تزامن صدور الكتاب الجديد للباحث الدكتور محمود حريتاني «حلب والسلطنة العثمانية» مع تسمية حلب عاصمة للثقافة الإسلامية 2006، فجاء بمثابة تسجيل لتراث حلب المعماري خلال أربعمئة عام، على اعتبار أن المدينة القديمة سجلت منذ عام 1986 ضمن قائمة التراث العالمي لما تزخر به من أبنية تاريخية لا تزال قائمة وشاهدة على بانيها وعصرها وطرازها المعماري الخاص.

والدكتور حريتاني غني عن التعريف فهو باحث ومهتم بتوثيق تراث حلب المعماري وقد صدرت له مجموعة من الكتب والدراسات منها: (أحياء حلب القديمة 2005)، (حلب أسواق المدينة 1991)، (سويقة علي بالفرنسية 1998)، (حلب بالألمانية 1984).. وغيرها.

يشير الباحث في كتابه الجديد إلى أن «مسجد خسرو باشا» يعتبر أقدم بناء شيدَ في حلب بداية القرن السادس عشر، وكان لوالي حلب بين عامي 1530 و1534 والمعروف ب: (المدرسة الخسروية)، وحالياً: (الثانوية الشرعية).

وقد تم إنشاؤه عام 1544، وألحقت به أوقاف مهمة مساحتها حوالي خمسة هكتارات في الجنوب الغربي من قلعة حلب.

فيما بنى (محمد باشا دوقاكين زاده) ابن عم السلطان سليمان الأول وحفيد السلطان بايزيد الثاني في عام 1556 (جامع العادلية)، ومجمعاً وقفياً متاخماً له مؤلفاً من خان العلبية، وأربعة أسواق (1157 متجراً)، غطت مساحة ثلاثة هكتارات،

وفي عام 1574 بنى محمد باشا (إبراهيم خان زاده)، أعظم أوقاف تلك الفترة في حلب وإنطاكية وباياس وبيره جك حتى مكة والمدينة، وأهمها (خان الجمرك) الذي يعد من روائع العمارة، زخرفة وجودة بناء، وأبعاداً فريدة.. هذا فضلاً عن جوامع وخانات أخرى كجامع البهرمية، وحمام بهرم، وجامع الحموي، وخان الحبال، والتكية المولوية وخان الطاف وبيت جونبولاد.

أما في القرن السابع عشر، وبسبب اضطراب الأحوال السياسية في الإمبراطورية العثمانية، وبخاصة في سوريا الشمالية، قل التوسع العمراني، ورغم ذلك أوجد الوزير «إبشير باشا» في عام 1654، منشأة اقتصادية ضخمة نموذجية في الضاحية الشمالية (الجديدة) تضم خاناً وأربع قيساريات ومقهى وجامعاً وسبيلاً، اعتبره البعض من أجمل أبنية العالمين العربي والإسلامي في ذلك الوقت.

في حين عاد النشاط المعماري في القرن الثامن عشر، من خلال بناء 39 بناء عاماً (مقابل 35 في القرن 16، و21 في القرن 17)، وبرز في بناء مصابن متعددة جديدة (الزنابيلي والجبيلي)، ومشاغل النسيج في القيساريات (عدد أنوالها حوالي 12 ألف نول)، ومئة مصبغة ل: (43 نوعاً من النسيج)، هذا فضلاً عن الأبنية الوقفية كالمساجد ثم السبلان.

وفي هذا الإطار يشير د.حريتاني إلى أن (المدرسة العثمانية) تعتبر من أهم الأبنية الوقفية، وذلك نسبة إلى بانيها عثمان باشا الدوركي محصل الضرائب 1728 ـ 1730، ووالياً على حلب عام 1737، فضلاً عن أبنية في الريف وسبيل في الزاوية الجنوبية الشرقية ومنها (المدرسة الأحمدية) التي بناها في عام 1751 «أحمد» حفيد مؤسس عائلة مصطفى طه زاده نقيب الأشراف، وهي بناء رشيق قرب جامع البهرمية، وأوقافها: (خانان و8 قيساريات، ومصبغة، و73 دكاناً، و4 بيوت قهوة، وحمام).

وفي القرن التاسع عشر ورغم الاضطرابات الداخلية وتزايد الصراع الدولي وتناقض عدد سكان المدينة، إلا أن ظهور أحياء جديدة كالجميَلية والإسماعيلية والعزيزية، وردم خندق المدينة ليصبح طريقاً سريعاً وعريضاً للعربات. كل ذلك أوجد نهضة عمرانية ومعمارية واضحة في الضواحي التي بلغت (198 هكتاراً)، وقد ساهم في التخطيط المهندس الألماني (يونغ 1882 ـ 1885).

كما ظهرت أبنية مهمة قامت بها السلطات الحاكمة كمراكز للأمن في مداخل المدينة القديمة وفي حي العزيزية، وقصور لحكام المدينة في حي الجميَلية والإسماعيلية، والمدرسة السلطانية (ثانوية المأمون) وبرج ساعة باب الفرج، ثم ما شيدته الجاليات الأجنبية والإرساليات الدينية مثل (مدرسة الشيباني)، والأبنية العامة من مساجد وثكنات فضلاً عن مئات المنازل في الأحياء الحديثة.

ومع بداية القرن العشرين وحتى عام 1916 بنيت أبنية عامة كبلدية حلب (الهجرة والجوازات السابقة) ومقهى أمامها، ومستشفى الغرباء والمدرسة الرشيدية ومحطة بغداد، فضلاً عن قصور لكبار الموظفين كقصر «أبي الهدى الصيادي»، وقصر «آل كتخدا»، وقصر «آل المدرس»، وثكنة عسكرية للجيش الألماني، وأخيراً فندق على الأسلوب الأوروبي (فندق بارون)، إلى جانب واجهات بعض الكنائس الكبيرة.

هذا وقد واكبت عدسة الزميل الفنان «عماد علاء الدين» الوصف العمراني لتراث مدينة حلب، مما أعطى الكتاب الجديد أهمية توثيقية بالكلمة والصورة، ليطلع عليه كل مهتم مهما كانت ثقافته التاريخية والمعمارية والعمرانية.

* أنس الأموي

* الكتاب: حلب والسلطنة العثمانية

*الناشر:دار شعاع للنشر والعلوم حلب 2006

*الصفحات: 88 صفحة من القطع الكبير