مازال الحديث عن محرقة اليهود موضوعاً بالغ الحساسية، في ظل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وفي ظل تضارب تقديرات المؤرخين والمحايدين حول أعداد ضحايا الأحداث النازية، من هنا تنبع أهمية كتاب محرقة اليهود للدكتور رمسيس عوض أستاذ الأدب الإنجليزي والمعني بالبحث في شؤون الهولوكوست ومحاكم التفتيش، والأدب( له أكثر من 47 كتاباً باللغة العربية)،
كما تنبع أهميته كذلك من توقيت صدوره حيث صدر منذ أيام متواكبا مع تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد المطالبة بتشكيل لجنة لتقدير العدد الحقيقي للضحايا. ومطالبة إسرائيلية رسمية لمجلس الشعب المصري بالاحتفال بذكرى ضحايا المحرقة.. وهي الدعوة التي تم رفضها على الفور بالطبع. في البداية يوضح الدكتور رمسيس عوض أن الهولوكوست النازي لليهود لم يأت من فراغ، فهو يرجعه لعشرات القرون الماضية حينما أدانت الكنيسة الكاثوليكية بني إسرائيل لأنهم سفكوا دم السيد المسيح، الأمر الذي جعل أوروبا المسيحية تذيق اليهود صنوف الذل والهوان على نحو ما فصله د. عوض في مؤلفات سابقه له.
ولخص المؤلف الأحداث وردة الفعل المستمرة حتى الآن عليها في عبارة اقتبسها من عنوان رواية تيودور ديستويفسكي الشهيرة «الجريمة والعقاب» ففي حين ارتكبت أوروبا الجريمة ـ واعترفت بها ـ دفع العرب الثمن بضعفهم. المحور الرئيسي في كتاب محرقة اليهود أنه يمكن للإنسان أن يعترف بما تعرض له اليهود من دون أن يؤمن بأن هذا مبرر لمعاملة الفلسطينيين بهذه الوحشية.
وأنا أرى أن إنكار الهولوكوست يتضمن في طياته، عن وعي أو دون وعي، النقاط التالية: إنكار الهولوكوست جهل مطلق بحقائق التاريخ المعاصر، وقد أبرزت في كتابي الهولوكوست بين الإنكار والتأييد أن المؤرخ البريطاني المعروف ارنست إيرفنج، الذي انكر الهولوكوست اضطر للاعتراف بأنه على غير علم بكثير من الوثائق، وبالتالي خسر قضيته أمام القاضي الإنجليزي.
ويبدو للمدققين أن قادة النازيين لم تكن لديهم رغبة طوال الوقت في قتل اليهود في معسكرات الاعتقال حيث أكد الدكتور رمسيس لأنه في أعقاب وفاة أعداد كبيرة من سجناء المعسكرات نتيجة قسوة العمل إلى اضطرار قائد المعسكرات إلى التخلي عن خططه الاقتصادية الطموحة، بسبب عواقبها الوخيمة على قطاع الإنتاج،
ومع تقلص أعداد هؤلاء العمال السجناء نتيجة ارتفاع نسبة الوفيات بينهم رأى الرايخ الثالث أن مصلحته الاقتصادية تقتضي منه العمل على خفض نسبه الوفيات (نتيجة أمراض)، فقرروا تحسين ظروف السجناء المعيشية والصحية، وكذلك أسلوب المعاملة والتغذية، بجانب إلغاء القيود المفروضة على الطرود المرسلة إلى المساجين، وتحسين الخدمات الطبية (حدث ذلك في نهاية عام 1942 ومطلع عام 1943)
والثابت في كتاب الدكتور رمسيس كذلك أنه بجانب اليهود الذين كانوا يتعرضون لظروف عمل قاسية، قررت القيادة النازية دفع جنسيات وفئات بعينها للعمل القاسي المضني، حيث حددت توجيه كل الغجر والروس والأوكرانيين والبولنديين، الذين صدرت ضدهم أحكام لأكثر من ثلاثة أعوام، والتشيك والألمان (!) الذين صدرت ضدهم أحكام لأكثر من ثمانية أعوام، مع استبعاد البولنديين الذين تقدموا بطلبات لضمهم إلى قائمة المواطنين الألمان.
وهو الموقف الذي أفصح عنه أكثر من مرة وزير الدعاية جوزيف غوبلز. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن حراسة كل معسكر كانت تحت إمرة رجال وحدة البوليس الخاصة والمتعاونين معهم من الفرنسيين والكرواتيين والبلغاريين والروس، بل وعينت القيادة النازية بعض اليهود من كبار السن في وظائف شيوخ المعسكر.
ومن التقديرات المبالغ فيها لأعداد الضحايا ـ الذي كان من بينهم من يتم قتله على طريقة القتل الرحيم للميئوس من علاجهم ـ تقدير منسوب لسجينين يهوديين قالا إنهما تمكنا من الهرب من معسكر اوشويتز، وأن مليونا وسبعمئة وخمسة وستين ألف يهودي قتلوا في المعسكر في الفترة من إبريل 1942 حتى إبريل 1944، وأيضا كان تقديرهما يقوم على ملاحظاتهما الخاصة، غير أنه اتضحت المبالغة الشديدة في هذه الأرقام، خاصة وأنها تفوق أعداد الضحايا الكلية في كل من فرنسا وبلجيكا، كما ثبت من إحصائيات أجريت بعد انتهاء الحرب.
