يواصل الكاتب والناقد المغربي أحمد شراك أستاذ بجامعة محمد بن عبدالله بفاس وعضو المكتب المركزي لاتحاد كتاب المغرب، في هذا الكتاب نبشه في إشكالات الثقافة والمثقف العربي بشكل عام والمغربي بشكل خاص، فبعد كتبه «الثقافة والسياسة» 2000 و«مسالك القراءة» 2001 و«سوسيولوجيا التراكم الثقافي» 2004 .

يأتي كتاب «فسحة المثقف» قبل وبعد 11 سبتمبر 2001» ليقارب مسألة أساسية وهي فسحة المثقف بالجمع وخصوصا مجال فعاليته وديناميته في الفضاء الاجتماعي والسياسي عبر استنطاق استراتيجيات دوره ووظيفته في هذا الفضاء.

في العالم بشكل عام والعالم العربي بشكل خاص وفي المغرب بشكل أخص من خلال مفهمة شبكة من القضايا عبر ذهابها وإيابها من الغير إلى الأنا ومن الأنا إلى الغير وتحديداً من خلال أشكلة مجموعة من الأطروحات والتصورات حول دوره في الماضي عبر مسافة زمنية تمتد إلى سنة 2000 مع نهاية القرن العشرين وحول دوره في الحاضر انطلاقا من سنة 2001، بعد أحداث 11 سبتمبر بالولايات المتحدة الأميركية، كحدث عملاق بين فسحتين أساسيتين وهما : فسحة النهاية وفسحة البداية.

الفسحة الأولى تحاول تأبين فاعلية المثقف التاريخية في التنوير والتثوير والانخراط في الشأن العام كمعنى أساسي في هذا الشأن بحكم وظيفته المنتهية في التبليغ والإبلاغ.

أما الفسحة الثانية فترى بأن البداية (الأصل) مستمرة بل أكيدة في المجتمعات العربية والإسلامية على الخصوص والتي مازالت تنشد الحداثة السياسية من ديمقراطية وحقوق الإنسان واستقلالية الدولة عن المؤثرات الإيديولوجية فضلا عن غياب العقلنة كشرط ضروري في النسيج الاجتماعي والثقافي.

وفي هذا الإطار يقول الكاتب أحمد شراك إن ما بين هاتين الفسحتين (النهاية والبداية) توجد فسحة أخرى في الاتجاه المعاكس لم يتم التعرض لها إلا لماما، وهي كيف يرى الفاعل السياسي فسحة المثقف، هل هي مجرد تلميع لصوته وتكريم لدوره؟

إن هذه الفسحات تطرح ملابسات ابستمولوجية ونظرية ومنهجية وايديولوجية معقدة في وجه الدارس، وقد زاد من تعقيدها وتراكبها قيام أحداث سياسية وتاريخية هزت العالم في التسعينات من القرن الماضي كسقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي وحرب الخليج الثانية وما خلفته من تداعيات مست في العمق دور المثقف وأدت إلى استفهام وظيفته والتشكيك في فاعليته.

كما أن هناك أحداثا أخرى وقعت في بداية القرن الحالي كأحداث سبتمبر وحرب أفغانستان وغزو العراق واستمرار الانتفاضة الثانية للشعب الفلسطيني، وكلها أحداث أعادت مسؤولية المثقف إلى الواجهة من جديد، ولعلها فسحة أخرى حرجة تتفاعل فيها حالة مزدوجة تتوزع ما بين الدهشة والصدمة، الدهشة تجاه هذه الأحداث والصدمة من مفعولها إما على صعيد الواقع وإما على صعيد الخطاب النظري ومن ضمنه موقع المثقف وفسحته.

ولمقاربة كل هذه القضايا قسم الكاتب مؤلفه هذا إلى ثلاثة فصول محورية، ناقش في الفصل الأول منها والمعنون بـ «المثقف وميتافيزيقا النهاية» خطاب النهاية على ضوء المتون النظرية التي طرحته، كما حاول البحث عن دور غير نهائي، عن دور يتسم بالديمومة والفاعلية للمثقف وذلك من خلال اقتراحه أطروحة المثقف المشاكس،

وهو ذلك المثقف الذي يركب صهوة النقد من دون أن يكون ملتزما بأدبيات حزام سياسي أو مترجما لخطاب ما أو مراقبة ما، هو ذلك الذي يتحرر من إسار السياسي ومن تبرير كل ما يقوم به (الفاعل السياسي) باسم المركزية الديمقراطية أو باسم القبيلة أو باسم التبعية وكسب المريدين.

فالمثقف المشاكس، برأي أحمد شراك، غير المثقف المعارض والمثقف العدمي الذي يرفض كل شيء باسم حساسية ما، إنه ذلك المثقف القادر على القيام بدور ما في علاقته بالشأن العام، بطريقة مختلفة ومفارقة بعيدا عن التزلف والانبطاح والطموح إلا طموح المشاكسة في أفق إعادة إنتاج علاقة جديدة لعلاقة الثقافة بالسياسة عنوانها الهامش والصيرورة النقدية تجاه الأوضاع المحلية والعربية وتجاه العوامة كاستراتيجية في الخطاب والممارسة.

