يقدم هذا الكتاب لمؤلفه المفكر المصري المعروف الدكتور أنور عبد الملك، الذي أثرى المكتبة العربية بعدد من المؤلفات المتميزة منها «ريح الشرق» و«نهضة مصر»، ملفاً يجمع نخبة من إسهامات عدد من الرواد وما قدموه من إسهامات متميزة تمثل علامات فارقة على طريق مسيرة مصر الطويلة بدءا من جيل رواد الثورة في مطلع الأربعينات حتى اليوم.
ويعرض المؤلف في كتابه لإسهامات هذه النخبة الواسعة التي رفعت ألوية التحرر والتقدم والتغيير والثورة والنهضة وجمعت بين مختلف مدارس الفكر والعمل على أرض مصر في جبهة وطنية متحدة وواسعة ورحبة حول محور العروة الوثقى التي جمعت دوما وما زالت وستظل شعب مصر وجيش الوطن. ويشير المؤلف إلى أن الفكرة الأساسية التي يجب أن يجتمع عليها الجميع هي أن تتحول «مصر الجديدة» إلى أمل الجميع وأن تصبح هدفا للفكر والعمل المصري دون كلل ما دام أن العمل وحده هو الذي يفتح طريق المستقبل. في مستهل استعراضه للشخصيات التي يتناولها يشير الدكتور عبد الملك إلى أنه خلال الأربعينات والخمسينات كان المدخل إلى المسألة المصرية هو السؤال : من أين نبدأ؟. وقد كان هذا السؤال يتلوه محاولات للإجابة تتنوع حسب المشارب والتوجهات تشير إلى أنه من هنا نبدأ.
ومن بين الشخصيات التي يتناولها في كتابه يعرض الدكتور أنور عبد الملك لسلامة موسى الذي يراه رائد التفكير العلمي في مصر. ويشير في معرض حديثه في هذا الجانب إلى أن سلامة موسى التقى الحضارة الأوروبية في مهدها في فرنسا وانجلترا منذ 1908 وهنا التقى بالفكر العالمي الحديث والاشتراكية كنظرية وحركة سياسية وعرف جماعة العقليين من الفلاسفة والمفكرين الأحرار في لندن وباريس، وبدأ موسى يتساءل عن مغزى حياته وعن هدفه من الدنيا وهو في مطلع الشباب.
وإزاء ما بدا من غرابة لآرائه عن الواقع المصري تم التنديد به ومطاردته في كل مكان ما جعل حياته جحيماً لا يطاق كما جرى اتهامه بالخيانة وقذفه بأحط الألفاظ . والى سلامة موسى ينسب المؤلف دوراً في تغيير العقلية المصرية في القرن العشرين وكونها بدأت تساير العالم المعاصر.
ثم يتطرق بعد ذلك إلى الدور المتميز الذي لعبه الدكتور عبد العظيم أنيس العالم والمفكر والمناضل مع صحبه وزملائه. ويشير الدكتور عبد الملك إلى انه وسط أجواء المخاض السياسي الذي كانت مصر تعيشه في أجواء ما قبل ثورة يوليو 1952 تصاعدت مشروعات ونداءات مختلفة تسعى لفتح مجالات متنوعة من الاقتصاد إلى الثقافة ومن الإيمانية والتراث إلى العلوم والتكنولوجيا، ولكنها تلاقت جميعاً في دائرة السعي إلى مصر الجديدة.
ووسط الجهود المبذولة آنذاك كان الدور الذي لعبته الحركة الشيوعية المصرية والحركة التقدمية بالوجه الأعم من خلال مجموعة من الرواد بينهم عبد العظيم أنيس ومن هنا كان تأسيس دار الأبحاث العلمية في القاهرة عام 1942 ومن بعدها في الإسكندرية بهدف إيجاد مؤسسة قانونية سياسية علمية فكرية تستقطب طلائع شباب الحركة الوطنية والتقدمية الراغبين في المشاركة المؤثرة في مختلف قطاعات الحياة العامة دون الاقتصار على حدود طبقة أو فئة اجتماعية محدودة على رغم أهميتها.
