أشرف على تأليف هذا الكتاب أحد كبار المؤرخين الفرنسيين: البروفيسور جورج دوبي. وساهم في تأليفه العديد من الاختصاصيين في شتى الفروع والحضارات. فبعضهم تحدث عن الغرب المسيحي، وبعضهم عن الشرق الأقصى الآسيوي، وبعضهم الآخر عن الحضارة العربية الإسلامية، الخ.

وقد تحدث عن هذه الأخيرة البروفيسور بول بالطا الذي كان مديراً لمركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون. يقول هذا الباحث بما معناه: في وسط القرن الثامن الميلادي حصل شجار داخلي جديد أدى إلى زعزعة العالم العربي. فقد تغلب العباسيون على الأمويين واستولوا على السلطة بعد أن أعملوا المجازر فيهم.

وظلت السلطة في أيدي العباسيين مدة خمسة قرون. والواقع أنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة عام 632 ما انفكت الصراعات العائلية أو القبلية أو السياسية على السلطة تتوالى فصولا. وقد انتقلت من الجزيرة العربية إلى سوريا، ومن سوريا إلى العراق، ومن العراق إلى إيران، أو إلى المغرب الأقصى فإسبانيا.

وكانت الأطراف المتصارعة كلها تزعم أنها تحارب من أجل الإسلام الصحيح الذي انحرفت عنه الأطراف الأخرى. كل طرف كان يتهم الطرف الآخر بالانحراف عن نهج العقيدة القويمة لكي يزيحه عن السلطة ويحل محله. والواقع أن العباسيين استخدموا هذا الأسلوب لكي يسفهوا الأمويين ويشوهوا صورتهم. فقد أشاعوا عنهم بأنهم خرجوا على قانون القرآن الكريم والشريعة، وأنهم منافقون لا أثر للإيمان في قلوبهم.

ونجحت الإشاعة وانتشرت في كافة الأمصار الإسلامية، الشيء الذي أدى إلى سحق الأمويين عام 750 وحلول العباسيين محلهم على رأس الإمبراطورية العربية الإسلامية. وهذا ما يدعوه المؤرخون بالثورة العباسية. فقد ابتدأت ببث الدعاية المضادة للأمويين قبل استخدام الرجال والسلاح لإسقاطهم.

ثم يردف الباحث الفرنسي قائلا: وقد استطاع العباسيون ترسيخ نظام قوي استمر عدة قرون بعد أن نقلوا العاصمة من دمشق إلى بغداد، أي من سوريا إلى العراق. وشهدت الحضارة العربية-الإسلامية عصرها الذهبي عندئذ بين القرنين الثامن والثاني عشر الميلادي. فقد أدت حركة الترجمة عن الإغريق إلى ازدهار العلم والفلسفة. وأصبح علماء الإسلام هم منارات البشرية في ذلك الزمان. فأوروبا كانت تغط في نوم عميق: أي في دياجير العصور الوسطى والتعصب الديني والجهل والانغلاق على كل ما هو فلسفة أو علم.

وكما تحدث بعضهم عن المعجزة الإغريقية أيام أرسطو وأفلاطون وسقراط، فإنه يمكننا أن نتحدث عن المعجزة العربية أيام الكندي والحسن بن الهيثم والفارابي والبيروني وابن سينا وابن رشد، الخ.

وبين عامي 750 و1100 كان جميع العلماء إما فرساً وإما عرباً، وإما أتراكاً من آسيا الوسطى، وإما بربراً في الأندلس وشمال إفريقيا، وإما يهوداً، أو مسيحيين، أومسلمين بطبيعة الحال. ولكن هناك خاصية مشتركة بينهم جميعا هي: أنهم كلهم كانوا يكتبون بالعربية. صحيح أنهم كانوا يتحدثون بلغتهم الأم عندما يعودون إلى بيوتهم ولكن لغة العلم والفلسفة والمناقشة كانت العربية.

