مؤلف هذا الكتاب هو الباحث العراقي الدكتور محمد الجعفري، قدم العديد من الدراسات والبحوث لبعض الندوات العلمية المنعقدة في العواصم العربية مثل: بغداد، والقاهرة، وعمان، وجده، والمهتمة بالشأن العراقي.
له العديد من المؤلفات في هذا المجال مثل: نهاية قصر الرحاب، والملكة عالية امرأة من خلف الأحداث، ومحكمة المهداوي، وانقلاب الوصي في العراق عام 1952، وعبدالكريم قاسم والضباط الأحرار والموقف من بريطانيا، يتكون هذا الكتاب من خمسة فصول يسلط فيها المؤلف الضوء بالتفاصيل على شخصية نوري السعيد، ويضعها تحت مجهر التحليل منذ دخوله الحياة العسكرية في« اسطنبول »، مروراً بحياته السياسية، ودوره العسكري في الثورة العربية عام 1916، ثم دوره السياسي المهم في العراق والذي اضطلع به متعاوناً مع بريطانيا منذ تكوين الحكم الوطني بالعراق عام 1921، وحتى سقوطه قتيلاً في 15 يوليو 1958.
يتحدث الكاتب في الفصل الأول عن نشوء العلاقة وتطورها بين بريطانيا ونوري السعيد، مشيراً إلى نشأته وتكوينه.
ولد محمد نوري سعيد صالح طه في بغداد عام 1888 في الرصافة وبعد إتمام الدراسة الإعدادية العسكرية عام 1902 توجه إلى «اسطنبول» للدراسة في الكلية الحربية والتي تخرج فيها عام 1906، وتم تعيينه ضابطاً في الجيش العثماني السادس ببغداد، وكان أول اتصال له بالبريطانيين في شباط عام 1909 عندما اعتقل عزيز المصري زعيم جمعية «العهد السرية» والتي كان نوري من بين أعضائها.
حيث اتصل بالسكرتير الشرقي البريطاني لممارسة الضغط على الحكومة التركية من أجل إطلاق سراحه. وفي 30 يونيو عام 1920 اشتعلت الثورة العراقية ضد الوجود البريطاني منادية بالاستقلال بموجب الاتفاق بين البريطانيين والشريف حسين.
وفي اغسطس عام 1921 تم تتويج «الملك فيصل» على عرش العراق، والذي قام بدوره بتعيين صديقه الوفي ورئيس أركان جيشه إبان الثورة العربية في الحجاز نوري السعيد مديراً عاماً للشرطة في الحكومة العراقية.
ثم وزيراً للدفاع في حكومة السعدون عام 1923. وفي مارس عام 1930 شكل نوري السعيد حكومته الأولى بدعم من الملك فيصل لقيادة المفاوضات مع البريطانيين والتي أفضت إلى» معاهدة 1930» التي كانت سبباً رئيساً لكل الاضطرابات السياسية التي وقعت في العراق حتى عام 1958 لتضمنها بنوداً مجحفة. ثم يتناول المؤلف دور نوري السعيد في حماية المصالح البريطانية .
والذي أصبح أكثر وضوحاً بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وتقسيم العالم إلى معسكرين، حيث ازدادت أهمية العراق ودوره في رسم استراتيجية جديدة في المنطقة يكون فيها العراق ورجل العراق القوي رأس الرمح للمصالح البريطانية.
وبذلك اتسع دور نوري السعيد من الإطار المحلي إلى الإطار الإقليمي. وعند اضطلاعه بهذا الدور صرح قائلاً: إن أمن البلاد له الأولوية الأولى، وينبغي على العراق أن يتحالف مع أي قوة تساعد في تحقيق أمنه وخاصم من القوى المحبة للسلام.
في عام 1954 شكل نوري الحكومة والتي حظيت بالأغلبية في البرلمان. وعام 1955 قام بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفييتي. وفي 23 سبتمبر1955 انضمت باكستان إلى الحلف(حلف بغداد) والذي تقرر أن تكون بغداد مقراً له. وقد تصاعدت موجة من الغضب العربي قادتها مصر والسعودية.
وفي يوليو عام 1956 زار الملك فيصل وولي العهد عبدالإله ورئيس الوزراء نوري السعيد بريطانيا، وقبل نهاية الزيارة أعلن عبدالناصر قرار تأميم قناة السويس بسبب سحب التمويل الأميركي والبريطاني لمشروع السد العالي.
فقد طلب نوري من السفير البريطاني في بغداد أن تقوم بريطانيا باستفزاز عبدالناصر بإرسال باخرة محملة بالسلاح إلى العراق مروراً بقناة السويس، مما يدفع مصر لمضايقة عبورها وبالتالي يكون ذلك مبرراً لضرب مصر.
وفي 29 اكتوبر 1956 بدأ العدوان على الأراضي المصرية بهجوم القوات الإسرائيلية، تبعته القوات البريطانية بإغراق باخرة مصرية في قناة السويس فتعطلت الملاحة بها، ثم بدأ القصف الفرنسي البريطاني الإسرائيلي المشترك على مصر براً وبحراً وجواً.
وقد كانت ردود الأفعال العربية والعالمية في منتهى الحزم لاسيما من جانب الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي بإنذاره الشهير (هدد بالتدخل العسكري المباشر مع القوات المصرية في حال عدم انسحاب الجيوش المعادية من مصر).
وفي سوريا قام عبدالحميد السراج (مسؤول المكتب الثاني) بتكليف بعض ضباط الإدارة الهندسية بتدمير محطات ضخ النفط العراقي وخطوطه المارة عبر سوريا إلى موانئ البحر المتوسط ، فتوقف ضخ النفط إلى أوروبا الغربية وبريطانيا.