أما في الفصل الثاني المخصص لـ «المثقف بين المؤسسة والهامش» فقد حاول الكاتب إبراز علاقة المثقف بالمؤسسة وتحديدا المؤسسة التربوية من خلال خطاب هامشي «الغرافيتيا» أو الكتابة على الجدران، لتبيان دور المثقف ورصد الإخفاق السياسي للمثقف المناضل، خاصة المثقف العقلاني والديمقراطي وبروز التيار الإيديو ـ إسلامي اليوم أو ما يعرف بالمثقف الأصولي أو الفقهي الجديد،

وهو الأمر الذي أكده الهامش في الثانوية المغربية حيث كشفت العديد من تلك الخطابات عن حضور البعد الديني بشكل كبير وتواري البعد السياسي بشكل نسبي لأنه يطفو بين الفينة والأخرى على السطح مع بروز أحداث سياسية قد تصل إلى حد الغليان والاحتجاج في مناسبات دالة، كاحتجاجات التلاميذ ومسيراتهم خلال حرب الخليج الثانية وانتفاضة الأقصى وغيرها من الأحداث وهو ما يدل على أن هذا القطاع مرشح للفعل السياسي إذا ما تهيأت له فرص أدنى للتأطير السياسي.

أما في الفصل الثالث والأخير من كتاب «فسحة المثقف» والمتعلق بـ «المثقف والنهاية المعكوسة» بين الكاتب ملامح المثقف الفقهي الجديد وامتداده في المغرب والعالم العربي والإسلامي وانتقاله من اللحظة الدعوية إلى اللحظة الفعلية عبر ممارسة العنف، وهو مثقف يندرج ـ ولا شك ـ تحت عنوان «المثقف الإرهابي» في مقابل مثقف جديد آخر لا يقل خطورة عنه

وهو المثقف الإحلالي أو الكولونيالي الجديد الذي يعطي الشرعية للقوات الأميركية في الاحتلال والاستعمار، ويحل قوة الأجنبي في أرضه ويستقوي به تجاه شعبه، من دون امتداد شعبي ولا سند فعال، مثقف يستمل الأجنبي في الجغرافيا والثروة والإنسان.

وانطلاقا من تحديد مصطلحي الإرهاب والإرعاب اللذين يلتقيان في الفزع والخوف، كشف الكاتب عن أوجه الاختلاف النسبي بينهما حيث أشار أن الإرعاب عادة ما تمارسه مؤسسة أو دولة تجاه جماعة أو أمة، عبر الاستقواء بامتلاك وسائل ذلك وعلى رأسها التكنولوجيا المدمرة أو الآلة القمعية الرهيبة التي يمكن استنتاجها من خلال قراءة سيميائية لعناوين الحملات العسكرية الإسرائيلية والأميركية من مثل «عاصفة الصحراء» كعنوان لحرب الخليج الثانية

و«الصدمة والترويع» كعنوان لغزو العراق في أبريل 2003 و«الشبح الغاضب» كعنوان للحرب على مدينة الفلوجة ومن هنا فإن الإرعاب فعل مؤسسي علني ومرئي بينما الإرهاب يمكن أن يحدث في أي زمان ومكان، إنه يقوم على التشفير ويستعمل وسائل أولية في الضرب مركزا على فعالية الجسد (الجسد في حد ذاته قنبلة) انطلاقاً من قراءة معينة لمفهوم الجهاد الذي يصل إلى استرخاص النفس مقابل أجر لا مرئي مرتبط بالدار الأخرى، فالإرهاب هو إرعاب لا مرئي وهامشي والإرعاب هو إرهاب مرئي ومؤسسي.

وبخصوص المثقف الاحلالي الجديد الذي شهده هذا القرن تساءل الكاتب هل هو مثقف كوني يحمل إيديولوجيا «نهاية التاريخ»؟

وألا يمكن اعتباره «مثقف البداية» ما دام يحمل رسالة تغيير أنالوجية حتى لو كانت بأيادي الغير ضد أوضاع سياسية معيقة ومتجاوزة وعلى رأسها الأنظمة الشمولية والدكتاتورية؟

ألا يمكن اعتباره نتيجة أو رد فعل تجاه المثقف الإرهابي؟ وهنا يخلص الكاتب إلى أن كلا المثقفين يلتقيان في خدمة الإستراتيجية الأميركية، فالمثقف الإرهابي يبرر اليوم بعدما كان ينفذ بالأمس باسم الجهاد ضد الدب الأبيض في أفغانستان، والمثقف الاحلالي ينفذ اليوم بعدما كان يبرر بالأمس باسم معارضة في المنفى قبل الحرب، إنهما مثقفان يسيران في خطين متوازيين لكنهما التقيا في البداية.

وفي خط الوصول إلى النهاية هنا والآن، أما ترسيخ نهاية التطور التاريخي للبشرية وهو إقامة مجتمعات رأسمالية ديمقراطية، لا مجال فيها للتنافس مادام عصر الحرب الباردة قد انتهى وأن العدو المرتقب ليس الإسلام كعقيدة ودين وإنما الإسلام كإيديولوجيا ينبغي هزمها بالحديد والنار حتى يكون الانتصار عارماً وشاملاً ومستحقاً.

سعيدة شريف

* الكتاب: فسحة المثقف

* الناشر: اتصالات سبو الدار البيضاء 2006

* الصفحات: 135 صفحة من القطع المتوسط