مؤلفا هذا الكتاب هما رئيس وزراء فرنسا الحالي دومينيك دوفيلبان وأحد أبرز مفكري فرنسا السياسيين اليوم جورج سومبرن، ذو الانتماء اليساري.«نحن الأوروبيون»، هكذا يطلق سكان القارة «القديمة» على أنفسهم منذ عدة قرون على الأقل ومهما اختلفت أممهم. هذا الكتاب هو محاولة لدراسة آليات تشكّل أحلام الأوروبيين ومخاوفهم وتحليل الدوافع والأسباب التي دفعت الأوروبيين إلى شن حروب طاحنة فيما بينهم أو التي جعلتهم يتقاربون ويدعون إلى توحيد صوتهم.

يقول دومينيك دوفيلبان في تعريفه لأوروبا: «إن أوروبا، وقبل أن تعبر عن مكان، هي امرأة. امرأة كان جوبيتر قد خطفها من الشواطئ الفينيقية. إنها ابنة صور وصيدا، مدينتا التبادل والتجارة اللتان عرفتا القوافل بما تحمله من توابل وأقمشة ومال وجلود وغير ذلك مما كانت تنهله من كنوز الشرق، مدينتان وصل بحارتهما حتى الشواطئ الانجليزية، مدينتان للمعرفة نشرتا عبر العالم الأبجدية الفينيقية التي ورثناها والتي تؤلف شارة بعد شارة الجغرافية المعقّدة للغاتنا المختلفة. الانفتاح والثقافة هما الكلمتان الأساسيتان لأوروبا الوليدة.

ورغم كل التمزقات التي عرفها تاريخ أوروبا فإنهما سترسمان مسار مصيرها». ويرى جورج سامبرن أيضا بأن أوروبا بالنسبة له هي أولا «بلد الأدب والقراءة بمختلف لغاتها المتعددة وبانسجامها الروحاني. إنها ذاكرة ثقافية وأفق للعيش أيضا». وهو يرى بأن أوروبا قد عرفت في البداية توصيف أنها «مسيحية» ثم جرى منعطف تاريخي حاسم جعلها توصف بأنها «بلاد التنوير».

أما أوروبا الحالية بمشروعها التوحيدي فيرى المؤلفان بأنه ينبغي لها أن تسعى أولا للسلام والديمقراطية، ولكن أيضا لتحصل على أفضل النتائج من العولمة بعد أن نجح قادتها، ومهما اختلفت مشاربهم وانتماءاتهم، في تحقيق «مصالحة تاريخية» بعد حروب سالت فيها دماء كثيرة، لينطلقوا في مغامرة مشتركة لا سابق لها.

وكان وراء فكرة توحيد أوروبا في بداياتها بعض الأصوات ثم تبناها عدد قليل من القادة الأوروبية، لكن هذه الحركة اتسعت وامتدت بعد سقوط جدار برلين عام 1989، أما التحدّي الكبير الذي تواجهه أوروبا اليوم فيتم تحديده في إيجاد الاندفاع السياسي المشترك للسير نحو الأمام وبنفس الوقت المحافظة على ما يسميه المؤلفان ب«القيم الأوروبية».

ويجري التركيز في التحليلات والآراء التي يقدمها المؤلفان على القول بأن أوروبا هي اليوم «فكرة جديدة»، وذلك بمعنى أنها «تتقدم» دون أن تحل محل «الأمم القديمة»؛ وإنما تسعى لاختراع نوع من «الديمقراطية الأوروبية» ذات الهويات والجذور المتنوعة وإنما التي تلتقي حول «مثال مشترك». وهذا يتطلب الوصول إلى التوفيق بين التصدّي لما هو طارئ وملحّ وبين الاستمرارية والسيطرة على «أهواء الماضي» و«أشكال الخوف» التي تبعثها.

ما يتفق عليه المؤلفان هو أنه ليست هناك أية قارة أخرى قد عرفت مثلما عرفت أوروبا من الحروب، حرب المائة عام، وحرب الثلاثين عاما، وخاصة الحربين الكونيتين الأولى والثانية في القرن العشرين وهما اللتان انطلقت شرارتهما من أوروبا وعلى خلفية نزاعات وطموحات أوروبية.

