قام بتأليف هذا الكتاب كل من الصحافيين الفرنسيين آلان فراشون ودانييل فيرنيه اللذين يعملان في صحيفة «لوموند» الفرنسية المعروفة. وهما يقدمان هنا صورة شاملة عن جماعة المحافظين الجدد التي سيطرت على القرار السياسي في واشنطن بعد ضربة 11 سبتمبر.
ومنذ البداية يقول المؤلفان ما معناه: لقد صعد المحافظون الجدد إلى الواجهة بقوة في عهد رونالد ريغان قبل أن يحتلوا المكانة الكبرى التي يحتلونها الآن في عهد جورج دبليو بوش. وبالتالي فهم ليسوا جديدين على الساحة وإن كان الناس قد نسوهم طيلة عهد جورج بوش الأب وبيل كلينتون. ففي عهد ريغان (1980-1988) نصحوا الإدارة الأميركية باتباع سياسة حازمة ضد الاتحاد السوفييتي عدوهم اللدود في تلك الفترة مثلما أصبح بن لادن وصدام حسين وملا عمر أعداءهم اللدودين لاحقا.
في تلك الفترة نصحوا الرئيس ريغان بتهديد الاتحاد السوفييتي وإنهاكه اقتصاديا عن طريق الانخراط في حرب النجوم. وهذا ما أدى إلى إسقاطه في نهاية المطاف لأنه لم يستطع مباراة أميركا الغنية في السباق المحموم على التسلح. ويعتقد المحافظون الجدد أنهم هم الذين أسقطوا الاتحاد السوفييتي وجعلوا أميركا تربح الحرب الباردة بعد خمسين سنة من الصراع ضد الشيوعية لأنهم اتخذوا ذلك الموقف الصارم وهو مضاد للسياسة الواقعية الحذرة لكيسنجر.
ثم يردف المؤلفان قائلين: وهناك جيلان من المحافظين الجدد: جيل الآباء الذي كان طالبا في الثلاثينات من القرن العشرين، وجيل الأبناء الذي التحق بهم في الستينات. والجيل الأول كان تروتسكيا ينتمي إلى أقصى اليسار! ثم أصبح بعدئذ يمينيا أو ليبراليا ولكنه ظل مضادا للشيوعية وبقوة.
وأما الجيل الثاني فقد كان مشغولا بالاستراتيجية النووية لأميركا أكثر مما كان مهتما بالصراع الإيديولوجي مع الماركسية اللينينية. ولكن هذا لا يعني أن عداءه للاتحاد السوفييتي والإيديولوجيا الشيوعية كان أقل.
والمحافظون الجدد ليسوا حركة منظمة بالمعنى الحرفي للكلمة بقدر ما هم حساسية فكرية وسياسية. وهم مشكلون من حوالي المئة شخص، ويتوزعون على المناصب الأكاديمية والسياسية بين واشنطن ونيويورك. إنهم عبارة عن مجموعة من النساء والرجال الذين يؤمنون بمقدرة الأفكار على تغيير العالم.
بهذا المعنى فهم ثوريون لا محافظين على عكس ما تدل تسميتهم الشائعة. إنهم طوباويون ومثاليون أكثر من اللزوم. ولهذا السبب فإن هنري كيسنجر يسخر منهم ومن طفوليتهم الصبيانية أو مراهقتهم الفكرية والسياسية. أما هم فيهاجمون واقعيته السياسية التي لا تتوانى عن التعامل مع الطغاة في العالم حفاظا على التوازنات الاستراتيجية المزعومة. لقد انتقد كيسنجر بول ولفويتز أحد قادة المحافظين الجدد بشدة لأنه يغامر بمستقبل أميركا. وقد رد عليه ولفويتز قائلاً بأنه لم يفهم أبدا البلد الذي يعيش فيه.
فأميركا بلد القيم الكونية لا بلد المساومات الدبلوماسية مع الطغاة والأنظمة الفاسدة.
وكيسنجر بحجة الواقعية في السياسة لا يتوانى عن التعامل مع أشد الأنظمة استبدادا حفاظا على المصالح السياسية أو التجارية للولايات المتحدة. أما المحافظون الجدد فلا يريدون مواصلة هذه السياسة الخارجية بعد اليوم. لماذا؟ لأنها تشكل خيانة للمبادئ والمثل العليا التي قامت عليها أميركا قبل أكثر من مئتي سنة. فأميركا هي بلد الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في رأيهم. وبالتالي فينبغي أن تصدر هذه القيم إلى الخارج ولو بالقوة إذا لزم الأمر.