وأصبحت دار الأبحاث العلمية مدرسة كادر وطني تقدمي مصري يسعى إلى تقديم البدائل للكوادر القاتلة للاحتلال الأجنبي والتفرقة الطبقية، أي أن مدرسة الكادر المصرية الجديدة كانت تسعى بكل وضوح إلى تقديم رؤية جديدة تستطيع طواقم جديدة من الكادر أن تنجزها على امتداد التاريخ الوسيط.
من أنيس إلى فتحي رضوان .. عميد الحركة الوطنية المصرية والذي ينتمي إلى جيل الثلاثينيات. يشير المؤلف إلى أن هذا الجيل يعد أكثر الأجيال غموضاً في الشارع المصري وكذا بين الطلائع وهو الجيل الذي جاء على أنقاض ثورة يوليو 1919، جيل استقرار الحكم للاستعمار البريطاني وحلفائه حول القصر قبل الثورة الشعبية في 1935 ـ 1936.
ويتطرق د. عبد الملك بعد ذلك إلى شخصية أخرى هي عبد الفتاح صبحي وحيدة والذي يذكر أنه كان شخصية أصبحت معضلة أو مشكلة تؤرق بال العدو المحتل. وحسبما يذكر فإن وحيدة يدخل مرحلة التاريخ الحديث من بوابة الحملة الفرنسية حيث يرى فيها غزوا لقوة أكثر تقدماً من الناحيتين العلمية والعسكرية والسياسية في المقام الأول، ساعياً لمتابعة مقاومة شعب مصر عبر ثورات القاهرة والإسكندرية من خلال كتابات الرواة والمؤرخين.
إن وحيدة، حسبما يذكر المؤلف، ينتمي إلى الجيل الذي تشبع بالفكر الغربي في الأعماق ومع ذلك نراه في التوجه العام يتجاوب مع محاور الفكر والعمل الوطني بل والتقدمية المصرية ويضيف إليها البعد الحضاري وذلك بفضل تعمقه في دراسة الصياغة التاريخية لمصر عبر القرون، وهو الأمر الذي يؤكد المؤلف أنه ينقصنا في الكثير من الأحيان، ربما سعياً وراء بريق النشر المتعجل والتلاعب بالمفاهيم اللامعة وأسماء الشخصيات المرموقة التي تؤكد أننا دخلنا في الجو أو لعل الجو الذي دخلنا.
من الشخصيات التي يتناولها بعد ذلك إبراهيم عامر صاحب كتاب «الأرض والفلاح ـ المسألة الزراعية في مصر» الذي يعد إسهاما محوريا بشأن الأرض والفلاح في تاريخ مصر، وفيه يقدم ضمن ما يقدمه من جديد تحليل للقوى الاجتماعية في الريف المصري ـ الملاك المتقاربون، المزارعون الأغنياء، المزارعون المتوسطون، المزارعون الفقراء، المعدمون والعمال الزراعيون، مستعرضا دور الطبقة الوسطى في الحياة السياسية.
أما شهدي عطية الشافعي فقد كان حسبما يصفه عبد الملك الرائد والمعلم والأستاذ للحركة الوطنية والتقدمية جمعاء. وكان الوجه المضيء جامع الشمل موحد الصفوف المساعد الأول والأقوى في بناء الجبهة الوطنية المتحدة منذ فجر الأربعينات حتى يوم رحيله الدامي.
ورغم قلة الآثار المكتوبة أو على الأقل المنشورة عنه جراء الرقابة السياسية آنذاك فإن الذكريات، ذكريات جيل الأربعينات والخمسينات وحتى مطلع الستينات عارمة تكاد تحاصر وتخترق حصار الحنين المأساوي لرجل حفر أنيابه في قلوب كل من قاده وعلمه في طريق التحرر والديمقراطية والتقدم.
لقد وجه حب الوطن خطاه مع صفوة من أنبغ طلائع شباب مصر المثقف والعامل في مطلع الأربعينات إلى إدراك أنه لا بد من تعبئة هذه الصفوة انطلاقا من حب الوطن بهدف تكوين كوادر مصر الغد في الوقت الذي لم تكن فيه هناك مدارس في الأحزاب القائمة والذي لم تسع فيه المؤسسات الحكومية والرسمية المزدهرة آنذاك حول جماعة فؤاد الأول وبوتقة الجمعيات العملية المنتشرة حولها إلى هذا المنحى.