ولهذا السبب جرى استخدام تعبير الحضارة العربية وتفضيله على تعبير الحضارة الإسلامية. لماذا؟ لأن الكثير من العلماء ما كانوا مسلمين، ولكن كلهم كانوا يعرفون العربية ويؤلفون كتبهم الأساسية بها. ثم يردف بول بالطا قائلا: لكي يبرر العباسيون قتل أسلافهم الأمويين راحوا يستخدمون المحاجة الدينية كما قلنا. وقالوا عنهم بأنهم انحرفوا عن مبادئ الإسلام وأسرفوا في الفسق والمجون والبطر واتباع الشهوات والآثام. ولكنهم هم لم يقصروا في هذا المجال بعد أن أخذوا السلطة واستتبت الأمور لهم.

فالواقع أنهم عاشوا حياة المستبدين الشرقيين في قصورهم المنيفة. ولكن الفرق بينهم وبين الأمويين هو أن إمبراطوريتهم أصبحت كوسموبوليتية ولم تعد عربية خالصة كما كان عليه الحال سابقا. فالخلفاء العباسيون راحوا يتزوجون نساء غير عربيات، وكان وزراؤهم في الغالب من أصل فارسي كالبرامكة في عهد هارون الرشيد مثلا.

وكان أول خلفائهم هو أبو العباس السفاح الذي نصب خليفة عام 749 ولكنه لم يحكم فعلا إلا عام 750 بعد القضاء الكامل على الأمويين. وهكذا دشن السلالة العباسية التي أنجبت 37 خليفة وبقيت في السلطة حتى عام 1250 تاريخ دخول المغول إلى بغداد: أي خمسة قرون بالتمام والكمال. ولكن الخليفة العباسي الحقيقي كان هو الشخص الثاني في العائلة:

أي أبو جعفر المنصور الذي استلم الحكم بعد السفاح بأربع سنوات فقط (754-775). لقد حكم أكثر من عشرين سنة واستطاع بالتالي توطيد دعائم السلطة العباسية. وهو الذي أسس مدينة بغداد عام 762 وجعل منها عاصمة له. وسوف تظل عاصمة العراق حتى يومنا هذا. وبالتالي فالرجل له أهميته الكبرى في تاريخ الإسلام وقد لقبها بمدينة السلام.

وجعل منها ليس فقط عاصمة سياسية وإدارية للإمبراطورية العربية-الإسلامية وإنما أيضا مدينة الشعراء والفنانين. بل وأصبحت، وللمرة الأولى في تاريخ الإسلام، مدينة العلم والعلماء والفلاسفة والمخترعين. والواقع أن الشيء الذي ساهم في عظمة الخلافة العباسية هو تشجيع المنصور والرشيد والمأمون لحركة الترجمة ونقل المعرفة إلى اللغة العربية. ومعلوم أن العلم الإغريقي ترجم في تلك الفترة وكذلك الفلسفة الإغريقية بالإضافة إلى علم الفرس والهند وبقية الأقوام.

وفي تلك الفترة ظهر الكتاب الكبار من أمثال الجاحظ وابن قتيبة. كما وظهر علماء النحو الذين ثبتوا للعربية قواعدها ونحوها وصرفها وعروضها كالخليل بن أحمد الفراهيدي، وسيبويه، والكسائي، وغيرهم. وأما في مجال الشعر فقد هيمن على تلك الحقبة الشاعر الكبير المتحرر أبو نواس.

ولكن يبقى صحيحا القول بأن المجال الذي برع فيه علماء الإسلام وجعل من بغداد عاصمة الحضارة هو مجال العلم والفلسفة والتقنيات إن لم يكن التكنولوجيا. وفي الفترة الأولى كان علماء الإسلام مجرد ناقلين لعلم الآخرين أو مترجمين له. ومعلوم أن مرحلة الترجمة تسبق مرحلة الإبداع الذاتي. ثم جاءت المرحلة التالية: مرحلة الإبداع الذاتي والإضافة بعد أن هضموا كل هذه العلوم واستوعبوها.

ثم يردف بول بالطا قائلا: ويمكن القول إن علماء الإسلام أبدعوا في كافة المجالات بين القرنين الثامن والثاني عشر للميلاد. لقد أبدعوا في مجال علم الفلك، والرياضيات، والفيزياء، والطب، وعلم النبات، وعلم الجغرافيا، والفلسفة، والتاريخ، الخ. وأكبر دليل على إقبال الناس في تلك الفترة على المعرفة ما قاله السندباد في ألف ليلة وليلة: كنت أبحث عن صحبة العلماء... وهذا القول يمثل روح فترة بأسرها حيث أثبت العرب والمسلمون قدرتهم على فهم العلوم والفلسفات والإضافة إليها.

