مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور «ستيفان أوليفيزي» الذي يدرس في جامعة ليون الثانية ويشرف على دراسات علوم الإعلام والاتصال فيها، والذي ألّف عديداً من الكتب والمقالات منها: المعارف الجاهلة والمعارف المجهولة (1999)، من الدعاية إلى الاتصال (2000)، التاريخ السياسي للتلفزيون (1998)، الاتصال في العمل (2002)، مسألة المنهج ـ نقد المعرفة في العلوم الاتصالية (2004)، الخ.

كما يبيّن عنوان الكتاب، فإن البروفيسور «أوليفيزي» ينتهج تقديم عرضٍ أصيل لأعمال وأطروحات عالم الاجتماع الشهير «بيير بورديو» حول الاتصال كرهان اجتماعي وكلعبة اجتماعية. في الحالة الأولى يؤخذ الاتصال كظاهرة عامة انطلاقا من زاوية التحولات البيئوية للفضاء الاجتماعي الذي تعمّم داخله، وفي الحالة الثانية ينظر إلى الاتصال عبر مجالات محددة، سياسية أو إعلامية أو ثقافية أو فنية أو دينية... للكشف عن أشكال التبادل والسيطرة التي تتم فيها.

الاتصال يطرح إذن العودة إلى الفضاء الاجتماعي في أية علاقة اجتماعية، أي إلى التاريخ المستبطن من قبل جميع الأفراد في سلوكياتهم،وإلى كل مجال اجتماعي بحد ذاته لتبيين بنية الروابط المكونة له والتي تشترط نشاط العاملين فيه أكان ذلك بشكل واع أم عفوياً.

فمسألة الاتصال لا تجري كمجرد فعل ورد فعل للعاملين فيه أو بسبب بواعث غامضة أو تقريرات حرة لهم؛ لأنهم لا يوجدون خارج الفضاء الاجتماعي، كما أن تصرفاتهم لا تأخذ معنى سواء بالنسبة لهم أم بالنسبة للآخرين إلا داخله. هذا يعني أن الأفراد حقيقة ملموسة لا يمكن نفيها، ولكنها حقيقة تشتغل تحت وطأة الفضاء الاجتماعي.بهذا لابد من رفع الوهم حول إمكانية قراءة مباشرة وفورية للعلاقة الاجتماعية، وأنه لابد في العملية الاتصالية بين البشر من تناولها من زاوية اشتغالها اجتماعيا والنزاعات التي تكتسيها.

والأمر كذلك فلابد من النظر إليها كحقيقة موضوعية بعيدة عن كل معيارية مثالية حولها.هذا النظر هو الذي يسمح بإلقاء الضوء على مختلف الظواهر التي تلازم الممارسة الاتصالية:

- التحولات التي تطرأ على المجتمع تحت تأثير تعميم الاتصال.

- تشكل ميادين أو مجالات نشاط مستقلة متمركزة على الاتصال.

- التغيرات التي تحدث في الأفراد العاملين في الحقل الاتصالي والذين يجدون أنفسهم تحت ضغط اجتماعي لتوجيه هذه السلوكيات.

- التوزع اللامكافيء للإمكانيات التي يملكها الصحافيون لمواجهة هذا الضغط وأشكال السيطرة الرمزية الناجمة عنه.

فالمجالات الاجتماعية المختلفة تخضع لتشكل اجتماعي تاريخي متدرج على قاعدة التباين والتخصص وبالتالي فإن الاتصال يبرز كعنصر محرك لتطور هذه المجالات التي تعرفها المجتمعات المعقدة النمو. إنه يشارك في بناء المجالات الاجتماعية والصراعات التي تجري داخلها في الوقت الذي يرتبط فيه بدينامية خاصة به اشتغالا وسيطرة رمزية.

بهذا لا يمكن فصل الممارسة الاتصالية عن التصورات التي يحملها الناس في جميع جوانب حياتهم اليومية. فمثلا فيما يتعلق بالممارسة الثقافية لابدّ من القول أن كل اتصال يفترض ثقافة يستطيع من خلالها الأفراد أن يدخلوا علاقة فيما بينهم. وهذه الثقافة يمكن أن تأخذ أشكالا متعددة: ثقافة مجموعة، أوثقافة طبقة، أو ثقافة «عالمية«، الخ. وهذه الثقافات المرادفة للهوية والتي يستبطنها الأفراد تعطي مكانا لمنطق متميّز من الاتصال يكشف من الانتماء إليها.