أما كيسنجر فيهادن ويداور كالثعلب الماكر ويتعامل مع الصين الشيوعية والاتحاد السوفييتي وبقية الأنظمة الاستبدادية التي تنتهك حقوق الإنسان ما دامت هذه الأنظمة تحافظ على مصالح أميركا. وهو يفرض موقفه هذا بحجة الواقعية في السياسة. ولكنهم ما عادوا يقبلون بهذه الواقعية الوقحة التي تضحي بالمبادئ من أجل المصالح.
ثم يردف المؤلفان قائلين: ينبغي العلم بأن السياسة الخارجية الأميركية تنقسم إلى تيارين كبيرين منذ البداية: تيار انعزالي يهتم بالداخل الأميركي فقط وتيار توسعي يريد تصدير النموذج الأميركي إلى الخارج. فالرئيس الثالث للولايات المتحدة الأميركية توماس جيفرسون (1743-1826) كان من النوع الأول. وكان يقول ما معناه: من الأفضل أن تبني قيادة أميركا في بلادها نموذجا يحتذى لكل شعوب العالم على أن تتدخل في الشؤون الخارجية للدول الأخرى.
وكان يقول أيضا: إن مجرد تأسيس دولة ديمقراطية، حرة، ذات نزعة إنسانية في أميركا سوف يدفع بالآخرين إلى تقليدها. وبالتالي فلا داعي لأن ترسل الجيوش إلى الخارج لتحقيق هذا الغرض النبيل. وكان يواقفه على هذا الرأي الرئيس السادس للولايات المتحدة جون أدامز (1767-1848) الذي نصح الأميركيين قائلا: لا تذهبوا إلى الخارج لقتل الوحوش هناك. اهتموا بأموركم الداخلية وحسنوها. واتركوا الآخرين يحلون مشكلاتهم بأنفسهم.
وهذه هي المدرسة الانعزالية في السياسة الأميركية. ولا يزال لها أنصارها في أميركا حتى اليوم. فكيسنجر كان من أنصارها، وكارتر، وبوش الأب لو لم يجبر على انتهاكها من قبل صدام بعد غزوه للعراق، كلهم من أتباع التفاوض والدبلوماسية لا التدخل العسكري وفرض الرأي بالقوة.
أما المدرسة الثانية الكبرى في السياسة الخارجية الأميركية فهي تلك المتمثلة بالرئيس اندرو جاكسون (1829-1837)، وتيودور روزفيلت (1901- 1908) ثم بالأخص ودرو ويلسون (1912-1920). فهذا الأخير دعا إلى نشر أفكار الحرية والديمقراطية في شتى أنحاء العالم.
واشتهر بمبادئه الأربعة عشر التي تنص على حق الشعوب في تقرير مصيرها والتخلص من الاستعمار والتوصل إلى الحرية.والمحافظون الجدد ينتمون إلى هذه المدرسة بدون شك. فهم يقولون إن انتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة وإسقاط الاتحاد السوفييتي أديا إلى وضع جديد لا مثيل له في التاريخ:
وهو أن أميركا أصبحت القوة العظمى الوحيدة في العالم وبالتالي تقع عليها مسؤولية جسيمة. وهذه المسؤولية تتمثل فيما يلي: إسقاط كل الطغاة والدكتاتوريين في العالم إذا أمكن وعلى رأسهم صدام حسين. ولذلك نشر اثنان من كبار المحافظين الجدد كتابا قبل غزو العراق يتخذ العنوان التالي: طريقنا يبتدئ من بغداد. والمقصود أنه لن ينتهي بعد احتلال بغداد. ثم يردف المؤلفان قائلين:
والمحافظون الجدد يعتقدون أنه لا ينبغي على أميركا أن تخشى من قوتها الإمبراطورية، ولا ينبغي أن تشعر بعقدة الذنب لأنها أقوى بلد في العالم. على العكس، ينبغي أن تتحمل مسؤولية ذلك بكل فخر وشجاعة. وينبغي أن تساهم في تحرير الشعوب الأخرى من طغاتها، وإلا فإنها تكون قد خانت رسالتها العليا التي أسست من أجلها قبل مئتي سنة أو أكثر.
فلا يحق لأميركا أن تترك الشعوب الأخرى ترزح في أغلال العبودية والقهر من قبل أنظمة دكتاتورية بشعة وإنما ينبغي عليها أن ترسل قواتها إلى الخارج لتحرير الشعوب حتى لو ضحت بالآلاف من أبنائها. وينبغي عليها أن تبشّر بالحرية لأن رسالتها الخالدة تكمن هنا.
