شكَّل صدور كتاب «أعمال بنتر الأساسية: مختارات من أعمال هارولد بنتر» في 440 صفحة من القطع المتوسط عن دار غروف النيويوركية، مؤخراً، حدثاً طال انتظاره بالنسبة لجموع حاشدة من عشاق المسرحي الكبير الفائز بجائزة نوبل، خاصة أن سنوات قد انقضت منذ صدور آخر طبعة من أعماله على مثل هذا القدر من الشموخ.
وأول ما يلفت النظر في هذا الكتاب، الذي حظي فور صدوره بالعديد من العروض في مختلف الصحف والمجلات على ساحلي الأطلسي، أنه يضم ـ كما يشير عنوانه ـ عدداً من المسرحيات الرئيسية التي لابد من التوقف عندها في مجمل إبداع بنتر. لكن الأمر لا يتوقف عند ذلك،
وإنما يجد القارئ، عبر صفحات الكتاب نفسه مع دفق من قصائد بنتر ومقالاته وسيناريوهات أفلامه، وبهذا المعنى، فإن هذا المجلد بمثابة رفيق لا غنى عنه لكل من يرغب في الغوص في عالم بنتر المتألق والمدهش وأيضاً الحافل بالنذر والأضواء الحمراء.
وفي غمار الترحال في هذا العالم الذي شاد بنتر صرحه، متخذين هذا الكتاب دليلاً لنا في منعطفاته ومتاهاته العديدة، فإننا لابد لنا من أن نكتشف مدى ضخامة هذا التراث الإبداعي الذي راكمه بنتر على مدار نصف قرن من حياته العملية الحافلة.
لكن لن نحقق هذا فحسب، على الرغم من أهميته، وإنما سنحقق فهماً أعمق للروح الإنسانية في تجلياتها عبر تقلبات عالمنا الذي لا تنقصه عناصر الضراوة والقسوة. ولن نكون وحدنا في دهشتنا حيال الطابع الهائل لإبداع بنتر، وإنما سنجد أن أحد النقاد الأميركيين الكبار لا يتردد في القول في عرض مميز لهذا الكتاب «إن جانباً من عظمة أعمال بنتر يكمن في عجز المرء عن تفسيره وإيضاح جوانبه».
وعلى الرغم من أن هذا القول أطلق في معرض مديح بنتر والإشادة بإبداعه، إلا أنه عندما يتأمله المرء لا يبدو منطقياً، فهو إما أن يعني أن بنتر عظيم لأن قارئ كتابه أقل قدرة على الاستيعاب من أن يتفهمه، أو أن عظمة بنتر تعود إلى أن ما يقدمه لا معنى له، فيظل مستغلقاً على من يقترب منه.
الواقع أن مصدر عظمة بنتر هو قدرته الهائلة على تحقيق التواصل بين خشبة المسرح وما يجري عليها وما يقدمه الممثلون وبين قاعة العرض والجمهور الذي تضمه.
وهذه العظمة لن تغيب عنك عندما تتابع أعماله بين دفتي كتاب كالذي نناقشه هنا، فكيف يمكن حتى لأشد القراء ضجراً أن يحس بأنه يفقد اهتمامه وهو يقرأ مسرحية لبنتر تقع فيما لا يتجاوز ثلاثين صفحة وتتميز بحوارها اللاهث الذي يأخذ بخناق القارئ ويجبر على أن يتابعه ركضاً وبلا توقف؟ وليس حوار مسرحيات بنتر هو وحده الذي يجتذب اهتمام القارئ، وإنما هناك أيضاً إيقاع المسرحيات الذي يكاد أن يجبرك على النقر لكي تواكبه سرعة وانتظاماً.
وبنتر بارع للغاية في إثارة شعور معين بالقلق في أعماق الشخصيات، وحيث إنه ليس هناك الكثير للغاية من الأحداث في هذه المسرحيات، وحيث إن خشبة المسرح عنده تكاد تكون عارية تماماً من عناصر الديكور إلى حد التجريد، والحوار غالباً ما يكون حاداً ومتوتراً، فإن القارئ ينتهي به الأمر بالتركيز بصورة أكبر على ما ليس موجوداً هناك، وما لا يحدث، وما لا يقال، بأكثر مما يركز على ما هو موجود وما يحدث وما يقال.
