هل يمكنني العودة بك إلى هذا العام الأخير الفريد من نوعه، فقد فزت بجائزة ويلفرد أوين وبجائزة كافكا و بجائزة نوبل للأدب وها أنت الآن تفوز بجائزة المسرح الأوروبي. فهل ساعدك كل هذا التقدير العلني على التماسك في غمار فترة صعبة بالنسبة لك على الصعيد الصحي؟
هذه المقابلة أجراها مايكل بيلينغتون، المحرر بصحيفة «الغارديان» اللندنية مع الكاتب المسرحي والشاعر وكاتب السيناريو والممثل هارولد بنتر، بمناسبة فوز العبقري البريطاني المبدع بجائزة المسرح الأوروبي وصدور كتاب «أعمال بنتر الأساسية»، حيث ألقى الفائز بجائزة نوبل للأدب الضوء على ملامح من عالمه الإبداعي الرحب
بالإضافة إلى جانب من تأملاته السياسية وآرائه التي لا ينقصها العنفوان رغم تعدد مؤشرات غروب العمر. وفيما يلي نص المقابلة التي تركت أصداء مدوية وترجمت إلى العديد من اللغات، وتناقلتها المواقع المعنية بالمسرح والفن عموماً إضافة إلى النشاط السياسي المناهض للحروب والنزعات العدوانية وذلك على شبكة الانترنت
ـ لقد اجتزت عدداً من التجارب المروعة، كان بعضها غريباً على نحو رهيب، على أي حال، فقد حضرت مهرجاناً رائعاً لأعمالي أقامه «مسرح دبلن جيت» في أكتوبر الماضي بمناسبة عيد ميلادي الخامس والسبعين. وفي اليوم التالي كنت بسبيلي إلى مغادرة دبلن،و فيما كنت أترجل من السيارة عند المطار انزلقت، وارتطمت رأسي بكتلة حجرية في الرصيف.
والتفتت زوجتي التي كانت معي أيضاً، فوجدتني مكسوا بالدماء، وأمضيت أربع ساعات في المستشفى في تلك الليلة في حالة مفزعة للغاية، وعدت إلى انجلترا في صبيحة اليوم التالي، وبدأت في التعافي، واستيقظت بعد يومين، لأكتشف أنني قد مُنحت جائزة نوبل للأدب! وهكذا فإن حياتي على امتداد العام الماضي كانت لها، بالمعنى الحرفي، ذرواتها وهواتها.
* ما هو تأثير الفوز بجائزة نوبل عليك؟
ـ بداية، كان هذا الفوز مفاجأة كبيرة، وشيئاً غير متوقع بالمرة. فقد اتصل بي شخص هاتفياً من ستوكهولم، في حوالي الساعة الثانية عشرة إلا الثلث، وقال: «صباح الخير. هل أنت هارولد بنتر؟». قلت: «نعم»، فقال: «يسعدني إبلاغك بأنك فزت بجائزة نوبل للأدب». قلت: «هل فزت حقاً؟». قال: «نعم»، فقلت: «شكراً».
وكانت الخطوة التالية طُلب مني أن أكتب محاضرة نوبل السنوية، وأن ألقيها، ثم وجدت نفسي في المستشفى مجدداً، حيث كنت قد تعرضت لحالة غامضة للغاية من الإصابات الجلدية التي تأتي بفعل الأدغال البرازيلية. وينبغي أن أوضح أن قدمي لم تطأ الأدغال البرازيلية قط، ولكنني شاركت الهنود البرازيليين هذه الحالة المؤلمة للغاية.
وعلى أي حال، فقد اجتزت ذلك وعكفت على القاء خطاب نوبل، عندما رن جرس الهاتف، حيث قال لي الطبيب إنه قد ألقى نظرة على نتائج فحوص دمي. وقال: «لابد أن تحضر إلى المستشفى في التو!». فقلت له ما الذي تقصده بقولك في التو، فقال: «في التو؟ إنها تعني الآن، في غضون الدقائق الخمس المقبلة». وكنت قد انتهيت لتوي من كتابة الخطاب، ولذا اقتضى الأمر مني حوالي عشر دقائق للوصول إلى المستشفى. وبعيد وصولي ألفيت نفسي في العناية المركزة، ووجدت من الصعب للغاية أن أتنفس.
