قام بتأليف هذا الكتاب البروفيسور أندريه نوشي الأستاذ في جامعة نيس بفرنسا. وهو أحد الاختصاصيين المعروفين بتاريخ إفريقيا الشمالية في القرن العشرين (أي بلدان المغرب العربي). وكان قد نشر سابقا عدة كتب مهمة، نذكر من بينها: فرنسا والبترول، فرنسا والعالم العربي، البحر الأبيض المتوسط، الجزائر التي تشعر بالمرارة، الخ.

وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن تاريخ الاستعمار الفرنسي في مختلف البلدان والمناطق الجغرافية: من الهند الصينية، إلى إفريقيا الشمالية، إلى إفريقيا السوداء، الخ. يقول المؤلف بخصوص استعمال الجزائر ما يلي: عندما وصلت الحملة العسكرية الفرنسية إلى شواطئ الجزائر كانت تحمل معها العديد من الرسامين والمفكرين وليس فقط الجنود والعسكريين.

وأول شيء لفت انتباههم في هذا الشرق الجديد هو الأضواء والأنوار الساطعة الرائعة. قلنا الشرق الجديد لكي نميزه عن الشرق القديم المعروف للفرنسيين منذ حملة نابليون بونابرت: أي مصر وسوريا ولبنان وفلسطين...

وهكذا راح الكتاب والرسامون الفرنسيون الأوائل يعبرون عن مشاعرهم لدى أول احتكاك لهم بأرض إفريقيا الشمالية ومناخها ومناظرها وشعبها. وكان الرسام الشهير دولاكروا من أوائل من رسم لوحات رائعة هناك. وقد اعتبر بعضهم أن الجزائر والمغرب العربي ككل يشكلون شرق فرنسا باعتبار أن مصر والأردن وفلسطين كانت شرق الانجليز أساسا.

ولكن إدوارد سعيد بالغ في ربط الكتّاب الأجانب بظاهرة الاستعمار في كتابه المشهور: الاستشراق. ومعلوم أنه تحدث عن فلوبير، وجيرار دونيرفال وألبير كامو وكأنهم موظفون في خدمة الاستعمار تقريبا! لقد صنفهم في عداد أولئك الذين نشروا الدعاية للاستعمار الفرنسي. وهذا غير صحيح على الإطلاق. في الواقع إنهم ذهبوا إلى هناك لرؤية شيء آخر يختلف عن بلادهم من أجل أن يستلهموه في كتاباتهم. فعندما كان ينقصهم الإلهام في فرنسا وما يعودوا يعرفون ماذا يكتبون كانوا يقومون برحلة استكشافية إلى الشرق البعيد لتجديد أنفسهم ورؤياهم وأفكارهم.

وبعدئذ كان ينزل عليهم الإلهام ويؤلفون كتابا جديدا. وهذا ما حصل لجيرار دونيرفال الذي ألف كتابا ضخما بعنوان: رحلة إلى الشرق: أي إلى سوريا ولبنان وفلسطين. وهذا ما حصل لفلوبير الذي زار الشرق أيضا لنفس الغرض. ولا يمكن فهم روايته «سلامبو» إن لم نربطها برحلته إلى تونس لأنها تأثرت كثيرا بتلك الرحلة. فهي مليئة بأسماء الأشخاص والأماكن التونسية. وهذا ما يفرقها عن روايات بلزاك وستندال أو حتى روايات فولبير الأخرى: كالتربية العاطفية، ومدام بوفاري، الخ.

ثم يردف المؤلف قائلا: وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين شهدنا ظهور الأدب المغربي في اللغة الفرنسية. ثم تطورت هذه الظاهرة فيما بعد حتى أعطتنا أدباء كبارا من أمثال: ألبير كامو الفرنسي الأصل الجزائري المولد والنشأة، أو كاتب ياسين الجزائري او محمد ديب الذي عاش في فرنسا طيلة حياته لاحقا، الخ. واليوم يمكن أن نذكر اسم الطاهر بن جلون الذي ظهر بعد الاستقلال.

وفي الثلاثينات من القرن العشرين وقف الكاتب الفرنسي مونترلان مبهورا أمام الجزائر. وكتب عندئذ نصا رائعا بعنوان: لا تزال هناك جنات على الأرض. وأما أندريه مالرو فقد تحدث عن الشرق كثيرا في رواياته الأولى ومقالاته... ويمكن أن نضرب أمثلة عديدة أخرى على هذه الظاهرة الأدبية الناتجة عن الاستعمار.