باختصار فإن الاتصال لا يتم إلا عبر التباين والتميّز الصارم للانتماء الاجتماعي، بل إنه ينتظم طبقا لذلك. والأفراد في طريقة تقييمهم وحكمهم على الأمور إنما يكشفون عن هذا الواقع الملموس، أي أنهم يحددون العلاقات فيما بينهم حسب عمليات التصنيف التي يقومون بها إزاء بعضهم بعضا.

ويشدد الكاتب على أن «بورديو» يطبق بوضوح على الممارسة الاتصالية مبادئ «رؤية» و«انقسام» الحياة الاجتماعية التي يحملها الأفراد في نشاطهم اليومي متعرضا بذلك للمجال الإعلامي بحد ذاته. فهذا المجال لا يتشابه لأدنى مرحلة مع وضعية اجتماعية منسقة تماما، لأنه مجزأ بسبب الاختلاف في القطاعات التي يشملها وتنوع الممارسات فيها. ومن هنا لا يوجد سوى احتمالين:

ـ الأول يكمن في تقسيم المجال الصحافي إلى «حيّزات دنيا» حسب تخصص نشاطاتها ومنطق اشتغالها (الحيّز السياسي، الحيّز الرياضي، الحيّز الفني...). حسب نمط الوسيلة الإعلامية واقتصادها (الصحافة المكتوبة، الراديو، التلفزيون، انترنت، السينما...) وحسب الجمهور المستهدف (فئات السن، الجنس، مستويات، التعليم والثقافة...) وأخيرا حسب التغطية الإعلامية (محلية كانت أم وطنية أم إقليمية أم دولية).

ـ الثاني يكمن في الإبقاء على المجال الإعلامي من أجل تحليل العلاقات التي تجمع مختلف الفئات العاملة داخله كميدان اجتماعي ـ مهني مشترك. هذا يعني الافتراض أن هذه الفئات تدخل في علاقات بنيوية بما يلقي الضوء على ما هو متماثل لديها ويشمل جميع الصحافيين.

وهنا فإن الفائدة في مقولة «المجال الصحافي» من أجل الكشف عن العلاقات التي ترى لأول وهلة وبالعين المجردة تصبح ضعيفة لأنها تمسح الخصوصيات القائمة في حيزات المهنة الصحافية المتنوعة.والحل أنه يمكن تناول هذه المشكلة طبقا لمستوى استقلالية المجال الصحافي ونوعية العلاقات التي يقيمها مع المجالات الاجتماعية الأخرى. بعبارة ثانية فإن المجال الصحافي لا يفلت هو من الضغوط عليه وعلاقات السيطرة داخله، أنه جزء من العملية الاتصالية بل وأبرزها.

والأهمية التي يضيفها الكاتب إلى أعمال «بورديو» هي أهمية منهجية كشفية تكمن في أن المجال الصحافي يخضع لمنطق السوق، وما ينجم عن ذلك من تراجع وضعف لاستقلالية المجال السياسي، التراجع والضعف الناجم عن تأثير المجال الإعلامي عليه والدخول في لعبته.

أضف إلى ذلك أن الصحافيين كمنتجين مثقفين أصبحوا يخضعون أكثر فأكثر لقوى خارجية عنهم لماذا؟ لأنهم ينتجون داخل منشأة تخضع هي لآليات العرض والطلب والإعلانات والبحث عن أوسع جمهور مستهلك... بحيث أن الاتصال أصبح مرهونا بهذه الآليات بالنتيجة أن حرية الاتصال هي في الواقع حرية المنشأة الإعلامية التجارية.

في الفصل الرابع يتعرض الكاتب إلى أن المجتمع يتوجّه حسب «بورديو» نحو إعادة إنتاج نفسه. فمثلا تتحدد وقائع النجاح في المدارس بالأصل الاجتماعي للتلامذة بوجه أساسي، وبالتالي فإن إعادة الوضعيات الاجتماعية نفسها واقعة قائمة. والأمر هو كذلك في الميدان الاتصالي حيث أن الأشكال الاجتماعية المسيطرة تتم بواسطة «العنف الرمزي« الذي يمارسه الاتصال معيدا بذلك إنتاج السيطرة نفسها. فكما يقول «بورديو»:

«لا يكفي أن نسجل أن علاقات الاتصال لا يمكن فصلها عن علاقات القوة، فالنظام الرمزي كوسيلة محكمة البناء، تكمن وظيفته في فرض شرعية السيطرة التي تساهم في تأمين سيطرة طبقة على طبقة (العنف الرمزي) وذلك بتقديم دعم القوة التي يملكها لعلاقات القوة التي تؤسسه».

