مؤلف هذا الكتاب، جان بول بيكابير، هو أستاذ سابق للعلوم السياسية في الجامعات الفرنسية. صحافي وكاتب يعمل حاليا مراسلا لمجلة «السياسة الدولية» الشهيرة في برلين، بعد أن كان قد عمل لمدة 26 سنة مراسلا لصحيفة «لوفيغارو » الباريسية في ألمانيا وحيث عرف أنجيلا ميركل منذ أكثر من خمس عشرة سنة.
هذا كتاب «عارف» عن مسيرة حياة أنجيلا ميركل المستشارة الألمانية الحالية التي أعلنت دائما إعجابها ب«ماري كوري» الفيزيائية مثلها كما لم تتوان عن التصريح بحبها لجميع أولئك الذين اختاروا طريق المقاومة ضد الدكتاتوريات في بلادهم، ومن بين هؤلاء خاصة أولئك الذين حاولوا اغتيال أدولف هتلر يوم 20 يوليو 1944.
تبلغ أنجيلا ميركل من العمر 51 سنة، وكانت قد عاشت منها أكثر من ثلاثين عاما في ظل الحكم الشيوعي ذي النزعة الستالينية في ألمانيا الشرقية (السابقة) حيث وُلدت وترعرعت وأمضت مراحل دراستها المختلفة حتى نهاية المرحلة الجامعية. وأنجيلا ميركل هي من مواليد 17 يوليو 1954، وابنة لراعي كنيسة بروتستانتية يحمل شهادة الدكتوراه في علم اللاهوت بينما كانت والدتها تعمل أستاذة للغتين اللاتينية والانجليزية.
وقد أخذت أنجيلا عن والدتها حب اللغات وأظهرت براعة فيها حيث أنها تتحدث اللغة الانجليزية بطلاقة، كما أنها تجيد اللغة الروسية أيضا، ذلك على اعتبار أنها اللغة الثانية التي كان يتم تعليمها في مدارس ألمانيا الشرقية بعد اللغة الألمانية بالطبع.أنجيلا ميركل، هي أول سيدة تصل إلى حكم ألمانيا بواسطة الانتخاب، ويرى كاتب سيرة حياتها أن وصولها إلى منصب المستشارية،
وفيما هو أبعد من كون أنها امرأة، إنما يعني اكتمال إعادة توحيد شطري ألمانيا بعد أن كان سقوط جدار برلين عام 1989 هو الخطوة الأولى في سيرة إعادة توحيد شطري ألمانيا بعد أن كان سقوط جدار برلين عام 1989 هو الخطوة الأولى في سيرة إعادة التوحيد هذه. وكانت أنجيلا قد عرفت آليات عمل النظام الشيوعي في ألمانيا الشرقية والذي قام غداة نهاية الحربة العالمية الثانية.
ولكن تربيتها البيئية كانت متشرّبة بالقيم المسيحية بحكم أن والدها كان عالم لاهوت. هكذا جمعت بين تعاليم السيد المسيح... وماركس. عندما قام جدار برلين الشهير كان عمر أنجيلا ميركل سبع سنوات فقط. وكانت منذ سنوات مراهقتها قد انضمت إلى منظمة «الروّاد الشباب» التي كانت تجمع آنذاك «الشبيبة» من أجل إعدادهم وتهيئتهم كي يكونوا أعضاء فاعلين في المجتمع الاشتراكي.
وقد كان الانتساب إلى منظمة «الروّاد الشباب» أمراً لا مناص منه في واقع الأمر لجميع أولئك التلامذة الذين لا يريدون استثناءهم من المنظومة الدراسية وبالتالي من الحصول على فرص للتوظيف لاحقا. وكان والدا أنجيلا ميركل قد شجّعاها على الدخول في إطار «الروّاد الشباب» حفاظاً على مستقبلها.