لا ريب في أن الاستعمار شيء سييء وسلبي جدا ولكن ليس كل ما نتج عنه كذلك. فالتلاقح الثقافي والأدبي لم يكن سلبيا على الإطلاق. والواقع أن المغرب العربي الكبير بكل أسمائه، ومناظره الخلابة، ورجاله، ونسائه، وعاداته، وتقاليده، كان مسرحا للفنانين والكتاب الفرنسيين والمحليين على حد سواء. وفي فترة ما بين الحربين انتقد الكتاب الفرنسيون بحدة أحيانا انحرافات الاستعمار الفرنسي، نذكر من بينهم بول موران، أندريه جيد، وسواهما.

ثم ينتقل المؤلف إلى قضية أخرى ويقول: عندما استقلت بلدان المغرب العربي كانت نسبة الأمية كبيرة في أوساط السكان. ويعتقد أنها كانت تتراوح بين 60 إلى 80 بالمائة مع نسبة أكبر فيما يخص النساء. وقد انعكس ذلك سلبا على التنمية المرتبطة بدرجة تعلم الشعب وتثقيفه كما هو معلوم. ولكن لحسن الحظ فإن هذه النسبة المرتفعة جدا انخفضت في نهاية القرن العشرين: أي بعد ثلاثين أو أربعين سنة من الاستقلال.

فنسبة الأمية في الجزائر الآن تصل إلى 22 بالمائة بالنسبة للرجال في حين أنها كانت سبعين بالمائة أو أكثر عام 1962. وأما بالنسبة للنساء فلا تزال مرتفعة وتصل إلى 40 بالمائة أو أكثر قليلا. ولكنها كانت تسعين بالمائة عندما نالت الجزائر استقلالها عام 1962. وبالتالي فقد حصل تقدم كبير في هذا المجال من دون شك.

وأما فيما يخص المغرب الأقصى فإن مشكلة الأمية أكثر استفحالا وخطورة. فالنساء حتى الآن لا يزلن أميات بنسبة 62 بالمائة تقريبا. وأما الرجال فنسبة الأمية لديهم تصل إلى 37 بالمائة. ولكن تونس تظل أفضل البلدان المغاربة من هذه الناحية بفضل السياسة المستنيرة للحبيب بورقيبة. فنسبة الأمية هناك لا تتجاوز 17 بالمائة بالنسبة للرجال و37 بالمائة بالنسبة للنساء.

ثم ينتقل المؤلف بعدئذ إلى مسألة أخرى تخص الأحداث الراهنة مباشرة ويقول: ألم ترتد الأسلحة على نفسها يا ترى؟ ففرنسا التي استعمرت المغاربة من قبل أليست في طريقها لأن تستعمر من قبلهم الآن؟ قد يكون هناك بعض المبالغة في هذا الكلام.

ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر أن عدد المغاربة والجزائريين والتونسيين والموريتانيين يتجاوز الخمسة ملايين شخص الآن. وهو عدد كبير بالنسبة لجالية أجنبية.

ثم يعترف المؤلف بأنهم قدموا خدمات جلى للاقتصاد الفرنسي عندما وصلوا إلى البلاد بكثرة في الستينات من القرن الماضي. ففرنسا كانت بحاجة إلى أيدي عاملة رخيصة لتحريك مصانعها وبناء جسورها، وشق طرقها، وإشادة مبانيها، وحتى تكنيس شوارعها.

يضاف إلى ذلك أن هذه الجالية الضخمة ساهمت في زيادة عدد السكان الفرنسيين لأنها كانت تنجب الأطفال أكثر مما تنجبهم العائلات الفرنسية. كانت الحركة الديمغرافية راقدة فضخوا فيها دما جديدا. ولولاهم لتناقص عدد السكان الفرنسيين كثيرا بالقياس إلى الدول الأخرى. نعم لقد جددوا شباب الأمة الفرنسية بين عامي 1965-1990، أي طيلة ثلاثين سنة تقريبا. ولكنهم الآن ما عادوا يجددونه بنفس القوة لأن نسبة الأطفال لدى العائلة المغاربية تناقصت وأصبحت بنفس نسبة الأطفال عند العائلة الفرنسية.