ففي تلك الفترة التي تمثل العصر الذهبي من حياة العرب والمسلمين ظهر البيروني (973-1048) الذي اخترع الاسطرلاب: وهي آلة قديمة لقياس ارتفاع الشمس والنجوم. وكان العرب يولون أهمية كبيرة للمعرفة بالنجوم أكثر مما كان يفعل الإغريق أو الرومان أو الألمان. لماذا؟ لأن هذه المعرفة تجنبهم خطر الضياع في الصحراء.

ومن أشهر العلماء الذين ظهروا في العالم الإسلامي نذكر ناصر الدين الطوسي (1201-1274) الذي بنى مركزا لمراقبة النجوم. ولم يكن له مثيل في تلك الفترة عند أية أمة من الأمم. وعن طريق تلك الاختراعات والعلوم التقنية استطاع العرب أن يسيطروا على الملاحة في البحار أكثر من غيرهم.

ولذلك فإن السندباد البحري أصبح أحد أبطال ألف ليلة وليلة لأنه انطلق من البصرة لفتح البحار والمحيطات حتى وصل إلى الصين!! وكل ذلك ناتج عن اختراع العرب لآلات الملاحة البحرية وتحسينها وتطويرها. وقد أخذ العرب عن الصينيين البوصلة التي تفيدهم في تحديد الوجهة أثناء السفر البري أو الملاحة في البحر. ثم نقلوها إلى الأوروبيين لكي يتعرفوا عليها.

ثم يردف الباحث الفرنسي قائلا: ويصعب علينا هنا أن نستشهد بأسماء كل العلماء والعباقرة الذين ظهروا في تلك الفترة. نذكر من بينهم فقط الخوارزمي (780-850) الذي اخترع علم الجبر. ومعلوم أنه انتقل باسمه حرفيا إلى اللغات الأوروبية. وقد استفاد منه الفيلسوف ديكارت لبناء نظرياته العلمية والفلسفية.

ونذكر الحسن ابن الهيثم (965-1039) وكان واحدا من أكبر علماء الفيزياء في كل العصور. ومعلوم أنه هو الذي أسس علم البصريات وذلك قبل العالم الأوروبي روجر بيكون (1220-1292) بزمن طويل. كما واكتشف قانون العطالة الذاتية الذي سيصبح أول قوانين الحركة لدى العالم الشهير إسحاق نيوتن.

وأما عن الفلاسفة فحدث ولا حرج! فالكندي الذي مات عام 873 كان أول من اهتم بالفلسفة ودرسها وكتب فيها. ولذلك لقبوه بفيلسوف العرب. ثم تلاه الفارابي (878-950) الذي لقبوه المعلم الثاني بعد أرسطو الذي كان يدعى بالمعلم الأول، ومؤلفاته في الفلسفة السياسية والأخلاقية لا تزال تدرس في العديد من جامعات العالم.

ثم تلاه الشيخ الرئيس ابن سينا (980-1037) الذي تجاوزت شهرته حدود العالم العربي الإسلامي لكي تصل إلى الغرب اللاتيني المسيحي عن طريق الترجمة. ولا داعي لأن نذكر اسم ابن رشد (1126-1198) الذي أصبح أستاذا للغرب طيلة قرون عدة عندما تحول إلى تيار فكري طويل عريض يدرسونه في جامعات السوربون وبولونيا بإيطاليا

وكذلك جامعة بادوا، هذا بالإضافة إلى جامعة أوكسفورد وجامعات ألمانيا وسواها من البلدان الأوروبية. ومعلوم أن فكره ساهم في تدشين النهضة الأوروبية الأولى. وكانت قرطبة في ذلك الزمان منارة الحضارة العالمية كلها.

* الكتاب:تاريخ العالم في القرون الوسطى

* الناشر: منشورات لاروس باريس 2006

* الصفحات: 479 صفحة من القطع الكبير

Une histoire du monde médiéval

Georges Duby

Larousse -Paris 2006

p.479