بهذا المعنى فإن القارئ يسائل نفسه طوال الوقت وهو يقلب صفحات هذا الكتاب: من هم هؤلاء الناس في القبو الذين لا نعرف عنهم شيئاً ولن يقدَّر لنا أن نقابلهم أبداً؟ ما هو هذا العمل الذي سيتم إنجازه ولكنه لا يوصف أبداً بأي قدر من التفصيل؟
لكن بنتر حينما يشيد صرح مسرحياته حول شخصيات لن تظهر أبداً وحول أحداث لن يقدر لها الوقوع يوماً إنما يجبرنا على التساؤل في قلق عن المجهول، عن الخفي والغامض والملتبس، عما يُحجب عنا لكنه لا يفارقنا في آن، فلا نملك منه خلاصاً ولا نستطيع منه فكاكاً.
هناك، عند هذا المفترق في مسيرة التأمل لا يمكن للقارئ إلا أن يتساءل: ماذا إذن؟ من المؤكد أن بنتر بارع، بلا حدود، في جعلنا نحس بعدم الارتياح، بالتوتر، بالقلق، لكنه لا يمضي بنا إلى أبعد من ذلك.
ومن حق القارئ أن يحدث نفسه بأنك لكي تفوز بجائزة نوبل في الأدب فإن قراءك يتعين على الأقل أن يفهموا السر في أنك تريدهم أن يحسوا بعدم الارتياح. ما هي الرسالة التي تسعى إلى توصيلها؟ ما الذي تقوله عن عالمنا وعن التجربة الإنسانية؟ من المحقق أنه ليس كافياً أن تبدع مناخاً نفسياً ولا حالة مزاجية، وإنما ينبغي أن يكون هناك معنى، لابد أن يكون هناك مغزى. ومن هنا بالضبط تأتي أهمية هذا الكتاب ويبدو مبرراً الحماس الذي أظهره القراء له.
هنا لابد للقارئ، في الواقع، من أكثر من قراءة لمسرحيات مما يضمها هذا المجلد في صفحاته التي تتجاوز الأربعمئة، مثل «العودة إلى الدار» و«الخيانة» و«القائم على الأمور». ليس هذا فحسب، وإنما لابد للقارئ أيضاً من التركيز على قصائد محددة، من المحقق أن في مقدمتها قصيدتي «القنبلة» و«الموت» حيث نجد أنفسنا على موعد مع استنارة أقرب إلى صدمة كهربائية تفتح لنا المجال أمام إطلالة فريدة حول طبيعة العلاقات بين الناس، سواء أكنا نتحدث هنا عن أفراد أسرة واحدة أو عن خصوم سياسيين تحتدم بينهم العداوة ربما وصولاً إلى اجتياز مخاضات الدم.
لكن من هو هذا الرجل الذي كتب هذه المسرحيات والقصائد والمقالات الماثلة بين دفتي هذا الكتاب؟ من هو هارولد بنتر حقاً؟ وكيف استطاع أن يصل إلى مستوى يهز به العالم هزاً عبر إبداعه وحركته السياسية وأخيراً عبر محاضرته الخاصة بجائزة نوبل؟
الجميع يعرف أن بنتر ولد في هاكني، وهو حي من أحياء شرقي لندن تقطنه غالباً عائلات من الطبقة العاملة البريطانية، وكان أبوه يعمل حائكاً للثياب، ولدى اندلاع الحرب تم إخلاؤه إلى كورنوول، حيث تحول هذا الانتزاع من بين ذراعي أبويه إلى واقعة مأساوية تركت بصمتها بقوة عليه، حيث أقام مع 26 صبياً آخرين في قلعة على الساحل. وفي الرابعة عشرة من عمره عاد إلى لندن، وفيما بعد سيقول عن هذه الفترة من عمره: «إن وضعية التعرض للقصف بالقنابل لم تفارقني قط».
تلقى بنتر تعليمه في مدرسة هاكني داونز، حيث قام بالتمثيل في مسرحيات قدمتها المدرسة، واهتم اهتماماً كبيراً بالأدب الإنجليزي وبصفة خاصة بالشعر الانجليزي، ويلفت نظرنا حقاً أنه قرأ كثيراً لفرانز كافكا وإرنست همنجواي.
بعد عامين سعيدين ترك بنتر دراسته في أكاديمية لندن الملكية لفنون الدراما. وفي عام 1950 بدأ في نشر قصائده في مجلة «بويتري» تحت اسم هارولد بنتا، وعمل بالتمثيل في هيئة الإذاعة البريطانية. وأمضى أربع سنوات في مسارح إقليمية تقدم عروضاً لمسرحيات قديمة تحت اسم ديفيد باردن، وبدأ يكتب للمسرح.