ثم ينتقل بعد ذلك إلى تناول يوسف إدريس رائد القصة القصيرة في مصر. ويشير إلى طابع التحدي الذي اتسمت به كتابات يوسف إدريس التي طالما استفزت المغرورين والمستوظفين وأدعياء الثقافة. ويضيف إن هؤلاء بقدر ما كانوا في كوكب بعيد عن شعب مصر وما زالوا بقدر ما كان يوسف إدريس يعبر عن وجدان وحاسة ونبض وإيقاع الإنسان المصري في مطلع عصر الثورة ..
فإدريس وجيله أقاما أعمدة التجديد الفني والأدبي وكذا الثقافة الوطنية بجدارة وبراعة لم ينسها شبابنا على رغم التغييب. هنا يتطرق إلى ذكر الأسماء اللامعة لذلك الجيل .. عبد الرحمن الشرقاوي في الرواية، صلاح عبد الصبور، وعبد الرحمن الخميسي، كمال عبد الحليم، وصلاح جاهين، وفؤاد حداد في عالم الشعر، وجمال السجيني وكوكبة زملائه في ساحة الفنون الجميلة، نعمان عاشور بين الناس اللي تحت والناس اللي فوق، أحمد رشدي صالح أستاذ الأدب الشعبي ولطيفة الزيات زعيمة الشباب الروائية المرموقة.
وفي محطة أخرى من محطاته يتوقف أنور عبد الملك مع ..
زميل نبيل عزيز يعيش دائما في الذكرى والوجدان.. هو جمال حمدان. فعلى الرغم من تغير الظروف وتبدل الأحوال تشاء الظروف بأن يستطيع الراحل الكبير أن يقدم المعالم الرئيسية لفكره الجيو ـ سياسي والجيو ـ استراتيجي حول شخصية مصر في المرحلة التي راحت فيها أمتنا دولة وشعبا تستعد لمحو نكسة يونيو 1967 أي وبالتحديد مرحلة حرب الاستنزاف والاستعداد لعبور أكتوبر 1973 قبل أن يحاصر سياسيا. لقد عاش المرحلة الأخيرة من عمره القصير فيما يشبه عزلة الناسك ..
عزلة فرضها على نفسه في مواجهة هرولة قطاع واسع من زملائه المفكرين والمثقفين إلى السير في ركاب التطبيع باسم السلام حول علاقة كامب ديفيد منذ 1978. يذكر الدكتور عبد الملك أنه عندما التقى حمدان بعد طول فراق وجده جريحا متألما محاصرا بموجات الحسد والنقمة والتنكر التي اضطرته أن يترك منصبه أستاذا للجغرافيا بكلية الآداب جامعة القاهرة ليتفرغ للتأليف. لم يسترسل أبدا في نقد من أساءوا إليه، كان همه أن ينكب على عمله وأن ينجزه جله وكأنه يشعر أن الأيام المتاحة محدودة.
وضمن مسيرته في رصد كوكبة الشخصيات التي يرى محورية دورها في عملية التغيير والتأثير في مصر يعرض المؤلف للطيفة الزيات الرائدة في الحركة الوطنية المصرية والعلم لطلائعها على رأس اللجنة الوطنية للعمال والطلبة .
كما يعرج على مسيرة عادل حسين الذي كان له الفضل الأكبر في تبيان أسباب التغيير العميق في أعماق المجتمع المصري في دراسته الرائدة عن الاقتصاد المصري من الاستقلال إلى التبعية(1974 - 1979) الذي تم نشره في جزأين عام 1981. ومنه ينتقل إلى الحديث عن شادي عبد السلام الذي يصفه بأنه «ذو إشراق وفكر طليعي وريادة هيامية».
* ألفت عبد الله
* الكتاب: الطريق إلى مصر الجديدة
*الناشر: دار المعارف ـ القاهرة 2005
*الصفحات: 158 صفحة من القطع الصغير

