درجت الذهنية العربية على استخدام أفعال التفضيل في إبداء الإعجاب بكاتب أدبي، وتلحقه بما يمكن انتقاؤه من لائحة التفخيم والتعظيم، حتى يوقر في قلب القارئ أن من يجري الحديث عنه وحيد وفريد عصره.

من أين جاءت هذه الذهنية، وكيف دخلت إلى الكتابة وتسللت إلى العقول ، حتى بات أي تعريف بكاتب لا توجد فيه تلك التفضيلات والتفخيمات، منقوصاً أو أن الكاتب قليل الشأن!

هل جاءت من عصر التراسل والتدوين، أم جاءت من شعوب مجاورة دخلت الإسلام وباسمه حكمت واستوطنت المنطقة، أم أنها وريثة جاهلية الشعر التي تجد في الممدوحين نبعاً لا ينضب من عبارات تضعهم فوق الآخرين وتميزهم عن قومهم.

عبارات جاءت من عصور وأماكن كثيرة، وعملت المخيلة العربية الخصبة على إروائها فاستطالت حتى وصلت إلى القول إن فلاناً كاتب عظيم، أو روائي عملاق، أو شاعر كبير.. الخ.

تلك القائمة من العبارات تصادر حق القارئ في الحكم على الكتابة ولعل الصحافة العربية كان لها السبق في إسباغ تلك الأوصاف على الأدباء والكتّاب، دون انتباه إلى ما تتركه من أثر سلبي في الذهنية العربية وما سيتربى عليه الأجيال عندما ينظرون إلى الكتابة وقد غابت الموضوعية وتراجعت معايير القيمة الفكرية والفنية.

لقد أعطت الصحافة العربية في أول عهدها الحق لنفسها كي تطلق الألقاب وتستخدم أفعال التفضيل وعبارات التفخيم والتبجيل، لأنها كانت ذات هدف توعوي تنويري، وليست ذات هدف إخباري موضوعي، وهذا ما يفسر اختلاط الأخبار بالآراء في الصحف العربية، ويكاد المرء لا يفرق بين الخبر الفعلي وبين رأس الصحافي المطل من بين السطور مدلياً برأيه موجهاً القارئ إلى هدف معين.

وهو ما أدى بعد سنوات طويلة إلى خلق حالة من فوضى اللاموضوعية وإلى اختفاء القيم المهنية، فلا حوار في مطبوعة عربية إلا وقد دخلته عبارات الشاعر الكبير والعملاق المحلق في سماء القصيدة أو كان العنوان على شاكلة «حوار مع أهم شاعر عرفته العرب في العصر الحديث».

قلائل هم الذين ينتهجون الموضوعية في إطلاق الألقاب أو توزيع الرتب العسكرية وغيرها ألا يكفي أن يكون المرء شاعراً ليكون مهماً، أو روائياً ليكون عملاقاً، إنهما تسميتان أكبر من توصيف أو تفضيل.

هل تترك الكتابة لتقول عن نفسها ما هي؟ وهل يترك الحكم للقارئ ليكتشف بنفسه أهمية ما يقرأ فيصنفه في موقعه الصحيح؟ وهل ستتوقف الذهنية العربية عن ذلك؟

يبدو أن المسألة ستطول أكثر في زمن سلطان الطرب وشمس الأغنية، و«بوس الواوا» وهذه قصيدة عصماء غنتها المغنية العملاقة القديرة الساحرة هيفاء وهبي أمد الله في عمرها.

hussain@albayan.ae