وتماشياً مع التيار السائد في نظام مثل ألمانيا الشرقية السابقة «اختارت» أنجيلا ميركل الانضمام إلى منظمة «الشبيبة الشيوعية». وما يؤكده كاتب سيرة حياتها بأن ذلك الانضمام لمنظمة حزبية شيوعية لم يكن قائما على قناعة حقيقية وإنما كان مجرد حركة على «السطح» من أجل إخفاء ما كان يجول ويتجذر في أعماقها من قيم، وفي مقدمتها التوجه الديمقراطي.
بعد أن أكملت أنجيلا ميركل دراستها الثانوية وجدت نفسها طالبة بكلية «الفيزياء». لم يكن ذلك أيضا بمثابة اختيار حقيقي وإنما «مفروض» في الواقع. ذلك أنها كانت تميل لدراسة اللغات أو علم النفس أو دخول كلية التربية لأنها كانت تطمح كي تصبح مترجمة أو أخصائية نفسية أو مدرسة. لكن الانتساب إلى الفروع الجامعية المؤهلة لذلك كانت ممنوعة على بنات رعاة الكنائس بشكل قاطع. وفي الجامعة التقت أنجيلا ميركل بزوجها الأول الذي احتفظت دائما باسمه «ميركل» بينما أن اسم عائلتها هو «كاسنر».
ويؤكد مؤلف هذا الكتاب على أن أهم صفات الشخصية التي تتمتع بها أنجيلا ميركل تتمثل في حسّها الواقعي ومحاولة رسم أي توجه مستقبلي على أساس معطيات الواقع القائم. وهناك صفة أخرى أساسية لديها هي تعلقها الكبير بالحرية الفردية وتثمين دور المبادرة الفردية في تعزيز البنية الديمقراطية وتنشيط الاقتصاد الوطني للبلدان المعنية.
وهذا ما يبعدها عن أية صيغة لما يسمّى ب«الاقتصاد المخطط» الذي تقوم فيه الدولة بالدور المركزي وتتدخل في آليات عمل المؤسسات الاقتصادية، على الصورة التي كانت سائدة في النظام الشيوعي الألماني الشرقي الذي عاشت في ظله حتى بلوغها سن الخامسة والثلاثين تقريبا، والذي كان قد أدّى إلى حالة من الجمود الاقتصادي والسياسية.
وإذا كانت أنجيلا ميركل قد كوّنت قناعاتها السياسية الثابتة في ظل النظام الشيوعي الماركسي ـ اللينيني في ألمانيا الشرقية، فإنها لم تنخرط في الواقع بالعمل السياسي النشيط إلا في الفترة القليلة التي سبقت ثم واكبت انهيار جدار برلين في خريف عام 1989. وعلى خلفية توجهاتها الليبرالية انضمت في البداية إلى تشكيل سياسي صغير حمل اسم «التجديد الديمقراطي» الذي لم يكن حزبا جماهيريا، وإنما حزبا «نخبويا» ضم عدة عشرات من معارضي النظام الشيوعي في برلين الشرقية.
وبعد إعادة توحيد شطري ألمانيا أصبحت أنجيلا ميركل من المقرّبين من المستشار الألماني آنذاك هيلموت كول، الذي قاد عملية إعادة التوحيد بتصميم وبراعة. وكان كول بمثابة الأب الروحي «السياسي» للمستشارة الألمانية الحالة التي كانت لفترة من الزمن الناطقة الرسمية باسم الحركة التي وقعت الاتفاق مع حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي والانضمام إليه.
وكانت أنجيلا ميركل قد شغلت منصبين وزاريين في ظل الحكومات التي قادها المستشار الألماني الأسبق هيلموت كول، قبل أن تخلفه على رئاسة حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي في شهر أبريل من عام 2000.
ثم خلفته بعد ذلك في خريف عام 2005 في منصب المستشارية بعد أن فاز حزبها والأحزاب المتحالفة معه في أغلبية مقاعد «البوندستاغ»، البرلمان الألماني، بأغلبية ضئيلة، وإنما كافية، في مواجهة التحالف «اليساري» الذي كان يقوده المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر.