لكن هذين الحربين شكّلتا منعطفا في الوعي الأوروبي. إذ انطلاقا من «وحول الخنادق» وجبهات القتال تبلورت القناعة أنه ينبغي على أوروبا أن تخط لنفسها «مصيرا آخر»، وبدلا من الاقتتال والدمار والمواجهات التي لا تنتهي لا بد من قيام ذهنية «تبادل المساعدة» من أجل بناء أوروبا «جديدة».

وبهذا المعنى يقول دومينيك دوفيلبان ان نهاية الحرب العالمية الثانية قد شكلت «قطيعة» و«تأسيسا» في الوقت نفسه (...). إذ للمرّة الأولى في تاريخ أوروبا أدركت أنه ليس أمامها طريق آخر سوى المصالحة». هكذا أصبحت فرنسا وألمانيا «الشقيقتين العدوتين» في الأمس، هما المحرك الأساسي لفكرة أوروبا السياسية التي تسعى لتحقيق توحيدها على خلفية «الديمقراطية».

لكن ماذا عن «الإنسان الأوروبي»؟

يقول دوفيلبان: «كان الإنسان الأوروبي راحلا باستمرار»، هكذا نما «وعيه» على «الطرق» التي قادته من غياهب القرون الوسطى إلى الجامعات الأولى.

وكذلك على الطرق التي قادته بين مدن أوروبا اعتبارا من القرن الخامس عشر. هذا ما يرمز له الفيلسوف «إيراسم» عندما جاب من شمالها إلى جنوبها كي ينشر أفكاره ورؤيته للعالم. ومثل إيراسم فعل الكثير من الفنانين والرسامين والموسيقيين والأدباء والنحاتين والمفكرين وغيرهم ممن جعلوا من القارة كلها إطارا لنشاطاتهم «دون أن يشعروا أنهم أجانب»،

وحتى كان البعض يلجأون من بلدهم إلى بلد آخر، لأسباب ما، لكنهم لم يكونوا «منفيين» بالمعنى الكامل للكلمة، كما عبّر العديدون منهم، وينقل دوفيلبان عن «إدمون بورك» قوله: «لا يمكن لأي أوروبي أن يكون منفيا تماما في أي جزء من أوروبا».

ويتم التركيز في تعريف «الإنسان الأوروبي» على أنه فرد و«الفرد في أوروبا هو ملك، وهذا منذ البدايات». ثم جاءت الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 لكي تعترف للمرّة الولى ب«الحقوق الأساسية للفرد»، ولكنها فعلت ذلك على خلفية تقاليد قديمة وعريقة ليس أقلها القانون الروماني الذي يلعب فيه «حق الملكية الفردية» دورا كبيرا.

كذلك يتم التاكيد في هذا السياق على أن ظهور الرأسمالية زاد من الأواصر القائمة بين النزعة الفردية الأوروبية وبين تقاليد التجارة التي اشتهرت فيها القارة القديمة، ولا شك بأن الديمقراطية قد أعطت قيمة أكبر للفرد، من خلال هذا كله نتج ما يدعوه المؤلفان ب«المواطنية الأوروبية». وحيث أصبح «المواطن الأوروبي» حقيقة سياسية قائمة منذ توقيع اتفاقية ماستريخت الأوروبية عام 1992 وحيث أصبح يحق بموجبها لأي مواطن أوروبي أن يقترع وأن يتم انتخابه في الانتخابات البلدية للدولة التي يقيم فيها.

وبعد أن يتساءل جورج سامبرن: «هل الإنسان الأوروبي موجود حقا؟» يجيب نقلا عن الفيلسوف «إدمون هورسل» تأكيده أنه توجد بالطبع علاقة ذات طبيعة أوروبية خاصة للإنسان مع الحياة ومع التاريخ. ويؤكد هورسل نفسه منذ عام 1935 قوله: «يوجد في أوروبا شيء فريد من نوعه تحسّ به المجموعات البشرية الأخرى عندنا، وهذا ما يدعو لتمثل القيم الأوروبية أكثر».