وهذا دليل على أن المغاربة تقدموا وتطوروا، فالإنجاب الكثير دليل على التخلف. وهناك ظاهرة جديدة أيضا ألا وهي الاختلاط أو التزاوج الحاصل بين أبناء الجيل الثاني أو الثالث للهجرة وبين السكان الفرنسيين. وهذا التزاوج يؤدي إلى ظهور جيل جديد مختلط السحنة. وهؤلاء الفرنسيون الجدد يعتبرون حظا لفرنسا لأنهم يذوبون في المجتمع ويختلطون به ويساهمون في توسيع هويته وإغنائها. وبالتالي فالجاليات المغاربة ليست نقمة على فرنسا وإنما نعمة بشرط أن نعرف كيف نتعامل معها ونحترمها.

ولكن هناك مشكلات ضخمة في الضواحي حيث يعيش مئات الآلاف من المغاربة في أحياء خاصة بهم وتشبه الغيتو. وهناك تبدو نسبة البطالة مرتفعة جدا وتصل إلى أربعين بالمائة أو أكثر. وهذا ما يشكل خطرا على التوازن الاجتماعي والأمني للبلاد. وأكبر دليل على ذلك انفجار الضواحي مؤخرا. وهو انفجر شغل العالم والفضائيات التلفزيون لعدة أسابيع وليس فقط فرنسا. وبالتالي فمشكلة المهاجرين واستيعابهم في المجتمع لا تزال قائمة وسوف تشغل القادة الفرنسيين طيلة العقود المقبلة من السنين حتما.

يضاف إليها ويرتبط بها أمر آخر هو: ظهور الإسلام في المجتمع الفرنسي كقوة يحسب لها الحساب. فحتى عام 1980 تقريبا لم يكن أحد يعير أي انتباه لمشكلة الإسلام أو الحركات الأصولية المتشددة. كان الفرنسيون يعتقدون أنها غير موجودة. وفجأة انفجرت هذه المشكلة وأخذت تشغل وسائل الإعلام.

ثم يردف المؤلف قائلا: فجأة اكتشف الفرنسيون أن الإسلام بشكل الدين الثاني في البلاد بعد المسيحية بمذهبها الكاثوليكي. فاليهود لا يتجاوزون السبعمائة ألف شخص، وكذلك البروتستانتيون. أما المسلمون فيتجاوز عددهم الخمسة ملايين كما قلنا سابقا. وبالتالي ينبغي على الدولة أن تنظم أمور المسلمين كما نظمت أمور اليهود وأن تعطيهم أماكن للعبادة تليق بهم.

بمعنى آخر: ينبغي أن تبني لهم المساجد. يضاف إلى ذلك أن اندماج المسلمين يطرح على المجتمع الفرنسي ذي النظام العلماني مشكلات. فالإسلام لا يعرف العلمانية حتى الآن وينبغي عليه أن يتأقلم معها ومع قوانينها بشكل أو بآخر. والواقع أن المجتمع الفرنسي يحترم كل الأديان ولكنه لا يعترف بأي دين ولا يفضل أي دين على أي دين آخر بما فيها المسيحية، دينه الخاص. فالدولة العلمانية تعامل جميع الأديان والمذاهب على قدم المساواة.

كما أنها تعترف بالحرية الدينية للجميع ولكنها ترفض أن يفرض أحد دينه على الآخرين. فأنت حر في أن تكون متدينا أو غير متدين، ولا أحد يستطيع أن يتدخل في هذه المسألة الشخصية بينك وبين ربك. ولكن بعض عناصر الجالية الإسلامية من المتشددين يريدون أن يفرضوا على الجالية مفهومهم المتعصب والعتيق للدين. وهذا ما لا تسمح به الدولة الفرنسية التي عانت من محاكم التفتيش وحروب المذاهب بين الكاثوليك والبروتستانتيين كثيرا في الماضي.

* الكتاب: الأسلحة ترتد على نفسها

الاستعمار الفرنسي وحركات الاستقلال

* الناشر:بيلان ـ باريس 2006

*الصفحات: 446 صفحة من القطع الكبير

Les armes retournées

colonisation et décolonisation française

André Nouschi

Belin - Paris 2006

P. 446