كتب الروائي والصحافي الأميركي آلن دروري في مقدمة روايته «الرأي والإجماع» التي فازت بجائزة بوليتزر عام 1960، «تم تغيير جميع الأسماء في الرواية لحماية المذنبين». وللاستدلال على أهمية الكاتب وشهرته في عالم الأدب يكفي القول بأن هذه الرواية قد حققت رقما قياسيا كأفضل الروايات مبيعا في قائمة صحيفة نيويورك تايمز لمدة 93 أسبوعا على التوالي منذ صدورها عام 1959.
عمل دروري الذي ولد في 4 سبتمبر عام 1918 في هيوستن، كصحافي مراسل لجريدة نيويورك تايمز حيث اهتم بالجانب السياسي لمدينة واشنطن العاصمة ، مركز مجلس الشيوخ والبيت الأبيض. ومن خلال مذكراته اليومية لعمله في الصحافة ورصده لحركة المسؤولين السياسيين تمكن من كتابة تلك الرواية، التي أضحت مرجعا مهما لطلاب الجامعة المهتمين بالتاريخ السياسي بالإضافة إلى ضمها إلى المنهاج الدراسي لطلبة الثانوية.
تلقى الكاتب تعليمه في تكساس وكاليفورنيا وتخرج من جامعة ستانفورد إلا أنه عاش في مدينة واشنطن التي أحبها كثيرا. وأنتج خلال فترة دراسته ثلاث روايات. وكان دروري بعد نشره للرواية مرجعا أساسيا لمن يود معرفة كل من تاريخ واشنطن أو السياسة الأميركية. علما بأنه توفي يوم الأربعاء في ليلة عيد ميلاده الثمانين.
ونظرا لكونه صحافياً محترفا وقارئا مخلصا لمجلة «المختار»، فقد رغب في رسم لوحته الخاصة، مثلما فعل بلزاك بباريس. وإن تميز عنه آلن بأسلوبه السردي والأدبي الذي مهد للغة روائية جديدة في الأدب السياسي.
وتناول في جميع رواياته اللاحقة التي بلغ عددها خمسة عشر، إلى جانب السياسة موضوع العنصرية والأعراق. وكل ذلك في إطار الديمقراطية التي تنادي بها الولايات المتحدة.
والسبب في نجاح أعماله الروائية السياسية يتجلى من خلال الاختلاف في المفهوم بين الفن والميلودراما. ففي الدراما تجد شخصيات العمل نفسها في مواجهة موقف ما، حيث يعتبر الموقف بمثابة اختبار للكشف عن حقيقة كل شخصية. أما في الميلودراما فإن طبيعة الشخصيات تبقى على حالها لكونها على ما هي عليه. ولذلك فإن الميلودراما تسخر لخدمة طبيعة الشخصيات، في حين أن الدراما تستخدم لكشف حقيقة وكوامن الشخصيات.
ومن عوامل نجاح الرواية أيضا، تركيبة العاصمة واشنطن التي ليست بحاجة لاختلاق دراما، فسكانها يعيشون دراما حقيقية في كل يوم من حياتهم.
وتعتمد حبكة الرواية على عرض الصراع الذي يجري بين رئيس الولايات المتحدة والسيناتور الأعلى من جنوب كارولينا المشهور سيبرايت كولي. وكلاهما ينتمي إلى طرف معارض من الحزب نفسه، وعليه فإنهما على اختلاف دائم في جميع الطروحات.
وتبدأ أحداث الرواية حينما يرشح رئيس الولايات المتحدة، السيد روبرت ليفينغويل المعروف في الوسط الإعلامي والليبرالي المحنك لمنصب رئيس الوزراء الذي يعتمد تعيينه على موافقة مجلس الشيوخ بالإجماع، حسبما ينص الدستور الأميركي.
وكما ينص الدستور أيضا فإن للرئيس الحق في اختيار سياسة البلاد، أما واجب مجلس الشيوخ فيتمثل في حماية أولويات أمن الأمة. وفي هذه الحالة فإن على المجلس حماية أمن الأمة، من خلال الاعتراض على المرشح الذي يشك في كونه شيوعي وكاذب.