وكان هناك الكثير من الأطباء حولي، إلى جوار زوجتي التي استبد بها القلق البالغ، ثم أدركت، للمرة الوحيدة في عمري، أنني على مشارف الموت. ولم أكن على وعي بمثل هذه الحالة المتطرفة من قبل قط. ولكنني لم أمت، حيث ساعدني الأطباء على اجتياز المحنة. وها أنذا اليوم.
* لست أريد التركيز على هذا الأمر على نحو مقيت، ولكن في لحظة إدراك أن الموت قريب منك ما الذي يحدث؟ ما الذي يدور في رأس المرء؟
ـ ليس هناك وقت للتفكير، بل انك لا تفكر على الإطلاق، وإنما تخوض غمار التجربة. وما تفعله، في حالتي، هو أنك تكافح وتكافح للبقاء حياً. وتحاول وتصر على التنفس.
فيما يتعلق بفحوى خطاب جائزة نوبل، يبدو لي أنه فيما يقول إنه ليست هناك حقيقة قاطعة في الفن، إلا أنه يقع على كاهلنا التزام بتمحيص حقيقة حياتنا ومجتمعنا. بهذا المعنى، هل ما يجري في العراق كارثة؟ بسبب كل الأدلة التي تدعمها الوثائق، بسبب غوانتانامو، بسبب أبو غريب، فإن الناس قد استيقظوا لرؤية الواقع
يبدو أن هناك الآن وعياً أكبر من جانب الرأي العام بما نحن مسؤولون عنه حقاً والأعمال التي قامت بها بلادنا، وما تعنيه، وما هو الدمار بالفعل، وما هو التعذيب حقاً، وهذا هو السر في أنني كنت مشغولاً بهذا على امتداد سنوات عدة. إن أشياء مثل غوانتانامو وأبو غريب ليست أموراً جديدة الآن، وإنما لها سوابق في الماضي.
وكما أشرت في محاضرتي، فإن السياسة الخارجية الأميركية قد التصقت طوال الخمسين عاماً الماضية أو يزيد باهتمام واحد، واهتمام واحد فقط: «ما الذي يصب في مصلحتنا؟». وهناك الكثير من الأميركيين الذين يشعرون بالغضب والاشمئزاز حيال هذا الأمر مثلي تماماً، وقد تلقيت الكثير من الرسائل من أميركيين بعد إلقاء خطابي، وبعضها مصاغ في عبارات توحي باليأس.
ولكن عودة إلى سؤالك، فقد قوبلت بالسخرية في الماضي في غمار مهاجمتي لاساءة أميركا استخدام قوتها ، ونعتني البعض بأنني أحمق على أقل تقدير. ولكننا جميعاً نعرف ما نواجهه الآن. واعتقد أننا قد جوبهنا بذلك سنوات طويلة.
* هل يمكنني الانتقال إلى الجانب الآخر من محاضرة نوبل حيث تتحدث عن عملية الكتابة. لقد تحدثت عن الطريقة التي تولد بها مسرحية من سطر واحد، من كلمة، أو من صورة، وكذلك عن الطريقة التي تقاومك بها الشخصيات وتكتسب حياة خاصة بها.
ولكن أليس هناك كذلك جزء واع منك ينظم الحركة والشخصيات؟
ـ إنني لست على وعي بعمل وعي بتلك الطريقة في مرحلة مبكرة من الكتابة، وبعد وصول الكتابة إلى نقطة معينة، فإنني أشتغل بجد على النص بوعي تام، وبتعبير آخر، فإنني لأ أعيش بلاوعي الوقت اللعين كله، وإنما أبقي عيني على العمل. ولكن من الأمور المثيرة للاهتمام في كون المرء كاتباً العثور على الحياة في الشخصيات المختلفة التي لا تعرفها على الإطلاق. وإلى حد معين فإنك يتعين عليك أن تتركها تعيش حياتها.
ولكن هناك أيضاً صراعاً يدور على الدوام بينك ككاتب وبينها كشخصيات. من المسؤول؟ ليست هناك إجابة سهلة على هذا السؤال. وأعتقد في نهاية المطاف أن الكاتب هو المسؤول، لانه سواء أحبت الشخصية ذلك أم لم تحبه فكل ما يتعين عليّ القيام به هو أن أحمل قلمي وأقوم بهذا (ايماءة محو حادة) فتضيع الشخصية في سطر واحد. وربما يكون هذا السطر أحد السطور المفضلة لدى الشخصية في حوارها، ولكن قلمي في يدي.
