القرن الحادي والعشرين قد يكون قرنا أسيويا بامتياز وتلعب فيه اليابان دورا أساسيا على مختلف الصعد.

كما أنه بإمكان العرب واليابانيين بناء علاقات ثابتة لتأمين المصالح المتبادلة والبحث عن مشاريع مستقبلية طويلة الأمد ورؤية الأنا للآخر ثقافيا بعيون عربية ويابانية مباشرة وليس بعيون استشراقية غربية.

فالصورة المتبادلة حتى الآن حسبما يشير الدكتور مسعود ضاهر بين العرب واليابانيين ليست حقيقية أو منصفة لكلا الجانبين لأنها في الغالب نتاج وسائل إعلام غربية تضخ يوميا صورة نمطية مشوهة ومشوشة لدى الطرفين لذا فإن الارتقاء بالحوار المباشر بين مثقفي الجانبين يساعد على تطوير العلاقات الثقافية بينهما في المستقبل..

خاصة في ضوء حقيقة أن تجربة الحداثة اليابانية تبدو في ميزان النقد العلمي الموضوعي ممتلئة بالدروس والعبر التي يمكن للشعوب الأخرى ومنها الشعوب العربية أن تستفيد من إيجابياتها وتتلافى الكثير من سلبياتها.

* الكتاب: اليابان بعيون عربية

* تأليف:د. مسعود ضاهر

* الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2005

* الصفحات: 351 صفحة من القطع الكبير

عرض - مصطفى عبدالرازق