هذا هو منطق المحافظين الجدد. وقد ظلوا يبشرون به طيلة سنوات وسنوات بعد ريغان دون أن يستمع إليهم أحد. بل إن بيل كلنتون كان يسخر منهم ومن حماقاتهم الصبيانية وتهورهم. وكذلك فعل جورج بوش الأب الذي رفض إسقاط صدام بعد تحرير الكويت على الرغم من أن ذلك كان في متناول يديه. فلم يكمل الطريق إلى بغداد عندما كانت سالكة ومفتوحة أمام جيوشه المنتصرة.
بل وحتى جورج دبليو بوش كان يتبع سياسة والده الواقعية في مجال السياسة الخارجية في بداية ولايته. ثم جاءت ضربة 11 سبتمبر لكي تقلب الأمور كلها رأسا على عقب ولكي تقدم للمحافظين الجدد فرصة ذهبية ما كانوا يحلمون بها. بدءًا من تلك اللحظة أصبحت أفكارهم رائجة في واشنطن ودخلت حيز التطبيق. بدءًا من تلك اللحظة أصبح جورج بوش واحدا منهم دون أن يدري.
فالرجل ليس مثقفا ولا تهمه المناقشات الإيديولوجية المعقدة التي كثيرا ما ينهمك فيها بكل شغف المحافظون الجدد من ريتشارد بيرل، إلى بول ولفويتز، إلى روبرت كاغان، إلى ويليام كريستول، إلى دافيد فروم، الخ.
ولكنه، أي بوش، لم يجد أية إيديولوجيا تناسبه للرد على التحدي إلا إيديولوجية المحافظين الجدد. ولذلك تبناها. وبدأ بتطبيقها عمليا في أفغانستان أولا، ثم في العراق ثانيا، ولا نعرف في أي مكان ثالثا؟ أليست تطبق الآن في لبنان مثلا؟ ألن تطبق لاحقا في سوريا وإيران وغيرهما من البلدان؟ ربما. ولكن بعد هضم العراق أو استيعاب مشكلته واستتباب الأمان والسلام فيه، وليس قبل ذلك. فاستراتيجية المحافظين الجدد تتقدم خطوة، خطوة.
وأخيرا يقول المؤلفان ما معناه: إن المحافظين الجدد مع الحرية في كل مكان ما عدا مكان واحد هو: فلسطين. فمعظمهم من مؤيدي اليمين الإسرائيلي وبخاصة ريتشارد بيرل. وحده بول ولفويتز اتخذ موقفا لصالح قوى السلام داخل إسرائيل ولصالح الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني. ولكنهم رجموه بالحجارة ووبخوه وطردوه من إحدى المظاهرات في واشنطن لأنه دعا إلى ذلك علنا. لقد طردوه على الرغم من أنه كان وزيرا في الحكومة أو نائب وزير.
وقد قلب المحافظون الجدد الأولويات في الشرق الأوسط. فلم تعد القضية الفلسطينية هي القضية المركزية وإنما تغيير الأنظمة وأوضاع المنطقة برمتها وبعدئذ يصبح حل مشكلة فلسطين سهلا كما يعتقدون.
وبالتالي فقد قلب المحافظون الجدد استراتيجية اميركا في المنطقة رأسا على عقب .فهم يرون ان اسرائيل لن تقبل في المنطقة الا بعد اضعاف كل قوى الرفض العربية بالشكل الكافي.انهم يريدون تطويع المنطقة كلها قبل الحل النهائي لهذا الصراع المزمن الذي اصبح حجر عثرة في طريق تنفيذ مخططاتهم وتأمين مصالحهم البترولية وسواها.
ولهذا السبب دعا بوش الى تشكيل الشرق الاوسط الكبير ونشر الديمقراطية فيه.فالمحافظون الجدد ينطلقون في تفكيرهم من الفرضية التالية وهي ان الانظمة الاستبدادية هي وحدها الميالة الى الحروب وسفك الدماء على عكس الانظمة الديمقراطية الحرة.وهي فكرة كانطية في الواقع، نقصد بانها تعود الى الفيلسوف الالماني التنويري الكبير ايمانويل كانط، ولكن فاتهم ان القوى العدوانية في اسرائيل قوية جدا ايضا، وبالتالي ينبغي تطويعها هي الاخرى ايضا اذا ما ارادوا حل مشكلة المنطقة بالفعل، ولكن لا احد يجرؤ على مطالبة اسرائيل بأي شيء.
* الكتاب: أميركا التبشيرية حروب المحافظين الجدد
* الناشر: سويل ـ باريس 2005
* الصفحات: 223 صفحة من القطع المتوسط
L'Amérique messianique
les guerres des néo-conservateurs
Alain Frachon et Daniel Vernet
Seuil - Paris 2005
P.223