* فلنأخذ مثالاً محدداً، روث في مسرحية «العودة إلى الدار». من الواضح أن لها إرادتها وحياتها الخاصة. ولكن هل كنت تعلم من البداية إلى أين تمضي روث؟ بمعنى أنها تمضي نحو سيطرة غامضة وملتبسة على دارها الموروثة؟
ـ لم أعلم حقاً ما الذي سيحدث وإلى أين تمضي روث أو تمضي المسرحية. والمشهد الثاني من هذه المسرحية يظهر الأخ الأكبر، تيدي، وهو يحضر زوجته من أميركا لمقابلة عائلته في لندن. وفيما وجدت هاتين الشخصيتين في الغرفة،لم تكن لديَّ أي فكرة عما سيحدث لأي منهما.
وتدريجياً نمت المسرحية، وأملت نفسها بصفة جزئية من خلال تصرفات البطلة، فقوة روث الجنسية وسلطتها بدتا متعلقتين بصورة غريبة مع توالي أحداث المسرحية، وقد يبدو هذا هراء وكلاماً فارغاً، ولكنني لم أستطع ببساطة التنحي عن هذا الطريق، فقد بدأت روث في الهيمنة على المسرحية بطريقة لم أكن قد توقعتها. لقد كانت من النوع الذي لا سبيل إلى تجنبه، وهي بالفعل إحدى الشخصيات المفضلة لديَّ.
* هل العملية هي نفسها بالنسبة للمسرحيات ذات الطابع السياسي الواضح، مثل «كأس للطريق» و«لغة الجبل» و«وقت الاحتفال»؟
ـ لا يمكن أن تتكون العملية هي ذاتها على وجه الدقة. لا. الأمر هنا يصعب تحديده إلى حد كبير. ولكن في مسرحية «وقت للاحتفال» لديك الكثير من الناس المتأنقين الذين يستمتعون بحفلة عصرية تموج بأقداح الشراب،
بينما في خارج مكان الاحتفال هناك حواجز طرق وطائرات هليوكبتر. وقد كنت أعلم من مرحلة مبكرة للغاية أن الناس الموجودين في الحفلة، أو على الأقل أن بعضاً منهم مسؤولون عما يجري في الطريق، وهكذا فقد كان لديَّ نوع معين من المعرفة، لم أتملك ناصيتها في غمار كتابة مسرحية «العودة إلى الدار».
إن كتابة المسرحيات عمل له طبقات متعددة إحداها فوق الأخرى، وهي تجربة لا تتكرر هي ذاتها مرتين أبداً.
مؤلفات بنتر
* يكاد يكون من المستحيل وضع قائمة موجزة بشكل معقول لأعمال هارولد بنتر، لأننا أمام كيان هائل يمتد بلا انتهاء تقريباً من الأعمال الإبداعية. ومن هنا ربما يكفي أن نشير إلى مجموعة من مسرحياته مع تاريخ كل منها بحسب الترتيب الزمني لكل منها في الصدور:
* الغرفة (1957)، حفل عيد الميلاد (1957)، القائم على الأمور (1959) ، النادل الأحمق (1960)، الأقزام (1960). مدرسة ليلية (1961) ، المجموعة (1961)، ألم خفيف ومسرحيات أخرى (1961)؟ الآكلون السذج (1963)، العاشق (1963). الخادم (1963)، العودة إلى الدار (1965) ، حفل الشاي (1965)، الحفل ومسرحيات أخرى (1967)، الحادث (1967)، قصائد (1968)، الصمت (1969) ، أيام زمان (1971)، الوسيط (1971) ، مونولوج (1973)، الخيانة (1978)
* قصائد ونثر (1987)، أصوات عائلية (1981) ، أماكن أخرى (1982) ، اللاعبون (1983)، كأس للطريق (1984) ، الفوز (1990)، حكاية الخادمة (1990)، الأعمال الكامل (1990)، بنتر في الستين (1993) من التراب إلى التراب (1996)، احتفال (1999)، الحرب (2003)، الموت (2005)
منى مدكور