من المعروف أن بنتر كتب مسرحيته الشهيرة التي تعود إلى عام 1957 بعنوان «الغرفة» في أربعة أيام لا غيرها، وبثت أولى مسرحياته عبر أثير هيئة الإذاعة البريطانية في 1959، وهي مسرحية «ألم خفيف». أما مسرحيته الكاملة الأولى «حفل عيد الميلاد» فقد قدمها قسم الدراما في جامعة بريستول عام 1958.
وكانت تلك هي بداية نصف القرن من الإبداع الذي سيقوده إلى الفوز بجائزة نوبل، حيث نلاحظ أن مسرحياته الكبرى، التي يضم هذا الكتاب أبرزها على الإطلاق، تضرب جذورها في صورة بصرية واحدة بالغة القوة، وهي عادة ما تجري أحداثها في غرفة واحدة، يتعرض الموجودون فيها لتهديد من جانب قوى أو أناس لا يدري أحد نواياهم، ولا يستطيع أي من الشخصيات أو الجمهور سبر أغوارهم.
وقد كتب الكثير من النقاد ما يستنفد نهراً من المداد عن بنتر وعالمه الإبداعي، ولكن ربما من الجدير بنا التوقف عند كلمة موجزة للناقد مارتن إيسن، يقول فيها: «إن الحوار عند بنتر يجري التحكم فيه بصرامة تحكمه في شعره وربما أكثر، حيث يحسب كل مقطع، كل تموج، كل تتابع لحروف الغنة وحروف المد، كل الكلمات وكل العبارات، لتقديم منتج نهائي متميز. وعلى وجه الدقة فإننا هنا إزاء عناصر التكرار، الانقطاع، دوران الكلام العادي النابع من حديث كل يوم التي تستخدم كعناصر شكلية يمكن للشاعر أن يشكل منها مجموعة ألوانه».
وفي كل الأعمال التي يضمها هذا الكتاب، وبغض النظر عن القالب أو الإطار أو الشكل الذي تندرج فيه، فإن هارولد بنتر يرفض دائماً أن يقدم تبريرات عقلانية للأحداث، ولكنه يقدم لمحات وجودية أو لحظات رهيبة يحياها الناس. دعنا ـ على سبيل المثال ـ نبادر إلى إلقاء نظرة على هذه اللمحة من مسرحية «القائم على الأمور»، التي يضمها هذا الكتاب أيضاً، ولنتأملها طويلاً في ضوء المقتطف الذي نقلناه عن الناقد مارتن إيسن:
أستون: قلت إنك تريد أن أوقظك.
ديفز: لم؟
أستون: قلت إنك تفكر في الذهاب إلى «سيدكب».
ديفز: آه، ذلك سيكون جيداً، لو أنني وصلت إلى هناك.
أستون: لا يبدو هذا اليوم واعداً.
ديفز: آه، طيب. هذا يقضي على الأمر. أليس كذلك؟
ويبقى القول إن أهم ما في كتاب «أعمال بنتر الأساسية» هو قدرته على جعلنا نحقق منطلقات أفضل للتساؤل حول العالم وحول أنفسنا، وربما كانت تلك السمة هي أهم ما يميز كل أدب إنساني رفيع، حتى وإن اختلفنا بعمق مع مبدعه.
ديفيد هير يحكي عن هارولد بنتر
«لقد فعل بنتر ما قال أودن إن الشاعر ينبغي أن يقوم به، فقد قام بتنظيف مجاري اللغة الانجليزية، بحيث أنها بعد ذلك تدفقت المياه فيها بيسر أكبر وبمزيد من النظافة.
ويمكننا كذلك القول إنه فوق أعماله وفوق شخصيته تحلق نوعية من الروح القناصة تزداد عنفواناً وقوة لأنها يتم الحفاظ عليها في إطار القالب الفني الصارم، أو في إطار بدلة سوداء.
وجوهر جاذبيته الفريدة هو أن تعكف على كل مسرحية يكتبها متوقعاً لما ليس منتظراً.
وباختصار فإنني أقدم هذه المساهمة من كاتب في فهم كاتب آخر: إنك حيال هارولد بنتر لا تستطيع أبداً أن تعرف ما الذي سيأتي لاحقاً بحق الجحيم».
* الكتاب: أعمال بنتر الأساسية
* الناشر: غروف ـ نيويورك 2006
* الصفحات: 440 صفحة من القطع المتوسط
The Essential Pinter
Hrold Pinter
Grove Press- N.Y 2006
P. 440