وتطرح الرواية السؤال الأول المتمثل في كيفية استخدام الشيوخ لحقهم ومسؤوليتهم من خلال رؤيتهم للوضع في منع المرشح من الوصول للمنصب. أما السؤال الثاني فهو إلى أي مدى من التلاعب واعتماد طرق وضغوطات غير مشروعة مثل الابتزاز، يمكن للرئيس وأعوانه ومجلس الشيوخ استغلالها لتحقيق هدفهم.
أما السؤال الأخير فيعتمد على رصد تطور تلك الشخصيات من خلال مدى التجاوزات التي تكتشف كل شخصية قدرتها على اجتيازها، في إطار هذه الدراما البشعة. يتزعم معارضة الجهة المتحفظة في الحزب الجمهوري إلى جانب كولي في مجلس الشيوخ، السيناتور أورين نوكس من إلينوي.
في حين يسعى قائد الأغلبية روبرت مانسون إلى تهدئة التوتر في جلسات استماع المجلس من خلال تشكيل لجنة برئاسة بريغهام أندرسون من أوتاه. ويعتبر أندرسون أحد السيناتورات الذين يتصاعد نجمهم في عالم السياسة، وهو عقلاني ونزيه وذو شعبية.
ومخاوف مجلس الشيوخ ورفضهم للمرشح، مبنية على الحرب الباردة بينهم وبين الاتحاد السوفييتي. وتتصاعد الأحداث حينما يتفجر الموقف في المجلس بشهادة المسؤول الحكومي البيروقراطي هربرت جيلمان التي يفيد فيها بأنه كان مع ليفينغويل وشخص آخر يدعى جيمس مورتون منظمين في خلية واحدة في الحزب الشيوعي في شيكاغو قبل بضع سنوات.
ينكر المرشح تلك التهمة لعدم وجود أدلة ولم يتردد في الكذب على المجلس، قائلا بأنه لا وجود لشخصية مورتون التي اختلقها الشاهد. ويتفاقم الصراع حينما يظهر مورتون على الساحة لتأكيد شهادة جيلمان. وحينما يدرك الرئيس بأنه على وشك الخسارة، يعين الديمقراطي الديماغوجي فريد فان أكرمان لمساعدته في تحويل دفة الأحداث لصالحه. وهكذا يسعى الأخير لابتزاز أندرسون رئيس اللجنة من خلال حادثة في ماضيه.
يجاهد كبار المسؤولين في الحزب لمساعدة أندرسون، بما فيهم نائب الرئيس هارلي هادسون المتعاطف معه، وإن لم يكن يشكل نفوذا له ثقله. وللأسف تبدأ حدة توتر الأحداث بالتصاعد لتجني الضحايا، حيث يقدم أندرسون على الانتحار في مكتبه لعدم قدرته على مواجهة الفضيحة المتمثلة بعلاقته الشاذة بأحد الجنود منذ أمد طويل.
وتنتهي أحداث الرواية بصورة غير متوقعة حيث يتوفى الرئيس بصورة مفاجئة، في المرحلة التي يتم خلالها الإعداد لاجتماع القمة الأول مع الروس. وتبرز هنا رؤية المؤلف دروري الإيجابية حيث يبين بأنه إزاء مواجهة المستجدات ينسى الجميع خلافاتهم ليتحدوا جميعا لمواجهة الظرف الجديد.
ويذكر النقاد المعاصرون بأنه لو كان دروري على قيد الحياة لكانت رؤيته للسياسة الحالية قد اختلفت تماما، ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال الصورة السلبية المتصاعدة التي كانت تزداد طردياً مع أعماله اللاحقة. واعتمادا على تاريخ أحداث الرواية يذكر النقاد أيضا بأنه يمكن تخمين الشخصيات الواقعية المقابلة لأبطال الرواية.
فالسيناتور ألبن باركلي يقابله في الرواية روبرت مانسون، والمسؤول جوزيف مكارثي يقابله البطل بصورة كاريكاتورية فريد فان أكرمان، أما السيناتور ليستر هانت الذي انتحر فتقابله شخصية روبرت أندرسون. وجدير بالذكر أن روايته هذه قدمت كفيلم سينمائي عام 1962 من بطولة عمالقة التمثيل في تلك الفترة منهم هنري فوندا وشارلز لوتن، كما حولت أيضا إلى مسرحية حققت شهرة واسعة.
رشا المالح