إن أنجيلا ميركل تتمتع بالعديد من الأوراق الرابحة التي كانت، حسب رأي مؤلف هذا الكتاب، وراء صعودها وصولا إلى أعلى منصب في ألمانيا، والذي لم تصله أية امرأة في بلادها قبلها، وأهم هذه الأوراق الرابحة يتمثل في بساطتها وتواضعها المدعومين بذكاء كبير يشهد عليه جميع أولئك الذين عرفوها عن قرب.
ثم إنها أخذت من دراستها لعلم الفيزياء حرصها على الاهتمام بأدق التفاصيل البسيطة في كل عمل تقوم به مع إصغائها للآخرين. هذه الصفات كلها منحتها ثقة أولئك الذين يحيطون بها على أساس أنها تشاركهم اتخاذ جميع القرارات المهمة، بعيداً عن أية نزعة للتفرد بذلك على الطريقة السائدة في الأنظمة «التوتاليتارية» التي كانت قد خبرتها جيدا، ومن داخلها أثناء سنوات «النضال».
ويتعرض مؤلف هذا الكتاب إلى الدور «الأوروبي» الذي يمكن للمستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» أن تلعبه، وحيث ظهرت بوادر هذا الدور منذ وصولها إلى منصب المستشارية إذ جعلت في مقدمة أولوياتها تحقيق اتفاق أوروبي حول مسألة الميزانية. ويؤكد المؤلف، من موقع معرفته الطويلة لها، بأنها تمتلك موهبة كبيرة في ميدان التفاوض وتعرف كيف تصل إلى مصالحات «بشكل فطري».
هذا وكانت قد ترعرعت في كنف أسرة متدينة يشكل التسامح أحد القيم الأساسية التي تقول بها.لكن مع تأكيد مؤلف هذا الكتاب على ملكة التفاوض والتسامح في علاقة أنجيلا مع الآخرين، فإنه يؤكد بالوقت نفسه على أنها، ومنذ سنوات شبابها الأولى، كانت تبدي مرونة كبيرة فيما يتعلق بالشكل ولكنها لا تتراجع أبداً حول المضمون.
«إنها لا تتراجع فيما يخص قناعاتها» كما يصفها كاتب سيرتها قبل أن يضيف للصفات التي ينعتها بها أنها «تملك الحياء والتحفظ اللذين يتصف بهما البروتستانت» بشكل عام.
وأنجيلا ميركل هي من جيل القادة الشباب في أوروبا. وبعد أن شغلت مقعدا في البرلمان الألماني ـ البوندستاغ ـ وتبوأت منصب وزير شؤون المرأة ثم وزارة الشباب في الحكومة التي كان يترأسها المستشار الألماني الأسبق هيلموت كول، أصبحت وهي في سن الرابعة الأربعين سكرتيرة عامة لحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي، أحد أهم الأحزاب الألمانية في تاريخ ألمانيا الحديث، ثم غدت وهي في الخامسة والأربعين رئيسة لهذا الحزب.
وفي المحصلة، يقدم المؤلف، من خلال دراسته لشخصية المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، توصيفا للآليات التي تحكم الحياة السياسية ومهما كانت تناقضاتها، وكذلك تلتقي الحكومات والنقابات العمالية عندما تقتضي المصلحة العامة ذلك. وهذه خصوصية ألمانية في ميدان السياسة بالقياس إلى البلدان الأوروبية الأخرى. هكذا يجد القارئ في هذا الكتاب دراسة حقيقية للمجتمع الألماني منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم بكل التعرجات والأزمات التي عرفها مع وجود ألمانيتين، غربية وشرقية.
أنجيلا ميركل، كما يرسم المؤلف ملامحها، تتسم بشخصية قوية وبذكاء باهر، وتبدو مستعدة لمواجهة تحدي صياغة سياسة جديدة من أجل ألمانيا متجددة وتحديثية.
* الكتاب: أنجيلا ميركل
مستشارة في برلين
* الناشر: جان كلود غازويتش باريس 2005
* الصفحات : 285 صفحة من القطع المتوسط
Angela Merkel, une chancelière à Berlin
la première femme à gouverner
l'Allemagne
Jean-Pierre Picaper
Jean-Claude Gawesewich
Paris 2005
P.285