كتاب محرقة اليهود يوضح أن الأرقام فيها تضارب بالفعل، ففي حين تم العثور على وثائق تفيد بأن عدد الضحايا في معسكر اوشويتز لا يزيد على مئة ألف قتيل، اعترف قائد المعسكر بموت ثلاثة ملايين سجين في معسكره، بينما قدر باحثون بولنديون عدد ضحايا المعسكر بأربعة ملايين. وأكد باحثون غربيون أن عدد الضحايا في نفس المعسكر لايزيد على مليون(!)
وسضيف الدكتور رمسيس في كتابه أن عدد المسجونين في السنتين الأوليين من إنشاء معسكر أوشويتز كان نحو 27 ألف سجين، لكنه قفز بعد ذلك إلى 135 ألف سجين، وبسبب انتشار القمل والحشرات المعدية، تفشت أمراض الدوزنتاريا، والنزلات المعوية الأمر الذي جعل نسبة الوفيات تتراوح بين 19 إلى 25 %، وما لبثت أن انخفضت نسبة الوفيات بسبب تحسينات أدخلت على ظروف المعسكر.
ومن المبالغات والمزاعم التي روجت لها ـ بدون دليل ـ أصوات يهودية أن المصانع الألمانية استفادت من الأجزاء المختلفة من جثث الضحايا مثل الشعر والدهن (لتحويله إلى صابون) والذهب الموجود في الأسنان.
من ناحية أخرى ذكر الدكتور رمسيس عوض في كتابه ـ الذي لم يقدم ثبت بمراجعه واكتفى بإشارات خفيفة وسط السياق ـ يتجاوز 850 سجينا، وكان يوجد في المعسكر غاز «زيلكون ـ ب» بالفعل، لكنه كان يستخدم في إبعاد الكائنات الضارة عن جحورها ومخابئها، كما ذكر د. رمسيس أنه خطر لقائد المعسكر أن يستعمله كوسيلة للقتل بدلا من الضرب بالرصاص، وبدأ هذه السياسة بقتل مجموعة من السجناء السوفييت، خاصة بعد أن أكد له الأطباء أن الضحايا ماتوا دون ألم أو عذاب. وكانت البداية تجهيز كوخين لإعدام السجناء فيهما.
رصد الكتاب كذلك حقيقة مذهلة: أعداد ضخمة من العرب تم قتلهم في الأحداث النازية حيث أوضح أن معسكرات الاعتقال ضمت عرباً خاصة من البربر من دول شمال إفريقيا، كما كان هناك نحو 10 % من المعتقلين ألمان، وكانت الأغلبية الساحقة من الروس، والبولنديين، والفرنسيين، والهولنديين، والتشيك، واليونانيين، واليهود القادمين من البلاد الأوروبية الواقعة تحت الاحتلال النازي، وأنا أقدر عدد البربر الذين تم إعدامهم بالغاز، ثم حرقهم بنحو ربع مليون ضحية. ومع هذا لم يتكلم عنهم أحد، في حين أن اليهود أوصلوا صوتهم لكل العالم. وأود أن أوضح أن العرب الذين تم إحراقهم في المحارق النازية كانوا ممن خضعوا للاستعمار الفرنسي.
وفي سياق متصل رصد الدكتور رمسيس أن قيادات نازية أوصت باستغلال السجناء في تشييد مشروعات تدعم الاقتصاد الألماني، ولا يحتفظ التاريخ بسجلات دقيقة عن عدد المساجين الذين سخرهم النازيون من أجل ازدهار الاقتصاد الألماني، ولكن من المرجح أن أقل من نصفهم التحق في الفترة من 1942 حتى 1943 بالعمل في مجال المجهود الحربي النازي.
ولكن طبقا لما يقوله أحد الباحثين فقد ارتفع عدد المساجين العاملين في المجهود الحربي في أواخر عام 1944 من 400 ألف إلى 420 ألف سجين، كما بلغ عدد السجناء العاملين في القطاع الخاص الصناعي نحو ربع مليون وأيضا عمل في وزارة الانتاج الحربي ما يقرب من 170 ألف سجين، تم تسخيرهم في بناء مصانع تحت الأرض لصنع الطائرات.
وحسب كتاب المحرقة فقد كان الهدف الأصلي من إقامة معسكر أوشويتز استيعاب سجناء حرب سوفييت، وتشغيلهم في تشييد مدينة أوشويتز على نحو نموذجي، وهو هدف مدني تماما ولا يمت للنشاط العسكري بصلة. هذا بالإضافة إلى إماطة اللثام عن مطالبة بعض الأصوات بقصف معسكرات الاعتقال النازية، إلا أن القادة الميدانيين قالوا ان هذا يشتت جهودهم، وانه من الأفضل ألا يخاطر سلاح الطيران بالتوغل حتى هذا المعسكر في قلب ألمانيا، في حين أنه ثبت أن الطيران الأميركي والبريطاني وصل بالفعل لمسافة 5 كم من المعسكر.
أحمد فؤاد أنور
* الكتاب: محرقة اليهود
معسكر اعتقال اوشوتيز ـ بيركينو
* الناشر: الانجلو المصرية القاهرة 2006
* الصفحات: 240 صفحة من القطع الكب