فالقول بالبعد الرمزي في العلاقات الاجتماعية يعني القبول بسيطرة المقيّمين على الحياة الاجتماعية عبر آليات لا مرئية ولا واعية، أي عبر الآليات المستبطنة في قبول هو قائم والذي ينجم عن افتراض مزيف في أن البشر يقررون عن وعي ويُقدمون على الاختيارات التي يريدونها فعلا.

إن أساس العنف الرمزي يكمن في الاستعدادات المشروطة للبشر في تقبل السيطرة قبل كل شيء. والعلاقة الاتصالية في كافة الجوانب الاجتماعية إنما تعني منح التسويغ لبنى السيطرة اللامرئية وذلك بإعطاء طابع سلمي لعلاقاتها وبتحويلها إلى أشكال دائمة ومستقرة للروابط الاجتماعية.

ومن هنا نفهم جملة النزاعات التي تجري حوله ومن خلاله بسبب عمل كل مجموعة اجتماعية وفي داخل كل مجال اجتماعي من أجل فرض مفهومها وفرض علاقات السيطرة بشكل سلمي. إن الاتصال كمسألة إيصال الأفكار والآراء ووجهات النظر والتصورات والمعلومات، إنما يتم حسب استراتيجيات لمختلف المجموعات الاجتماعية وطبقا لمختلف الموارد الاتصالية لأفرادها كي تواجه مختلف الأوضاع التي تمر بها في حياتها اليومية والمهنية.

في الفصل السادس، يطرح الكاتب مسألة الكلام والمعنى. فبورديو يقدم نقدا شديدا لعلم الألسنيات المهيمن على العلوم الإنسانية وذلك كي يخلع هذه الهيمنة عنها، لماذا؟ لأن الكلام هو أداة فعل وسلطة وليس مجرد مقدرة ذهنية للتخاطب أو المعرفة. هذا يعني أن «بورديو» يرفض تناول الاتصال من الزاوية الشكلية في نقل وانتقال المعلومات عبر الكلام ليربطه بالسياق الاجتماعي والواقع الفعلي الذي يتم فيه:

«ما أريد أن أبيّنه هو أن جزءًا مهماً مما ينتج في الاتصال الشفوي، وحتى في محتوى الرسالة (الملفوظة) يبقى غير مفهوم طالما أننا لا نأخذ بالحسبان بنية علاقات الهيمنة القائمة في التبادل، وإن كانت غير منظورة». وهذا يعني أن الاتصال لا يتم من خلال الكلام وحده (دلالات وقواعد نحوية وتركيب عبارات)، وإنما من خارجه، أي عبر منطق العلاقات الاجتماعية بين الأفراد الذين يتبادلون مختلف أنواع الخطابات فيما بينهم. وبتعبير آخر لا يمكن فهم الخطاب السياسي أو الخطاب الديني أوالخطاب الثقافي أو الخطاب الإعلامي...

في عدم اتخاذ الكلام مجرد أداة إدراك اتصالية؛ وربطه بالعلاقات الاجتماعية التي يتم على أرضيتها بحيث تصبح هذه الأرضية مبدأ فهم ووعي أنماط التبادل اللغوي والخطابات. والمعنى بهذا إنما هو مائل بوجه أساسي في العلاقات الاجتماعية الفعلية بين الأفراد والمجموعات الاجتماعية.

باختصار كل تحليل للاتصال وخطاباته يخطئ «المعنى« منذ الوقت الذي يعزل فيه الاتصال عن الواقع العلمي وعن الوظائف الاجتماعية التي يقوم بها وعن الأهلية التي يمتلكها الاتصاليون والتي تشمل جملة الرساميل الرمزية أو الاجتماعية أو الثقافية، التي يتمتعون بها من خلال الفئات الاجتماعية التي ينتمون إليها. ذلك أنه إذا كان الاتصال يشكل ظاهرة منتشرة في عالم الحياة الاجتماعية، فإن الحياة الاجتماعية موجودة فيه أيضا.

* الكتاب:الاتصال حسب بورديو

* الناشر:لارماتان ـ باريس 2005

* الصفحات: 88 صفحة من القطع المتوسط

La communication selon Bourdieu

Stéphane Olivesi

L'Harmattan - PARIS 2005

P.88