لكن مثل هذه النزعة «التوحيدية» للذهنية الأوروبية، وهذا «النوع الفريد» الذي يميّز الأوروبيين «عن بقية المجموعات البشرية الأخرى، لا يقوم، حسب تأكيد سامبرن، على «رفض الآخر» وعلى «الانغلاق» داخل «هوية» لا تتغذّى سوى من تاريخها الخاص. كما يؤكّد أيضا بالمقابل بأن «الهوية الأوروبية» لا يمكنها أن تكون سوى انفتاح على الآخرين وحس الاكتشاف ثم «إن وحدتها قد تجذرت على مر القرون كي تتعمق في غنى أشكال تنوعها الكبير».

تبقى هناك مشكلة مطروحة تتعلق ب«حدود أوروبا»، كما جاء في عنوان أحد فصول الكتاب، أن أوروبا، مثل غيرها، مترددة بين «تحديد صارم» لحدودها وبين «تأكيد مشروع سياسي أكثر اتساعا».

هذا المشروع السياسي «الأوسع» هو الذي «دفع الاسكندر إلى اجتياز أكثر الجبال وعورة والمستنقعات الموبوءة بالملاريا والغابات الكثيفة للاستئثار بثروات البلدان التي فتحها» كما يقول دومينيك دوفيلبان الذي يشير أيضا إلى أوروبا التي أطلقت الحروب الصليبية وإلى حملة نابليون على مصر، وهكذا دائما ظلت مسألة الحدود مطروحة، لأنها «حدود متحركة».

إذا كانت هناك بلدان عديدة تطرح مشكلة بالنسبة لحدود أوروبا «السياسية» اليوم مثل بيلوروسيا وأوكرانيا، فإن تركيا هي التي تطرح المشكلة الأكبر في واقع الأمر بهذا الخصوص. بكل الأحوال ان الأطروحة المقدّمة في هذا الكتاب تقول ان «خط الحدود الوحيد الذي يرسمه الاتحاد الأوروبي هو خط الديمقراطية وحقوق الإنسان».

كما جاء في مقدّمة بيان المجلس الأوروبي في كوبنهاغن عام 1993. وهذا يتطابق مع «تطلع» أوروبي لتجاوز الحدود الجغرافية، بالمعنى الدقيق للكلمة.

في المحصلة ينتهي المؤلفان إلى القول أن أوروبا هي «رمز لذاكرة ولتجربة مكتسبة على قاعدة معاناة صعبة». إنها قارة قاتلت واقتتلت فيما بينها و«ماتت عدة مرات ثم انبعثت من رمادها». ولكن أمامها اليوم خيار العودة إلى السلام، وعليها أن لا تتلكأ فيه، إذ أن هذا يقدم لها «امتيازا» كبيرا في عالم تتطاحن فيه الهويات وتتصاعد فيه نزعات الانتماءات الضيقة.

وإذا كان هناك العديد اليوم يشككون ب«فعالية» أوروبا الموحّدة فإنه لم يعد هناك عمليا من يشكك ب«جوهرها».

المهم، كما يرى المؤلفان، هو أن لا يجري الانغلاق داخل رؤية «لاهوتية» لأوروبا وإنما المحافظة على رؤية عملية «براغماتية». ذلك أن الهدف لا يكمن في تحديد هيكلية نهائية للاتحاد الأوروبي من وجهة نظر مؤسساتية بحتة وإنما بالأحرى الاستجابة لما يتطلبه المواطنون الأوروبيون، خاصة في ضمان الديمقراطية. هذا وللمرّة الأولى نجد أن ممثلين لبرلمانات ولحكومات يحاولون التحرك باسم «الشعب الأوروبي» وعلى قاعدة «وعي أوروبي» أبعد من تعدد الأصوات والأصول.

صحيح أن 450 مليون نسمة يعيشون في أوروبا، ولكن ماذا يمثل هذا بالقياس إلى عدد سكان الصين أو الهند؟ يتساءل المؤلفان في خاتمة عملهما. إنهما يؤكدان بأنه ينبغي على أوروبا ـ القوة وأوروبا ـ السوق أن تتقدما معا. وهذا يشكل السبيل لإسماع الصوت الأوروبي للعالم.

صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام 2005 والطبعة الثانية عام 2006 بعد التنقيح والإضافات.

* الكتاب:الإنسان الأوروبي

* الناشر: بيران ـ باريس 2006

* الصفحات :235 صفحة من القطع الصغير

L'homme européen

Georges Semprun,

Dominique De Villepin

Perrin- Paris 2006

p.235