أما الحكومة العراقية فقد كان لوصفها العدوان الثلاثي بالإجراءات دافعاً للساسة والمعارضين بل وللشعب لانتقاد الحكومة والتظاهر ضدها، كما كان لإرسال قوات عسكرية عراقية إلى الأردن للوقوف ضد الحركة الوطنية إذا ما تحركت أثناء الأزمة سبباً في زيادة حدة تلك المظاهرات.
وقد أدرك نوري السعيد أن الحركة الوطنية العراقية والمتمثلة في حزب البعث والحزب الديمقراطي العراقي والحزب الشيوعي وحزب الاستقلال والقوى القومية الأخرى سوف تشكل مخاطر على الأمن فقام بتعديل خطة عمليات الدفاع عن العاصمة بما يسمح للجيش والشرطة بمواجهة كل الاحتمالات.
وقد امتدت تلك المظاهرات، والتي اتسمت بالشمول، إلى كافة أرجاء العراق، وقد استخدمت القوى الأمنية الرصاص الحي وقنابل الدخان وتم تطبيق أحكام الإعدام في الشوارع وقامت المجالس العرفية بإصدار أحكام قاسية على المشاركين في تلك الانتفاضة الوطنية، وأعيد افتتاح معتقل «السعيدية».
وعموماً كانت تلك المغامرة البريطانية سبباً في انهيار الحكومة، وبداية أفول النجم البريطاني في منطقة الشرق الأوسط ، بل والعالم، وبزوغ نجم الوافد الأميركي الجديد والذي بدأ يأخذ مكان الصدارة في ميزان القوى عالمياً.
وقد غادر الملك فيصل الأول سوريا إلى إيطاليا ثم إلى الحجاز (مملكة أبيه الشريف حسين بن علي) قبل أن يتوج ملكاً على العراق بموجب اتفاقية «سايكس ـ بيكو.
وقد تلاقت رغبة «أديب الشيشكلي» (رئيس الجمهورية السورية الأسبق والذي أسقطه الجيش في مارس ـ مارس عام 1954) في إسقاط النظام السوري، مع تلك الرغبة لدى نوري، مما جعله يتآمر لإسقاط النظام في سوريا عن طريق منح المساعدات المادية التي كان يرسلها نوري عن طريق اللواء «غازي الداغستاني» معاون رئيس الأركان العراقي، والزيارات المتكررة إلى قصر الرحاب في بغداد.
وقد حدثت ضجة سياسية كبيرة بين البلدين بعد أن تم اكتشاف تلك المؤامرة وتم القبض على المتآمرين وضبطت معهم الأسلحة عام 1956.
وفي الفصل الأخير يتناول الكاتب الثورة العراقية ونهاية نوري السعيد والنفوذ البريطاني.، حيث يشير المؤلف إلى أن الفترة التي أعقبت الهزيمة السياسية لدول العدوان الثلاثي على مصر وخاصة بريطانيا، وحتى قيام الثورة في يوليو 1958 شهدت تطورات سياسية كبيرة.
حيث أعلن الاتحاد بين مصر وسوريا، ورد عليه نوري بإعلان الاتحاد الهاشمي بين العرشين العراقي والأردني، وقد كان لقبول لبنان (حليف العراق) برئاسة «كميل شمعون» لإعلان الرئيس الأميركي «آيزنهاور».
وبداية الاضطرابات الشعبية اللبنانية، علاوة على فقدان الثقة في بريطانيا (الداعم الأكبر لنوري السعيد والنظام العراقي) أكبر الأثر في تحرك الضباط الوطنيين العراقيين، وهم الخلايا السرية التي أطلقت على نفسها اسم «الضباط الأحرار»، بقيادة «عبدالكريم قاسم» و«عبدالسلام عارف».
ورسمت الخطة العسكرية لتحرك الألوية والوحدات التي يقودها ضباط الثورة للسيطرة على قصر الرحاب، وقصر نوري السعيد، ودار الإذاعة، ووزارة الدفاع، ومقر القوة السيارة.
وقد تمت كل تلك الخطوات بنجاح، واقتحم قصر الرحاب وقتل الملك فيصل وولي العهد والأسرة الهاشمية، أما قصر نوري السعيد والذي قادهم إليه المقدم «وصفي طاهر» المرافق الشخصي لنوري فقد تم اقتحامه أيضاً ولكن نوري لم يكن موجوداً به.
حيث هرب إلى الضفة الأخرى من النهر باستخدام زورقه الصغير إلى منطقة «الرصافه»، وظل يتنقل من منزل إلى آخر آملاً في سقوط الثورة أو قدوم المساعدات الخارجية من دول حلف بغداد لإسقاطها.
إلى أن أذيع بيان القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية يوم 15 يوليو 1958 موضحاُ إطلاق النار على سيدة كانت ترتدي العباءة العراقية السوداء وتطلق النيران باتجاه القوة المهاجمة، وإذا بتلك السيدة هي نوري السعيد.
وقد قيل في وصف حالته عند وفاته أنه كان ينظر بعينيه إلى السماء، ربما مترقباً قدوم الطائرات البريطانية لمساعدته، ولكن تلك الخطة كانت هي الافتراق الحقيقي بينه وبين بريطانيا التي توافقت معه طيلة وجودها في العراق، وبينه وبين الشعب العراقي.
عرض - محمد جمعة
* الكتاب: نوري السعيد وبريطانيا خلاف أم وفاق ؟
* تأليف:د. محمد حمدي
* الناشر:الأوائل للنشر والتوزيع
دمشق 2005
* الصفحات: 240صفحة من القطع المتوسط

